آخر الأخبار

spot_img

ترجمات: كيف يدفع الحوثيون باتجاه حرب جديدة مع السعودية؟!

صحيفة الثوري – نيويورك تايمز

بعد أربعة أعوام من الجمود السياسي في اليمن، بدأ الحوثيون يشعرون بإحباط متزايد، فالهدنة بين الجماعة المدعومة من إيران والسعودية تحولت إلى حالة جمود هشة، ورأى الحوثيون، أنهم يريدون توسيع نفوذهم على اليمن والسيطرة على موارده النفطية، بعد ان شعروا بأنهم لم يعودوا يملكون الكثير ليخسروه.

أما المسؤولون السعوديون، فلم تكن لديهم أي رغبة في خوض مواجهة جديدة مع الحوثيين، فقد تحولت حملتهم العسكرية السابقة في اليمن إلى مستنقع استمر عقدًا كاملًا وأسهم في وفاة مئات الآلاف من اليمنيين بسبب العنف والجوع والأمراض، وكانت الرياض تسعى إلى تجنب حرب جديدة مكلفة قد تهدد خططها لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة.

وسط هذا الوضع المتوتر، جاءت الحرب الأمريكية مع إيران لتشعل فتيل الأزمة، وانزلقت المواجهات بين الحوثيين والسعودية خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى تصعيد جديد يهدد بالتحول إلى حرب شاملة أخرى.

وكانت الحرب السابقة بين السعودية والحوثيين قد دفعت اليمن إلى حافة المجاعة، وتوقفت المعارك بفضل هدنة هشة في عام 2022، إلا أن المحادثات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام دائم تعثرت لاحقًا.

ولم يكن من المتوقع أن تستمر حالة الجمود إلى الأبد، لكن السعودية، المنشغلة بأزمات أخرى، بدت وكأنها تأمل في استمرارها لبعض الوقت.

وقال السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي السبت، إن المملكة حريصة على خفض التصعيد، محملًا الحوثيين مسؤولية “الإصرار على مسار التصعيد والعنف”، ومتهمًا إياهم بخدمة أجندات خارجية، في إشارة واضحة إلى إيران.

لكن الحوثيين، الذين راكموا خبرة قتالية كبيرة، قد يرون أن لديهم الكثير ليكسبوه من مواجهة جديدة مع السعودية، بما في ذلك السيطرة على عائدات النفط اليمنية وتعزيز نفوذهم السياسي داخل البلاد، بحسب مسؤولين ودبلوماسيين تعاملوا مع الجماعة.

وقال زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في خطاب متلفز يوم 16 يوليو، بعد تصاعد التوتر مع السعودية: “نفوسنا راضية بأي مستوى من التضحية”.

تزايد خطر اندلاع حرب شاملة جديدة

ويرى باحثون متخصصون في شؤون الجماعة أن الحوثيين يتحركون دعمًا لحليفهم الرئيسي إيران، لكنهم يسعون أيضًا إلى إجبار السعودية والمجتمع الدولي على تقديم تنازلات سياسية بشأن اليمن.

وأطلق الحوثيون خلال الأسبوع الماضي، صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه السعودية، واستهدفوا سفنًا في البحر الأحمر، مما زاد من اضطراب أسواق الطاقة العالمية المتقلبة أصلًا، في حين نفذ التحالف العسكري بقيادة السعودية غارات جوية على مناطق يسيطر عليها الحوثيون للمرة الأولى منذ سنوات.

وقالت أبريل ألي، المحللة التي عملت سابقًا في عملية السلام اليمنية بالأمم المتحدة وتشغل حاليًا منصب باحثة أولى في معهد واشنطن: “هناك قلق حقيقي من احتمال اشتعال الحرب الداخلية في اليمن من جديد”.

ويستند هذا العرض للوضع في اليمن إلى مقابلات مع مسؤولين يمنيين، ودبلوماسيين غربيين حاليين وسابقين شاركوا في جهود السلام، إضافة إلى محللين إقليميين، وقد تحدث كثير منهم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية المفاوضات السياسية.

ويقول محللون إن الحوثيين اختاروا توقيتًا حساسًا بالنسبة للسعودية، إذ كانت المملكة تصدر معظم نفطها عبر مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران فعليًا منذ اندلاع الحرب معها، ما جعل السعودية تعتمد بصورة أكبر على البحر الأحمر لتصدير النفط، وهو شريان اقتصادها الرئيسي.

وقالت أبريل ألي: “الحوثيون بارعون في استشعار لحظات الضعف”.

ويرى أحمد ناجي، كبير محللي شؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، أن الرد السعودي حتى الآن جاء محسوبًا لتجنب الانجرار إلى حرب أوسع، لكنه أشار إلى أن الإحجام الكامل عن الرد قد يشجع الحوثيين على المضي قدمًا.

وأضاف: “وجد السعوديون أنفسهم في موقف صعب، ويعتقدون أن ثمن الصمت قد يكون أعلى”.

ويقع عشرات الملايين من اليمنيين في قلب هذا الصراع على النفوذ، بينما يعانون من أوضاع معيشية قاسية وحرمان واسع النطاق. ويقول بعضهم إن حتى عودة الحرب قد تكون أفضل من حالة اليأس الحالية.

وقال أيمن عبد الحق، وهو سائق أجرة يبلغ من العمر 43 عامًا وأب لأربعة أطفال يعيش في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين: “لقد سئمنا هذه المعاناة، وكنا بحاجة إلى مخرج، سواء عبر الحوار أو الحرب. الناس يبحثون دائمًا عن انفراجة مهما كانت العواقب”.

وبدأ الحوثيون كجماعة متمردة من المسلمين الشيعة في جبال شمال اليمن، رافعين شعارًا يدعو إلى الموت لأمريكا وإسرائيل، وأشعلوا الحرب الأهلية عام 2014 بدعم إيراني، بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء وإطاحتهم بالحكومة المعترف بها دوليًا.

وأثار وجود جماعة مدعومة من إيران على حدودها الشمالية قلق السعودية، فقادت تحالفًا عسكريًا بدأ حملة جوية لدعم القوات المناهضة للحوثيين الساعية إلى إعادة الحكومة إلى السلطة، إلا أن الحرب استمرت سنوات طويلة، قبل أن تتراجع السعودية تحت ضغط دولي بسبب دورها في تفاقم الأزمة الإنسانية الحادة في اليمن.

وبحلول إعلان الهدنة، كان الحوثيون قد أقاموا كيانًا فعليًا يسيطر على شمال اليمن، بينما يخضع الجنوب اسميًا لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، التي تعتمد ماليًا وعسكريًا على السعودية.

ورغم ذلك، لا يزال المسؤولون السعوديون يحتفظون بالكلمة الأخيرة في عدد من الملفات اليمنية المختلفة.

تصاعد إحباط الحوثيين من الهدنة مع السعودية بمرور الوقت
في البداية، بدا أن الإرهاق العسكري وتوافر الإرادة السياسية لدى الطرفين قد يفتحان الباب أمام سلام دائم، فقد اقتربت السعودية والحوثيون في أواخر عام 2023، وبمساعدة الأمم المتحدة، من توقيع اتفاق سلام أولي وصفه مسؤولون بأنه “خريطة طريق”، كان من شأنه أن يضع إطارًا لتسوية سياسية طويلة الأمد، وفقًا لمسؤولين يمنيين وغربيين شاركوا في تلك الجهود.

وكان أحد أبرز بنود الاتفاق يقضي باستئناف صرف رواتب موظفي الدولة اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما توقفت خلال سنوات الحرب، وبلغت قيمة هذه الرواتب ما بين مليار وملياري دولار سنويًا، بحسب دبلوماسيين غربيين ومسؤول يمني مطلع على الخطة.

وأوضح هؤلاء أن التمويل كان سيأتي أساسًا من عائدات النفط اليمني، مع مساهمة مالية سعودية لسد أي عجز، بحسب المسؤول اليمني، وتقع معظم حقول النفط اليمنية خارج المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، الذين يسعون منذ فترة إلى الوصول إلى هذه الموارد.

لكن قبل إتمام الاتفاق، أدى هجوم حركة حماس على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعه من الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة، إلى تعطيل عملية السلام في اليمن، وأعلن الحوثيون إطلاق حملة عسكرية تضامنًا مع الفلسطينيين، تضمنت إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل واستهداف سفن في البحر الأحمر.

تجنب الحوثيون خلال الحرب في غزة، مهاجمة السعودية، إلا أن هجماتهم في البحر الأحمر أثارت غضب الدول التي تعتمد على هذا الممر الملاحي، وعندما بدأ الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية عام 2025، صنّف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وأطلق حملة قصف ضدهم.

وقال الباحث في مركز تشاثام هاوس، فارس المسلمي، إن هذا التصنيف زاد من سوء الأوضاع الاقتصادية الصعبة أصلًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما أدى تنامي الاستياء الشعبي إلى زيادة الضغوط على الجماعة.

وقال أبو بكر النعمان، وهو موظف حكومي يبلغ من العمر 48 عامًا ويعيل طفلين في صنعاء، إنه كان يتقاضى نحو 130 دولارًا شهريًا، لكنه بات اليوم يكافح لتوفير ما يكفي من الغذاء والماء لأسرته، وأضاف أنه، مثل كثيرين، أصبح يائسًا من إيجاد مخرج، وقال: “التصعيد هو الحل”.

واتهم محمد البخيتي، وهو مسؤول سياسي بارز في جماعة الحوثي، السعودية بأنها “لم تنفذ أيًا من بنود خريطة الطريق، وعلى رأسها صرف رواتب جميع موظفي الدولة”.

وقال في مقابلة إن السعودية تتحمل مسؤولية التصعيد الحالي، متهمًا المملكة بفرض قيود وصفها بغير العادلة على حركة الطيران والشحن إلى اليمن، وهي إجراءات يصفها الحوثيون وكثير من السكان في مناطق سيطرتهم بأنها حصار.

وبدا أن الحوثيين مستعدون للبقاء على الهامش عندما اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير/شباط، لكن بعد أشهر، ومع انهيار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تغيرت حسابات الجماعة.

ويرى عدد من المحللين أن هذا التحول ربما جاء نتيجة ضغوط إيرانية لدفع الحوثيين إلى الانخراط في المواجهة، رغم أن التدخل يخدم أيضًا أهداف الجماعة الخاصة.

وأصر الحوثيون خلال هذا الشهر، على السماح لطائرة إيرانية بالهبوط في مطار صنعاء، الذي توقفت فيه الرحلات منذ عام، وقال مسؤولون حوثيون إن وصول الطائرة يهدف إلى كسر الحصار.

واعتبرت الجماعة نفسها الحكومة الشرعية لليمن، وطالبت برفع جميع القيود المفروضة على الطائرات والسفن المتجهة إلى مناطق سيطرتها، بما في ذلك نظام التفتيش الذي تشرف عليه الأمم المتحدة.

وقال دبلوماسي غربي إن هناك محادثات جرت لإعادة تشغيل الرحلات الجوية، لكن الحوثيين رفضوا عدة مقترحات.

وعندما حاولت طائرة إيرانية ثانية الهبوط في صنعاء، اتهم الحوثيون السعودية بقصف المطار، في المقابل، أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية أنها نفذت غارات جوية لإجبار الطائرة على تغيير مسارها، واتهمت الحوثيين باستخدام الرحلات الجوية لتهريب أسلحة إيرانية، وهو ما نفته الجماعة.

وعقب ذلك، أعلن الحوثيون فرض حصار على السفن السعودية في البحر الأحمر، ومنذ ذلك الحين تبادل الطرفان إعلان تنفيذ هجمات ضد بعضهما البعض.

وقد يتوقف ما إذا كانت الأوضاع ستتجه إلى مزيد من التصعيد على موقف إدارة الرئيس ترامب.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب لصحيفة نيويورك تايمز إن الولايات المتحدة ستمنح حلفاءها دورًا قياديًا في أمن المنطقة، وإنها تؤيد التوصل إلى حل دبلوماسي في اليمن.

وهدد ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 23 يوليو/تموز، بفرض “عقاب عسكري كبير” على الحوثيين إذا واصلوا مهاجمة ناقلات النفط السعودية، كما أعرب عن خيبة أمله من الجماعة، قائلًا إنها كانت “حتى الآن تتصرف باحترافية وذكاء”.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img