صحيفة الثوري – نيويورك تايمز
كان تصدير النفط من الخليج العربي أمراً بسيطاً للغاية قبل ستة اشهر، فقد كان الامر لا يتجاوز انتاج الخام باقل تكلفة ممكنة، وتصديره عبر أسرع طريق، ثم بيعه للدول الأكثر قدرة على الدفع.. لكن تلك الايام انقضت، إذ لا يزال الشحن عبر مضيق هرمز، الذي ظل لزمن طويل الممر الأكثر كفاءة للتصدير، يشهد تراجعاً كبيراً بسبب الحرب في إيران. فالجزء الأكبر من النفط الذي يعبر المضيق حالياً ينقل على متن ناقلات تخوض مخابئ مهلكة لتفادي الطائرات المسيرة الإيرانية، أو تبحر في الظلام بعد إيقاف أجهزة تحديد المواقع. وقد أسفرت هذه الأوضاع عن مقتل ما لا يقل عن 17 بحاراً في المنطقة.
وأمام هذا الواقع، تسعى دول الخليج التي أمدت العالم بجزء كبير من نفطه لعدة عقود، وبكل حزم، إلى كسر أسرها وتبعيّتها لهذا الممر المائي الضيق، حيث تعكف حالياً على إنشاء وتوسعة خطوط أنابيب وبنى تحتية بديلة لتجاوزه، فضلاً عن توسيع قدراتها التخزينية بشكل هائل في مناطق مثل آسيا.
وتعكس هذه الجهود الحثيثة كيف تعيد الحرب تشكيل صناعة النفط في الخليج العربي.
وترى حكومات المنطقة والشركات العاملة فيها في هذه الخطوة تحوطًا ضروريا لا غنى عنه في منطقة تزداد اضطرابًا يوميًا، رغم ان هذه المشاريع ستتكلف مليارات الدولارات وتتطلب سنوات لإنجازها، وحتى لو تحقق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، فقد بات مصدّرو الخليج يدركون تماماً أن الاعتماد المفرط على طريق ترانزيت واحد يمثل مخاطرة لم يعد بمقدورهم تحمّلها بعد اليوم، ومن شأن هذه التحركات، مع مرور الوقت، أن تحدّ من نفوذ إيران وتأثيرها في المنطقة.
ويقول بن كاهيل محلل الطاقة في جامعة تكساس في اوستن “يرى كثيرون أن مضيق هرمز لن يعود أبداً إلى نقل النسبة ذاتها من صادرات النفط كما كان قبل الحرب”، مضيفاً: “ما من دولة في العالم ترغب بعد اليوم في الاعتماد الكلي على نقطة العبور تلك”.
وأشار كاهيل إلى أن منتجي الطاقة بدأوا يولون أهمية قصوى لتأمين بنيتهم التحتية، حتى وإن جاء ذلك على حساب كلفة أعلى وكفاءة أقل.
وكان زهاء 20 مليون برميل من الخام يومياً تعبر مضيق هرمز، الذي يربط خليج عمان بالخليج العربي، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات عسكرية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير، غير أن حصار الحظر المتداخل من جانب الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن الألغام البحرية والضربات الصاروخية وارتفاع تكاليف التأمين إلى مستويات قياسية، أدى فعلياً إلى إغلاق المضيق.
وفقاً لشركة «كبلر» لمراقبة الملاحة البحرية، تراجعت صادرات الخام عبر المضيق إلى نحو 3.7 مليون برميل يومياً حتى الأسبوع الماضي.
وما من شك أن كميات أكبر من النفط تُصدَّر من الخليج بطرق أخرى، جزئياً عبر سفن تتخذ إجراءات تجعل تعقبها أمراً صعباً، كما تُنقَل ملايين البراميل يومياً عبر مسارات قائمة مثل خطوط الأنابيب التي لا تتطلب المرور بمضيق هرمز، ولكن رغم ذلك يبدو السباق المحموم لإيجاد بدائل دائمة للمضيق جلياً في أرجاء المنطقة كافة.
فعلى سبيل المثال، تشهد الفجيرة، وهي مدينة ساحلية في الإمارات تطل على خليج عمان، عمل أطقم الإنشاءات على مدار الساعة لمد خط خام ثانٍ موازٍ لخط أنابيب قائم ينقل النفط من الحقول البرية في أبوظبي.
ويهدف هذا المشروع الطموح إلى مضاعفة قدرة الدولة على التفاف المضيق لتصل إلى 3.6 مليون برميل يومياً، مما يتيح لنحو كامل النفط الخام البري لأبوظبي الوصول إلى الناقلات الدولية دون حاجة السفن للعبور من مضيق هرمز.
كما أعلنت شركة شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، عملاق الطاقة المملوكة لدولة الإمارات، هذا الأسبوع عن خطتها لإنفاق 8.2 مليار دولار لتوسيع أعمالها في مجال الغاز الطبيعي، كما تدرس الشركة مخططات لإنشاء مجمع لتصدير الغاز المسال على ساحلها الشرقي كسبيل لتجاوز مضيق هرمز، وفق ما صرح به بيتر فان دريل، الرئيس التنفيذي للقطاع المالي في أدنوك، لتلفزيون بلومبرغ.
وفي السعودية المجاورة، تُسرّع شركة أرامكو، عملاق النفط المملوك للدولة، خطى توسعة بمليارات الدولارات لخط الأنابيب “شرق-غرب”.
وكان خط الأنابيب، البالغ طوله 1,201 كيلومتر (746 ميلاً) والذي صُمم إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، يقطع شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وقد وصفه رئيس مجلس إدارة أرامكو، ياسر الرميان، هذا العام بأنه “شريان الحياة” الاقتصادي للمملكة، بعد أن نجح في تحويل مسار نحو سبعة ملايين برميل يومياً منذ أن أغلقت إيران مضيق هرمز عملياً في أعقاب الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
كما يعمل المسؤولون السعوديون على إضافة مليون إلى مليونين برميل يومياً إلى طاقة الخط، إلى جانب دراستهم لإنشاء خط ثانٍ موازٍ اصغر حجماً لنقل المنتجات النفطية المكررة.
وصرح أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، الأسبوع الماضي قائلاً: “فيما يتعلق بتصدير خامنا، فنحن نعمل بجد في الوقت الراهن على زيادة خياراتنا المتاحة وتوسيع نطاقها”.
ولا تقتصر آثار حالة عدم اليقين المخيمة على مضيق هرمز عند هذا الحد، بل أضحت تحفز مشاريع مشتركة بين منتجي الخليج؛ إذ تجري الكويت محادثات مع السعودية ودول عربية أخرى لإنشاء خط أنابيب يربط الحقول النفطية الكويتية بموانئ على البحر الأحمر أو عُمان.
كما أعاد العراق والأردن إحياء مخططات قديمة أُرجئت طويلاً لإنشاء خط أنابيب قد ينقل ما يصل إلى مليون برميل يومياً إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر، بحسب التقارير الصادرة عن التلفزيون الرسمي الأردني، ويسرّع العراق خططه لإعادة إعمار خط أنابيب نفطي متضرر لشحن النفط الخام من حقول كركوك العراقية إلى الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط.
غير أن العديد من هذه الحلول يترافق مع عقبات وتحديات جمة؛ إذ إن تغيير مسار التجارة السعودية نقل العبء الأمني نحو البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث تواصل جماعة الحوثي المسلحة في اليمن هجماتها على السفن. فقد أدى هجوم شنّه الحوثيون يوم الثلاثاء على سفينة في البحر الأحمر إلى مقتل ستة أشخاص.
وتعكف دول الخليج على بناء “وثائق تأمين عينية” على بعد ألوف الأميال عبر توسيع قدراتها التخزينية في بلدان مثل كوريا الجنوبية واليابان والهند.
فالمنطق هنا جليّ وبسيط: إن أُغلق مضيق هرمز، فإن النفط يكون قد بات بالفعل على الضفة الأخرى من البوابة.
وقال الناصر، رئيس أرامكو: “يسعى الجميع في الوقت الحالي إلى إضافة سعات تخزينية جديدة”، مؤكداً أن “أمن الطاقة أضحى يترأس قائمة الأولويات الآن”.
ويلفت المحللون إلى أنه وإن كشفت الحرب في إيران مدى اعتماد دول الخليج على المضيق، فإن الاستغناء عنه بالكامل يظل أمراً غير ممكن.
وتقول كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة كريستول إنرجي الاستشارية: “إنهم بحاجة ماسة لمضيق هرمز بلا شك؛ فهو يمنحهم ميزات لا حصر لها، فضلاً عن جاهزية بنيته التحتية”، وتستدرك قائلة: “لكن كان من قبيل حماقة القول أن يضعوا ثقتهم الكاملة المطلقة في مضيق هرمز وحده”.

