صحيفة الثوري – ثقافة
أمين الجبر
تعد الأمثال الشعبية، في أي مجتمع من المجتمعات البشرية، خلاصة للعقل الجمعي، وتجسيدا لفلسفة الحياة الشعبية، وربما النخبوية أيضا، وزبدةً لخبرات الناس المتراكمة عبر الأجيال. فهي لا تكتفي بتلخيص الحكمة في عبارات موجزة، أو تكثيف المعاني في ألفاظ قليلة، وإنما تختزل رؤية المجتمع للحياة، وتقنن أعرافه، وتكرس منظومته القيمية في صيغ بلاغية مكثفة يسهل تداولها واستدعاؤها عند الحاجة.
ومع مرور الزمن، تحولت كثير من هذه الأمثال إلى شرعة عرفية ناظمة، وثقافة مجتمعية سائدة، بل غدا بعضها، في أثره الاجتماعي، أقرب إلى دستور عرفي مواز، يحتكم إليه الناس في تفسير العلاقات الاجتماعية والسياسية، وفي تقويم السلوك الفردي والجماعي.
ومن بين الأمثال اليمنية التي تجذرت في الوعي الجمعي، وأسهمت في تشكيل التصورات العامة عن السلطة والحكم، المثل القائل: “نخس البتول ينفع الثور.” ويعني، في دلالته المباشرة، أن رفق الفلاح بثوره وحسن معاملته ينعكسان إيجابا على أدائه في حرث الأرض؛ فكلما سادت الألفة بين الإنسان والحيوان، سهل العمل، وتحسن الإنتاج، وحل الانسجام محل المشقة والعناء. أما إذا كان البتول سيئ الطبع، خشن المعاملة، انعكس ذلك على الثور، وتعسر الحرث، وغابت الألفة بين الطرفين.
ولم يبق هذا المثل حبيس دلالته الزراعية، بل جرى إسقاطه مجازا على المجال السياسي، ليتلاقى مع المثل الآخر: “نية السلطان ولا غصب الزمان.” فحيثما كان السلطان لين الطباع، حسن السيرة، كريم الخصال، عم الأمن، واستقر العمران، وانتشر الرخاء. أما إذا فسدت سريرته، انعكس ذلك على أحوال البلاد والعباد.
ويختزل هذا المثل، في جانب من دلالاته، تصورا تقليديا لفلسفة الحكم في اليمن، يجعل صلاح الدولة أو فسادها رهنا بطبيعة الحاكم الشخصية، أكثر من ارتباطه بالمؤسسات والقوانين. وهكذا تغدو السياسة أسيرة أخلاق الفرد، وتصبح الدولة امتدادا لسيكولوجية السلطان، لا نتاجا لمنظومة حكم مؤسسية.
ومع تعاقب الحروب والصراعات على السلطة والثروة، ترسخ هذا التصور في المخيال الشعبي، حتى تحول إلى أمنية حالمة، ينتظر فيها المواطن مجيء الحاكم الصالح بفعل الصدفة التاريخية أو الحظ القدري، لا ثمرة لفعل مجتمعي منظم أو إرادة سياسية واعية.
ومن هنا أسهمت بعض الأمثال، بصورة غير مباشرة، في تكريس نزعة الانتظار، وإضعاف روح المبادرة، حين جعلت إصلاح الشأن العام معلقا بظهور الحاكم العادل، أكثر من تعليقه بإرادة المجتمع وقدرته على صناعة التغيير.
ولتعزيز هذا المعنى، يتردد مثل آخر يقول: “من تزوج بأمنا كان عمنا.” وهو مثل يدعو، في أحد وجوه تأويله، إلى التسليم بالأمر الواقع، والقبول بالحاكم بمجرد استقراره في السلطة، بصرف النظر عن مشروعيته أو طبيعة حكمه، وكأن الواقع، بمجرد وقوعه، يكتسب شرعية تفرض الطاعة والامتثال.
ويتعزز هذا التصور أيضا بالمثل القائل: “حرب القبيلي على الدولة عسر.” وهو مثل يعكس اختلال موازين القوة بين الفرد والسلطة، ويكرس الإحساس بعجز المجتمع عن مواجهة الدولة، بما قد يدفع إلى تغليب الطاعة والخضوع على روح المبادرة والمساءلة.
ولا يعني ذلك أن هذه الأمثال كانت وحدها مسؤولة عن تشكيل الثقافة السياسية اليمنية، لكنها كانت، بلا شك، أحد أهم أوعيتها الرمزية، ووسيلة من وسائل إعادة إنتاجها، بما حملته من تصورات عن السلطة، والحاكم، والمحكوم، وحدود العلاقة بينهما.
ومن ثم، فإن دراسة الأمثال الشعبية ليست دراسة لغوية أو تراثية فحسب، وإنما هي مدخل مهم لفهم البنية الثقافية والسياسية للمجتمع اليمني، والكشف عن الكيفية التي أسهمت بها الحكمة الشعبية، أحيانا، في ترسيخ قيم الطاعة والانتظار، أكثر من ترسيخ قيم المشاركة، والمساءلة، وبناء الدولة القائمة على المؤسسات وسيادة القانون.

