آخر الأخبار

spot_img

اليمن وباب المندب… الجغرافيا تعيد رسم أولويات العالم

“صحيفة الثوري” – (رأي):

د. فائزة عبدالرقيب

حين اهتزت الملاحة في البحر الأحمر، عادت الجغرافيا لتفرض نفسها على السياسة الدولية. فبعد سنوات من الصراع في اليمن والتعامل الدولي معه باعتباره أزمة داخلية، أبرزت التطورات الإقليمية مجدداً الأهمية الجيوسياسية لليمن، بوصفه ركيزة أساسية في معادلات الأمن البحري والتجارة الدولية. ومع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، عاد باب المندب إلى صدارة الاهتمام العالمي باعتباره أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية.

لقد شهدت الأشهر الأخيرة توسعاً في نطاق الصراع، مع استهداف جماعة الحوثي لمصالح ومنشآت في المملكة العربية السعودية ودول خليجية، في سياق المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. ولم تعد هذه العمليات تُقرأ باعتبارها أحداثاً يمنية معزولة، بل غدت جزءاً من معادلات الردع الإقليمي، بما ألقى بظلاله على أمن الخليج وسلامة الملاحة في البحر الأحمر، وعزز من حضور اليمن وباب المندب في صدارة الاهتمامين الإقليمي والدولي.

تاريخياً، لم يكن باب المندب مجرد مضيق بحري، بل ظل، عبر القرون، أحد أهم مفاتيح التجارة العالمية والتنافس الجيوسياسي. ومع افتتاح قناة السويس ازدادت أهميته الاستراتيجية، حتى أصبح شرياناً رئيسياً لحركة التجارة الدولية.

ويكتسب باب المندب أهميته الاستثنائية من كونه أحد أبرز شرايين التجارة العالمية، إذ تمر عبره نسبة مهمة من حركة التجارة البحرية الدولية وإمدادات الطاقة، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية.

لقد أعاد التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب تموضع اليمن في الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية، بعد سنوات من انحسار الاهتمام به في إطار أزمة داخلية. ومع تصاعد التنافس على الممرات البحرية الحيوية، بات موقعه الجيوسياسي عنصراً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.

كما أن التنافس على باب المندب لم يعد مقتصراً على حماية الملاحة، بل أصبح جزءاً من سباق استراتيجي يرتبط بمشروعات دولية كبرى، مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الاقتصادي الهندي –الشرق الأوسط– أوروبا. ولذلك، فإن أي اضطراب في هذا المضيق لا ينعكس على أمن المنطقة فحسب، بل يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، دفعت الاضطرابات العسكرية المتصاعدة في الممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، دول المنطقة وشركاءها الدوليين إلى تعزيز التعاون الأمني، وتطوير آليات وتحالفات لحماية الملاحة الدولية وتأمين البحر الأحمر وخليج عدن. ويؤكد ذلك إدراكاً متزايداً بأن أمن هذه الممرات لم يعد مسؤولية دولة بعينها، بل أصبح مصلحة دولية مشتركة، لارتباطه الوثيق باستقرار التجارة العالمية وأمن الطاقة.

غير أن المسؤولية الأولى تبقى على عاتق اليمنيين. فالجغرافيا التي منحت اليمن هذه المكانة الاستراتيجية تفرض استعادة الدولة ومؤسساتها، وبسط سيادتها على أراضيها وسواحلها، لأن حماية باب المندب تبدأ من وجود دولة قادرة على إدارة هذا الموقع الحيوي، واستثمار التحولات الإقليمية والدولية لاستعادة مكانة اليمن ودوره التاريخي في محيطه الإقليمي والدولي.

غير أن تحويل هذا الموقع إلى قوة سياسية واقتصادية يظل مرهوناً ببناء مؤسسات دولة فاعلة، قادرة على حماية المصالح الوطنية والتعامل بكفاءة مع التحولات الإقليمية والدولية، بما يخدم الاستقرار والتنمية، ويعزز حضور اليمن في معادلات الأمن والتجارة العالميتين. فالجغرافيا قد تمنح الدول موقعاً استثنائياً، لكنها لن تتحول إلى قوة حقيقية إلا بوجود دولة قادرة على استثمار هذا الموقع وتحويله إلى مصدر نفوذ واستقرار وتنمية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img