آخر الأخبار

spot_img

اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي ومقتلة مشايخ، وأعيان، تعز/الحجرية، قراءة/ ملاحظات، سياسية وتاريخية في مذكرات اللواء علي محمد صلاح. (1-5)

“صحيفة الثوري” – (رأي):

قادري أحمد حيدر

الإهداء:

إلى عبدالله عبدالعالم، الفارس الجمهوري النبيل، أحد رموز الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر، 1962م، وفك الحصار عن صنعاء في السبعين يوماً.

إليه.. رمزاً حياً للوفاء الصادق لرفيقه وقائده، الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.

عاش، عبدالله عبدالعالم، قامةً من الوفاء، ومضى إلى ربه منفيّاً عن تراب وطنه؛ جَرّاء حقدِ العصور المتراكم في نفوس القتلة الذين أبوا إلا أن يحرِموه من دفء الوطن حيّاً وميّتاً، حتى امتدّ ذلك الضغينُ الدفين ليشمل أبناءه وأحفاده الذين يتجرّعون مرارة المنفى ذاته، قِصاصاً لوفائه ونقاء محبته لليمن الحر المستقل ولديمقراطيته المنشودة.

تحيةَ إجلالٍ ووفاء أبعثها إليه، وهو اليوم في دار الخلود، جوار الصدّيقين والصالحين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.

*- قبل البدء

هذه الملاحظات الناقدة تقتصر حصراً على الوقائع الواردة في الجزء الثاني من مذكرات اللواء علي محمد صلاح، وتحديداً القسم المحصور بين الصفحات (371 إلى 481)، والذي يتناول حادثة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي ومقتلة مشايخ وأعيان تعز / الحجرية. وهي قراءة / ملاحظات سياسية وتاريخية محددة بهذا النطاق دون التعرض لبقية أجزاء المذكرات.

*- أولاً: السياق السياسي والوطني لحركة 13 يونيو وتجربة الحمدي.

وهو السياق السياسي والتأمري اللاوطني، لاغتيال الحمدي.

لم يكن اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي مجرد انقلاب عسكري تقليدي مما شهدته الأنظمة العربية أو دول العالم الثالث، إذ لم تكن تقف خلفه وحدات عسكرية متمردة أو أحزاب سياسية منظمة. والأهم من ذلك، أنه لم تكن هناك أي مقدمات أو مسوغات موضوعية –سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية– تُبرر الانقلاب أو تمهد له؛ فقد كانت البلاد تحت إدارة مجلس القيادة تعيش أزهى مراحلها الوطنية والاستقرار السياسي.

شهدت هذه الفترة القصيرة (ثلاث سنوات ونيّف) تراجعاً كبيراً في التوترات المسلحة بالمناطق الريفية (الوسطى) وانحساراً ملموساً لنشاط الجبهة الوطنية الديمقراطية، حتى كادت التوترات تتوقف تماماً. وترافق ذلك مع فتح قنوات حوار سياسي أولية بين الحمدي والأحزاب الديمقراطية، وانتعاش اقتصادي محدود، وتراجع للممارسات الفاسدة، إلى جانب اتخاذ إجراءات ملموسة لتعزيز هيبة الدولة ومؤسساتها، مما جعل من الحمدي رمزاً للهوية الوطنية وبناء الدولة المدنية الحديثة.

ولفهم الأهمية التاريخية لتلك المرحلة، تجدر الإشارة إلى جذور حركة 13 يونيو 1974م:

“جاءت حركة 13 يونيو 1974م، (كحركة سياسية إنقاذية) على انقاض أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية ومالية وإدارية منهارة (حالة فوضى شاملة) تعددت فيها مراكز القوى والنفوذ السياسي والعسكري والقبلي (القمة المشيخية). وغابت فيها من سنوات طويلة (1967-1974) وبشكل ملفت وواضح وجود الدولة ومؤسساتها، دورها ومكانتها وهيبتها بحيث أصبح (العسكر) و”الوحدة العسكرية” و”القائد العسكري” و”الشيخ القبلي” الذي يملك القوة والجاه والسلاح، حاكم بأمره، وسلطة على المجتمع، دون رقيب أو حسيب هي مرحلة يمكننا حقاً تسميتها واقعاً وليس مجازاً، بـ”فترة الفوضى” فقد خلالها اليمن (الشمال) كدولة ما تبقى من أمر سيادته وقراره المستقل بعد أن أرتهن للمشيئة الخارجية (السعودية)، من بعد انقلاب الخامس من نوفمبر، 1967م، وأصبح الملحق العسكري السعودي (صالح الهديان) حاكماً بأمره، ومعظم وقته يقضيه (يمضه) في وزارة الدفاع، وله مكتب خاص به”.

قادري أحمد حيدر (الصراع السياسي في مجرى الثورة اليمنية وقضية بناء الدولة 1962م- 1963م إلى 1990م، إصدار مركز الدراسات والبحوث اليمني/ صنعاء، ط(1)، 2018، ص111).

لقد شهدنا تلك المرحلة عن قرب، حيث اتسعت قائمة القوى المرتبطة باللجنة الخاصة. ومن هنا مثلت حركة 13 يونيو مشروعاً إنقاذياً سعى لبناء علاقات استثنائية مع الشطر الجنوبي، والبدء بآليات توحيدية عملية (اقتصادية وتعليمية) والتأسيس الأولي الجدي للوحدة اليمنية. هذا التوجه هو ما استنفر واستفز القوى الداخلية والخارجية لإجهاض المشروع عبر الاغتيال الدموي الذي أدخل البلاد في دوامة من العنف والتبعية الشاملة.

إن ما قفزت عنه مذكرات اللواء علي محمد صلاح هو هذا التحول الخطير من محاولة التأسيس لبداية الاستقلال إلى التبعية، إضافة إلى التغاضي عن الدور المحوري والفاعل لعلي عبدالله صالح في عملية الاغتيال والانقلاب للرئيس الشهيد، إبراهيم الحمدي، مكتفياً بمرور عابر وإشارات خفيفة للدور الخارجي دون تسمية الفاعلين الحقيقيين.

لقد كان هدف الغشمي وعلي عبدالله صالح هو تقويض أي إمكانية لبناء دولة مستقلة مؤسساتية، والاستعاضة عنها بإدارة البلاد عبر الأزمات والحروب لتكريس سلطة فردية، وصولاً إلى محاولة “توريث الجمهورية/ الجملكية”، وهو ما أدى في النهاية إلى انهيار الدولة عقب مقتله، لتكون تداعيات اليوم امتداداً مباشرًا لجريمة الاغتيال تلك.

*- ثانياً: المذكرات والسير الذاتية بوصفها مساهمة في كتابة التاريخ.

تعد كتابة المذكرات الشخصية أحد روافد كتابة التاريخ العام، فالذاتي لا ينفصل عن الموضوعي. وما يُدوّن في هذا السياق ليس قاطعا أو نهائياً، إذ لا وجود لـ “نهاية التاريخ”، بل يتجدد فهم الوقائع وتتطور الحقائق عبر النقد المستمر وكلما توفرت معلومات أكثر دقة.

وبصرف النظر عن التباين في التحليل أو الرؤية الأيديولوجية، فإن المذكرات تبقى مساهمة فعلية في التدوين التاريخي. ومن هذا المنظر والموقف، فإن الجهد الأرشيفي والتثبيتي الذي بذله اللواء علي محمد صلاح في مذكراته بأجزائها الثلاثة يُعد عملاً مقدراً ومعتبراً ومساهمة فكرية وسياسية تُحسب له في إضاءة جوانب من تاريخنا المعاصر، بغض النظر عن مساحات الاتفاق أو الاختلاف مع ما ورد فيها؛ إذ إن الاختلاف النقدي هو ما يولد الفهم الأعمق.
فمن المختلف يولد أجمل مؤتلف.

وفي هذا الصدد، يجدر استحضار رؤية المفكر عمر فروخ حول طبيعة التدوين التاريخي: حيث يكتب التالي:

“التاريخ رواية: ينقله رأوٍ متأخر عن رأوٍ متقدم. وفي مسير أحداث التاريخ من راوٍ إلى آخر تتعرض تلك الأحداث للتبديل أو للزيادة والنقضان. ثم إن الأحداث التي يشاهدها المؤرخ بنفسه ثم يُدوَّنها بنفسه أيضاً، تتعرض في المدة التي تنقضي عادة بين مشاهدة الحدث وتدوينه –لمثل ذلك: للتبديل أو لزيادة والنقصان. ثم هنالك حوادث مصنوعة لم تجر في الاجتماع الإنساني قط– أو لم تجر على الصورة التي وصلت الينا”.

عمر فروخ (تجديد التاريخ في تعليله وتدوينه “إعادة النظر في التاريخ”، دار الباحث / بيروت ، ط10، 1980م، ص5).

*- ثالثاً: قراءة في الطرح الوارد بمذكرات اللواء علي صلاح حول الاغتيال.

يبدأ اللواء علي محمد صلاح تناوله لحادثة اغتيال الحمدي في مذكراته بالقول:

“أدركنا أن مخطط مقتل الحمدي لم يكن يستهدفه شخصياً أو مشروعه الوطني بقدر ما يستهدف اليمن بشكل عام، لأن أعداء الوطن لا يريدون أن يروا اليمن يشق طريقه للتقدم والتطور والبناء والرخاء وامتلاكه لقراره السياسي، والسيادي لكي يبقى اليمن كما يريدونه ضعيفاً فقيراً متخلفاً وغير مستقر تتنازعه الخلافات والصراعات والحروب (…) كان مقتله غامضاً وظل كذلك –حتى يصل علي صلاح للقول– بعد عرضه لعدد من الروايات حول جريمة مقتل الرئيس الحمدي، ليقول لنا “هذه الأسئلة وغيرها لم نلق إجابة عليها لقضية غامضة أغلق ملفها ولا يزال مغلقاً وقيدت الجريمة ضد مجهول .. ولم يكشف عن حقيقتها وتفاصيلها الكاملة وخباياها تحديداً المسؤولين عنها حتى اليوم”.
اللواء الركن علي محمد صلاح (من مذكراتي العمل في قوات المجد ومحور تعز، 1973-1980م الجزء الثاني ط(1)، ديسمبر 2014م، ص375-377).

والمثير للغرابة تكرار قوله عن قضية مقتل الرئيس الحمدي، أنها قضية غامضة مع أنها واضحة وضوح الشمس، بما لا تحتاج إلى أدلة لأن الأدلة على قتله الواضح منتشرة في جميع جوانب عملية القتل، كان هم اللواء علي صلاح، تحميل القضية للخارج فقط، وإن أشار إلى الأيادي الداخلية، ولكنه لم يذكرها ولم يسمها!! وكأنه يسعى إلى تجهيل الفاعلين، مع أن إصداره الكتاب، كان في آخر شهر ديسمبر من العام 2014م، أي بعد مرور 37 سنة على قتل الرئيس الحمدي، وقد صار علي عبدالله صالح خارج السلطة، وفي وضع سياسي صعب لا يخشى منه، ولكنه الخوف أولاً، والولاء والارتباط الشخصي بعلي عبدالله صالح، ثانياً، أي أن علاقته الشخصية بالرئيس القاتل هي من أوصلته إلى تلك المحاولة المواربة والمراوغة في الكتابة تحديداً فيما يتعلق بمسؤولية علي عبد الله صالح في قضية اغتيال رئيس دولته، قطعاً بالعلاقة مع الخارج –السعودية– من خلال صالح الهذيان، والأيادي اليمنية، مع أن هناك أطرافاً من حكاية منتشرة بقوة من أن أحمد الغشمي كان قد قبل أو وافق على خروج الحمدي من البلاد سالماً، إلا أن علي عبدالله صالح أصر على قتله وكان ضمن من ساهموا في عملية القتل بيده وكلها حكايات وروايات انتشرت، قبل وبعد زمن كتابة اللواء علي صلاح لمذكراته، وما تزال منتشرة حتى اليوم.

وخلال الفترة الأخيرة “وزارة الخارجية الأمريكية أزاحت ستار السرية عن تقارير أمريكية سرية عديدة عن فترة اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي. لكنها المرة الأولى التي تظهر فيها وثيقة تدين علي عبدالله صالح باسمه الصريح”.

ويورد اللواء علي صلاح في مذكراته أن الرئيس سالم ربيع علي أكد للجماهير المحتشدة المطالبة بــ”الثأر والانتقام” بالانتقام لمقتل الرئيس الحمدي وبحضور بعض الرؤساء والسلك الدبلوماسي.
أنظر اللواء الركن علي محمد صلاح: (من مذكراتي العمل في قوات المجد ومحور تعز، 1973-1980م الجزء الثاني ط(1)، ديسمبر 2014م)، ص377.

ما أثار انتباهي هو تركيزه وتشديده في القول إن “قضية القتل غامضة” وإنها “قيدت ضد مجهول”، مع أن قضية قتل الرئيس الحمدي، وكذلك مقتلة مشائخ وأعيان تعز / الحجرية، كانتا –وما نزال– هي القضية الأكثر وضوحاً، وما تزال قضية / قضايا، مفتوحة سياسياً وقانونياً ووطنياً، والأكثر غرابة أن يكتب اللواء علي صلاح ذلك الكلام / الرأي بعد زخم ثورة الشباب فبراير 2011م التي رفعت صورة الحمدي في كل مكان من مواقع تظاهرات الشباب في صنعاء وتعز وإب… إالخ.

وبعد تصريح وخطاب، اللواء، علي محسن صالح الاحمر، في سياق انتفاضة شباب فبراير، 2011م، حول الدور المباشر لعلي عبدالله صالح في تدبير قتل مشائخ وأعيان تعز / الحجرية.
وهو ما سنتعرض له لماما في سياق الحلقات القادمة.

إلى الحلقة الثانية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img