آخر الأخبار

spot_img

انطباعات عاجلة حول (ديوان الحطابون) للشاعر أحمد الفلاحي

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالحكيم الفقيه

بادي ذي بدء، لم يعد نقد الشعر واسطة تربط المبدع بالمتلقي، وتضيق الفجوة بينهما، بل أصبح النقد إبداعاً مضافاً وإعادة خلق في سياق مختلف، قد يكون الشاعر واعياً به أو غير واعٍ؛ لأن النقد اكتشاف، وتسليط للضوء على الكوامن، ومعانقة للؤلؤة الإبداع الشعري.

وليس مصادرة على المطلوب القول إن النقد وميض ذاتي لا يتسم بالعلمية، بل هو تصورات ذاتية تؤطرها الموضوعية النسبية. فلا أظن أنه يتشابه اكتشاف ناقدين لقصيدة أو لشاعر واحد؛ فكل منهما سينظر من منظاره، بحسب المراس والدربة والإلمام بالتراكم، والخبرة الإبداعية، إن كان من داخل دائرة الشعر، أو المراس النقدي إن كان من خارج دائرة الإبداع الشعري.

الشاعر أحمد الفلاحي شاعر له تجربته الخاصة، التي بدأها تفعيلياً، وفي الآونة الأخيرة أصدر كتيباً من النثيرات البديعة، تنعكس فيه اتساع تجربته الحياتية، وتحضر اليمن إلى جانب بلدان المهاجر، في قصائد شفيفة رقيقة تحشد الطبيعة وشجن الذات، وتندغم فيها الذاتية بالموضوع، وترتسم صور شعرية ظاهرها بسيط، وعمقها أسئلة نفسية وفلسفية لن تغادر المتلقي بسهولة أو آنية.

الشاعر أحمد الفلاحي، إلى جانب دراسته الأكاديمية وتجربته الشعرية، يدير دور نشر في المغرب، ويقيم متنقلاً بين السويد والمغرب، ويسهم في الفعاليات الشعرية والأدبية ومعارض الكتاب، وله صداقات واسعة، وقد انعكس هذا الثراء الجغرافي في قصائده التي تتسع بها صفحته في “فيسبوك”.

شكلت بغداد والرباط وصنعاء محطات أساسية في تجربته، وينحدر من أسرة صوفية محبة للشعر والحياة الروحية. فوالده عالم دين صوفي، وأخوه الأكبر عبد الله باحث أكاديمي في الفكر الإسلامي الصوفي. ويبدو الشاعر أحمد أحياناً منفلتاً من دائرته، معلناً تمرده؛ فالشعر كسر لنماذج النمطية، ودوائر المألوف، والالتزام الاجتماعي والفكري.

من يعرف الشاعر أحمد الفلاحي عن قرب وكثب، يلاحظ فيه الإنسان الحساس المرهف، ويعطي الصداقات ناموس القداسة، ويلاحظ فيه البساطة وانعدام الغرور والغطرسة، ولا تجد الخصومة في قلبه أو عقله أي فراغ شاغر. إنه شاعر، وإنسان دمث الأخلاق، مهذب ونبيل، وقارئ واسع المعرفة، وشاعر غزير الإنتاج، ومبدع من طراز رفيع.

الشاعر أحمد الفلاحي يخوض التجريب، ويخلص للقصيدة النثرية أو “النثيرة” في الآونة الأخيرة. وقد قرأت له قصيدة رقمية نثرية، فيها حضور لمصطفى الحاسوب ولوحة المفاتيح. وقد تخصص، على ما أظن، في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في تخصص له علاقة بالحاسوب، لذا يخوض التجريب الرقمي، وننتظر أين سيرسو، مع أنه بين الفينة والأخرى يكتب قصائد تفعيلية، محتفظاً بتوهجه وبريقه ومعجمه الصوفي.

هل الشعر أداة ترميمية للوجود، ومطهر روحي للنفسية الإنسانية القلقة في هذا العصر؟ وهل الشعراء أنبياء الأرض؟ وهل وهم عبقر وربات الشعر انقرض مع انقراض المرحلة الإقطاعية؟ وهل تم الاستغناء عن الاتكاء على الأساطير في بناء القصيدة المعاصرة الجديدة؟ وهل تحررت القصائد من العبء الفكري والفلسفي؟ أم إنه من المحال أن ينفصم الشعر عن الوعي والفكر ويفترقا؟ ندع وميض الأسئلة للمتلقين كي يعثروا لها على إجابات، وندخل في ديوان الشاعر أحمد الفلاحي.

صدرت للشاعر الفلاحي مجموعة “الحطابون” عام 2024، وتقع في 95 صفحة. و”الحطابون” رمز لأعداء الحياة والجمال، ومفسدي الطبيعة، وأعداء الشمس والنور، وتكتنف مفردة “الحطابون” كل مستغلي السلطة والقرار، ورموز الفساد والإفساد. وتكثف قصائد الديوان مواضيع وجودية إنسانية، ومغازٍ سيكولوجية، وجواً نفسياً قلقاً كسمة وجودية عصرية، وصنعة وسبكة سيكولوجية متقنة تستلهم معطيات البناء الحداثي والقصيدة النثرية، بتركيب انسيابي لصور شعرية، كألبوم جامع للتنوع التصويري، وتجمع المفردات بين السكون والديناميكية، والرقة والخشونة، والصوت الجمعي والفردي الذاتي، بين الصورة والأخرى.

“الشعر قرآن البشر”، و”الشاعر نبي قومه”، كون “الشعر ضرب من ضروب النبوة”. والشعر ضرورة بشرية، ولازمة من لوازم الحياة، ويلتصق بالإنسان في رحلته على هذا الكوكب حتى النهاية.

الطبيعة مادة خصبة للشعر، بل أحياناً ترسم الطبيعة لوحات مفعمة بالشعر، ويتغلغل الشعر في الموسيقى، والروايات، والخطابة، وفي نشاط العمل، وفي حكمة الحكماء، ورؤى الفلاسفة، ويقدم الشعر ما تعجز عنه فنون القول الأخرى، ولكل أمة ولغة تجربتها مع الشعر.

للشاعر أحمد الفلاحي خبرة كبيرة في الحياة من خلال العيش والسفر إلى بلدان عديدة، وقد انعكست تلك الخبرة في قصائده النثرية الأخيرة. ويتسم شعره بمعجم واسع من حيث الوجدان الصوفي، وتصوير مظاهر الطبيعة، والتراكيب التصويرية الباذخة. وهو على صلة بشعراء عرب عديدين، وخصوصاً شعراء مغاربة وشعراء المهجر، وهو متواجد في معارض الكتاب، وفي المنتديات والأمسيات المرافقة. ولم تغب اليمن عن اهتماماته، بل يلامس بشعرية رومانسية حزينة مأساة كارثة الحرب، ووظفها تصويرياً في قصائد عدة.

الشاعر الفلاحي شاعر، وإنسان، ومثقف نبيل، ويتجلى ذلك لمن يعرفه عن كثب، أو لمن يمعن قراءة قصائده بروية وعمق.

يعد شعره من الشعر اليمني الرفيع، المبتعد عن المباشرة والصخب، وعن الذاتية المفرطة، بل يتسم بغنائية رفيعة، وتصوير إبداعي، وبساطة غير سطحية، وإحساس مرهف، وشفافية روحية، وأعمال شعرية متقنة.

كتاب “الحطابون” كتاب بديع، كديوان متسق، وكل صورة شعرية ترتبط بمغزى التصوير الشعري، كونه شعراً يزخر برموز نقدية للحياة، هذه الحياة التي تتصارع فيها الأضداد، وتخلق حيلاً كي توقع بالآخر. والشجرة رمز للإنسانية والحياة، والحطابون والاحتطاب منغصات الحياة من موت، وحروب، وأمراض، وخسة، وكافة معكرات صفو الحياة. ويلوح الديوان برؤية وجودية احتجاجية، حالمة بالمغاير والبديل الأقل إيلاماً ووجعاً وأسى.

أحمد الفلاحي – شاعر وأكاديمي يمني

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img