آخر الأخبار

spot_img

في ذكرى رحيله الأولى… زياد الرحباني الذي قال لا للحنين

المتعدد الذي تمرد على الشائع والأحادي

صحيفة الثوري – ثقافة وفنون

فادي العبد الله - مجلة المجلة

لعل وظيفة الموسيقى الأبرز هي اختراع عالم جديد. العالم الذي يجعلنا نصدق مشاعر الممثلين في فيلم، أو نتحد مع الراقصين، أو تجذبنا إلى الروحانية وتعمر قلوبنا بالإيمان أو بالوطنية، أو تشعرنا بالتعاطف مع العاشقين. أي أنها في الحقيقة تخرجنا من الواقع الذي نحيا فيه إلى عالم ما عاد موجودا، كأغنيات الأفلام التي بالأبيض والأسود، أو عالم لم يكن موجودا يوما، أو على الأقل عالم مفارق، روحي أو عاطفي، منفصل عن نثر الأيام. ولعل إنشاء العالم المفارق، أي وظيفة الموسيقى الأقوى، هو بالضبط ما يمكن تسميته بإنتاج الحنين، التوق إلى ما ليس هنا.

خطوط متعارضة

قلائل من كسروا، بالموسيقى، وظيفة الحنين في الموسيقى. منهم بالطبع الشيخ إمام وصاحبه، بفضل كلمات نجم المباشرة واللاذعة وأداء الشيخ الساخر الأراجوز المطرب في آن واحد. وفي لبنان، كان زياد الرحباني، الذي تمر اليوم ذكراه الأولى، يحب الشيخ امام، ويلعب ويسخر بالموسيقى ومنها وفيها. في الكلمات والمسرح والإذاعة والمقابلات، بل وفي داخل شغله الموسيقي وتوزيعاته وتركيب ايقاعاته. كان من القلائل الذين قالوا “لا” في وجه الحنين.

لعل وقفته هذه كانت بسبب تناقضاته الكثيرة وتوزعه على خطوط متعارضة، بين الحزب الشيوعي والكنيسة، بين البزق والبيانو، بين الاهل والتمرد، وبين سلسلة من خطوط السياسة في حروب لا تنتهي. لذا قضى زياد الرحباني حياة ملآى بالتناقض والتعدد والخيبات والنجاحات والموسيقى والمسرح والإذاعة، محاولا كل مرة أن يضحك ويضحكنا في لحظات مستقطعة بين معارك الأهل ومعارك الأهالي، ولعل جاذبيته وانتاجه تأثرا سلبا عندما خرج من هذا التموضع القاسي : في بلد يخوض حروبه الاهلية على مدى عقد ونصف العقد، وفي لحظة انفصال والدته عن والده وانفصاله هو عن العائلة منتقلا إلى الشطر الآخر من بيروت.

لم تكن أعمال زياد الرحباني، في المسرح والموسيقى، محاولة للهروب من هذا العالم وانتاج الحنين، بل كان محاولة لإيضاح ما يجري فعلا في هذا العالم المتمزق: عجز الناس عن التواصل باللغة، وخلافات العشاق المتعبين من الغرام والمشاكل والعيش، والرد بالضحك على عنف العالم وأذاه. منتقلا من الانفصال إلى قبول ارث عاصي الرحباني (مع “إلى عاصي”) ومن اشتباكات الحرب إلى افكاره بعد نهايتها، شكل زياد الرحباني، بموسيقاه وبصوته، نوعا من شريط صوتي مصاحب للحرب.

“يا زمان الطائفية…”

كانت الحرب حاضرة منذ صغر زياد الرحباني، كما نرى في “صديقي الله”، ديوان الشعر الذي نشره عاصي الرحباني لطفل كان لا يزال في بدايات المراهقة. مثلما كانت الموسيقى حاضرة، وسابقة حتى على الكلام، على ما يروي في بعض اللقاءات، عن الثيمات الموسيقية التي ألفها طفلا ودوّنها الأب، واستعملت كما في “بكرة بارجع أوقف معكم” على سبيل المثل، التي كان عاصي قد أطلق عليها “عيد الأولاد”.

حاول نزع أقنعة اللبنانيين الكثيرة وفضحها، منتقلا من الادعاء الثوري إلى النظام الاقتصادي فالخيارات السياسية وصولا إلى الطائفية

 وفي تاريخ زياد المبكر حوادث كثيرة عن سبق اللحن للكلام، أو انفصاله عنه، حيث يتركب كلام آخر على اللحن كما في “سألوني الناس” أو “كل ما الحكي يطول”، أو “زعلي طول” التي كان لحنها لكلام “ورقه الأصفر شهر أيلول”، على أن فيروز لم تعجب بهذا الكلام الذي عادت فغنته في احد أجمل ألحان فيلمون وهبه. فالموسيقى عند زياد الرحباني ليست تابعة للكلام ولا معبرة عنه، بل لها قوامها المستقل ومنطقها الخاص.


AFP صورة نادرة لزياد الرحباني وهو يعزف على البيانو في منتصف ستينات القرن الماضي

كان المسرح أحد أسباب شهرته الكبيرة منذ قبيل الحرب مع مسرحية “نزل السرور” ثم ما تبعها مع مسرحيات تعكس تطور رؤيته للمجتمع والحرب: الصراع الطبقي في “بالنسبة لبكره شو”، انهيار منطق الحرب في “فيلم أميركي طويل” ثم لوم المجتمع اللبناني وطائفيته وصورته الزائفة عن نفسه في “شي فاشل”، حيث مخرج مسرحي يفشل في مسرحية عن محبة اللبنانيين بعضهم لبعض لأن الممثلين أنفسهم يتعاركون بسبب الطائفية.

ويروي الرحباني نفسه ساخرا أن ممثليه أنفسهم كانوا كذلك، والجمهور، أثناء عرض المسرحية. وفي “شي فاشل” تحديدا سيحاكم الرحباني الابن مسرح الأهل الذي قدم صيغة مبسطة أحيانا عن التعقيد اللبناني، مثلما سيسائل قضية الفولكلور واستعماله إلى حد استدعاء “أبو الزلف” شخصيا إلى المسرح. وفي المسرح إذن حاول الرحباني الابن نزع أقنعة اللبنانيين الكثيرة وفضحها، منتقلا من الادعاء الثوري إلى النظام الاقتصادي فالخيارات السياسية وصولا إلى الطائفية، ثم نقد أسس المجتمع اللبناني بعد الحرب في “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” التي يسخر عنوانها كما هو واضح من الأغنية الفيروزية.

لكن إلى جانب المسرح، كان للإذاعة  ـ مثل “بعدنا طيبين قولوا الله” ثم لاحقا “العقل زينة” ـ  أيضا دور كبير في شهرة الصوت الزيادي وطريقة إلقائه التي تشبه بها كثير من شبان تلك الأيام والسنوات اللاحقة أيضا. وكانت نوعا من التعليق المتواصل على أحداث الحرب وفوضاها وعبثها وغياب المنطق وتشظي لغة اللبنانيين فيها.

وفي الإذاعة أيضا كان زياد الرحباني يظهر كموسيقي، يعرف الناس إلى أشكال موسيقية يحبها، ويكتب مقدمات وشذرات موسيقية للبرامج الإذاعية، وينشر عمله المنفتح موسيقيا على مصادر بالغة التنوع، تضم الأخوين رحباني وفيلمون وهبي والموسيقات الكردية والأرمنية والبلقانية والشامية والمصرية فضلا عن الجاز والبوسانوفا والموسيقى الكلاسيكية التي بدأ بتعلمها مع بوغوص جلاليان.

لغة اللبنانيين

لعله حلم فترة طويلة، وبشكل ساذج ربما، بمحاولة “حمل الموسيقى الشرقية إلى العالم”، كما قال أكثر من مرة، بموسيقى شرقية المضمون وإن على آلات غربية. لكن النتيجة الفعلية كانت في ظننا موسيقى لبنانية وزيادية، متعددة ومتغيرة ورحبة، تقبل تنوعها في الآلات والتوزيع والأمزجة والناتج الصوتي، على ما سنعود إليه لاحقا. وكما أن المسرح هو أصلا مكان لقاء وتصادم السرديات المختلفة والشخصيات المتصارعة، كانت موسيقى زياد الرحباني أيضا متعارضة مع أفكار “توحيد الذوق”، لذا وصلت إلى قلوب كثيرة. الرحباني الابن، بقفشاته ونكاته وصوته وصورته وحتى طريقة لبسه ونطقه وإنصاته، على ما ذكر أحمد بيضون في “ما علمتم وذقتم”، ينتسب إلى لغة اللبنانيين في زمن الحرب وما فيها من تفاوض وكتمان ومواربة وتفاد للألغام الاجتماعية الكثيرة، تحول إلى “الانفلونسر الأول” على ما كتب فادي بردويل اثر وفاة زياد الرحباني. هذه الظاهرة الصوتية كانت بالتأكيد نتيجة جهد وبحث متواصل لإنشاء بصمات صوتية، له، وللمغنين والممثلين الذين عملوا معه، كما يورد العازف والموزع عبود السعدي عن رسم زياد الرحباني للشخصيات الصوتية في أعماله، فهو على ما ذكرت سلمى مصفي التي غنت له في أكثر من عمل، كان يحب الاصوات غير التقليدية، واعيا بخصوصية كل صوت وبإمكان استخدامه في أعماله العابثة الرافعة وسطى السخرية في وجه الحرب وفي وجه التصورات الرومنطيقية عن الوطن والشعب.

يتبدى حلم زياد الرحباني ببلد “عادي” وصغير إلى حد انه لا يحق له ان يعيش كل هذه المشاكل

انتقل زياد الرحباني إلى نقد الشعب وتفلته وعدم انضباطه وقرر تاليا، بعد الحرب، أن صورة العسكري في وصفه “البروليتاري الوحيد” في لبنان هي الضرورية لمنع الالتفاف على النظام. وبدلا من الوطن الرحباني البادي في “جبال الصوان” وتحويل بعلبك إلى اسطورة، وبدل التعالي الكاذب على الطوائف والصراعات والطبقات، غنى عن زمانه مباشرة مخاطبا إياه “يا زمان الطائفية…”.

AFP زياد الرحباني في أحد أعماله المسرحية في بيروت خلال تسعينات القرن الماضي

لذا، وعلى العكس من أهله، لم يغن لعواصم العرب ولا لدمشق التي لم يزرها إلا متأخرا ولا لفلسطين. ويمكن القول إن عاطفته الوطنية الفعلية تتجلى أساسا في السخرية من الوطن اللبناني. ويبعده هذا بالطبع عن مواقف الشيخ إمام ونجم مثلا التي تسخر من الحكام والمثقفين الانتهازيين لا من الوطن أو من الشعب. وكأنما في قفا الصورة، أو في “النيغاتيف” يتبدى حلم زياد الرحباني ببلد “عادي” وصغير إلى حد انه لا يحق له ان يعيش كل هذه المشاكل.

الأغنية العاطفية النسوية

عندما كان زياد الرحباني يافعا لحن “أنا عندي حنين وما بعرف لمين” (كلمات جوزيف حرب، ومن الواضح فيها تأثره بفيلمون وهبه). لكنه عندما نضج كتب ولحن في “ايه في امل” التي غنتها فيروز قائلا “ما عاد يلمسني الحنين”، مثلما كتب ولحن لصوت ابن عمه غسان قائلا “وقفنا العواطف وخصوصي الحنين”.

رفض الحنين كموقف جذري يعني اختيار المواجهة ورفض الهروب إلى عالم من الأحلام وأو الذكريات فرارا من الواقع والمشاكل والتعب والملل ومرور الزمن. وبهذا الرفض تحديدا كان بمستطاع زياد الرحباني ان يفتح مجالات الأغنية والمسرح على النقد الجذري والسخرية من المسرح والسياسة مثلما صورها مسرح الرحابنة كما ذكرنا، ومن الأغنية العاطفية والصورة الملائكية الفيروزية، وأخيرا من الموسيقى نفسها.

AFP فيروز وزياد الرحباني ووليم حسواني في مسرحية “ميس الريم”، عام 1975

هكذا نقل زياد الرحباني أغنية السيدة التي كان يخجل أن يناديها “ماما” أمام العازفين، من مراهقة لا جسد للحب في ظنها وصوتها (وإن كانت كلمات الأغاني مفعمة مواربة بالتلميحات)، تغني لحبيب “تعا ولا تجي” عالقة بين الحضور والغياب، إلى سيدة ذات خبرة وتاريخ وتعب وملل و”ضيق خلق” وروح نكتة مستعدة لأجلها ألا تأخذ كل شيء على محمل الجد.

بصوتها، وبأصوات أخرى غير تقليدية مثل سلمى مصفي وجوزيف صقر، وبصوته هو ساخرا من نفسه “من مرا لمرا عم ترجع لورا”، انتقلت مساحة الأغنية العاطفية مع زياد الرحباني من العاطفة الأولى، وعالم البراءة،  إلى عوالم التعقيد والمدينة وما بعد انتهاء الشغف وبدء مشاعر الخيبة واللامبالاة.

ولافتة تلك الحساسية الأنثوية العالية التي كتب بها زياد الرحباني متقمصا شخصية المرأة ومدافعا عن موقفها حتى النهاية: فيدافع عن الحساسية والرفض في مواجهة الشكوك والضغط و”الجو العصبي”، وعن اللامبالاة نصف الحقيقية في “امرق علي”، وصولا إلى تحول القصة إلى أثر قديم وصدى لقصة من أحبوا وتركوا وباعدتهم البلاد. كما يدافع عن غضبها من تردد الرجل في البوح (“كبيرة المزحة هاي”)، أو من الحب نفسه الذي يتغير ولا يدوم، بخاصة إذا رافقته الوعود الكاذبة في حين أن الأمل بالتغير ضئيل. وحتى في لحظات الأمل، الطالع من أمل، فإنها لحظات لتخفف من الزعل، لا لتنسيها ما حصل بالفعل ولا لتعيد نسج الحب.

هذه السيدة التي يصفها ويدافع عنها زياد الرحباني لم تعد هائمة في الحب ولا خائفة من الليالي ولا من أمها، ولها مطلق الحرية في أن تقبل وترفض، وتستقبل او تطرد، وتودع بلطف أو بسخرية، لأن تجربة الحب تكاد تكون وراءها، وما يبقى لها ربما جار لا تفهم كلامه، وكميون وزيتون وبلكون وحب “ريته عمره ما يكون”.

السخرية في نسيج الموسيقى

على مستوى آخر، وربما الأهم وبالتأكيد الأصعب، أدخل زياد الرحباني السخرية في الموسيقى نفسها، وليس فقط في الكلام عن العواطف أو الوطن او المسرح أو الأيديولوجيات.

فهو يكسر ما يوازي الحائط الرابع في المسرح، أي وهم العالم الذي تخلقه الأغنية أو الموسيقى، بأن يردنا إلى مادية التسجيل والضحك بأن يقدم مثلا أجزاء من بروفة “كيفك انت” ضمن الشريط الأصلي، أو ادخال صوته الأجش، قائلا “يا عين”، بعد صوت فيروز فائق النعومة في “يا ليل ليلي”، أو عندنا يحرص على ابقاء ضحكاته هو وجوزيف صقر، وكلامهم المتقطع، في شريط “بما انو” واغنية “مربى الدلال”.

لافتة تلك الحساسية الأنثوية العالية التي كتب بها زياد الرحباني متقمصا شخصية المرأة ومدافعا عن موقفها حتى النهاية

وفي التوزيع يمزج آلات غير متوقعة مثل القانون والغيتار الالكتريك (مع ديستورشين للصوت)، أو الناي والفلوت في حوار على خلفية مزيكا ديسكو، أو استعمال النحاسيات الي كان يحبها ويكتب لها بشكل صعب، على ما يذكر عبود السعدي، في حين إنها عموما مرتبطة بالرسميات والوطنيات، فهو يقدمها في “راجعة باذن الله” أو “اسمع يا رضا” كأنها موسيقى البلياتشو، أو حسب الله السادس عشر في فيلم بالأبيض والأسود. كما يلعب أحيانا مع مؤلفين كبار مثل ليست وموتسارت، ناقلا إياهم للجاز أو للموسيقى الشرقية.

كذلك يعمل على “هسترة” الموسيقى بحشو متواصل من الانغام في طبقات متعددة خلف اللحن الأصلي، أحيانا يدخلها طبقة فطبقة بحيث تتابعها الأذن، أو أحيانا يترك لها أن تترصدها ما بين جمل اللحن الأصلي، مستعملا فيها الضجيج وأصوات الشوارع والكلاب والشوك والسكاكين وشذرات من جمل موسيقية كأنما يتعارض بعضها مع بعض فلا تكتمل (على كل ذلك الأمثلة كثيرة مثل “عهدير البوسطة” و”شو عدا ما بدا” ومقدمة “سلم لي عليه” وغيرها). ويقول الموسيقي أسامة الخطيب إن الشغل مع زياد الرحباني متعب جدا للعازفين، ليس فقط لأنه يغير الأفكار والتوزيع والأعمال في آخر لحظة، لكن أيضا لأنه بالغ التطلب في الدقة ويكتب كتابة صعبة للآلات، فيذكر مثلا إن خط البيس Bass الذي يلعبه الخطيب نفسه في “وقمح” ليس به تكرار على طول القطعة رغم أنه يبدو ظاهريا مجرد تكرار لجملتين لحنيتين فقط.

وتبدو عمليات إعادة التوزيع المتواصلة فرصة للرحباني الابن في إظهار الشغف بالتفاصيل والابتكار والتنويع والتغيير للقطعة نفسها كأن تكون لدينا ثلاث أو اربع صيغ من “مقدمة ميس الريم” متفاوتة الطول والطابع والآلات. كأن كل صيغة جديدة تعيد خلق القطعة، وتكشف جوانب أخرى منها، كما الترجمة للأعمال الأدبية، حيث يصير معنى العمل الحقيقي هو مجموع صيغه. أو كأنه يرى ان الموسيقى أيضا لا تكتمل إلا بجمع كل احتمالات توزيعها واعادة توزيعها، وكأنها لا تنتهي.

HAZEM AL-HINDI / HO / AFP زياد الرحباني خلال بروفة في دار الأوبرا بدمشق

إرث الأهل

ربما كانت إعادة التوزيع في “إلى عاصي” أبرز الإشارات إلى تصالح زياد الرحباني وقبوله ارث اهله، بعدما كانت الحرب الأهلية قد انتهت وخرج مسرحه أيضا من إطارها، وبعدما كان قد أثبت تعاونا جديا وناجحا مع والدته بمعزل عن الأخوين رحباني.

وينقل أحمد بيضون في مقالته الجميلة “قمر الصباح الباكر يحكي بلايا آخر السهرة” (ويقصد ربما فيروز وأفعال ابنها على التوالي) عن زوجته الباحثة د. عزة شرارة بيضون، أن زياد الرحباني من القلائل في المنطقة ممن تحصل لديهم “أوديب ناجح”. فعلى خلاف المشهور في بلادنا من الكبار الذين يقتلون ويأكلون الصغار ويستمرون في أماكنهم مسيطرين إلى الأبد وما بعد الوفاة، فإن زياد الرحباني انقلب بنجاح على أبيه وعمه وعالمهما الفني وتصوراتهما للبلد والفن والحب والزمن والسخرية، وأطلق شراكة فنية متميزة مع والدته صانعا لها صورة جديدة وحساسية مغايرة.

إلا أن هذا الانقلاب في الواقع لم ينشئ قطيعة تامة مع المؤسسة الرحبانية، بل كان زياد يتعاون معهم ويشترك في العزف وفي بعض الألحان والبرامج وفي بعض حفلات فيروز.

Anis MILI / AFP الموسيقار والكاتب المسرحي اللبناني زياد الرحباني خلال مهرجان الحمامات الدولي

غير أن الاختلاف الأبرز ربما هو أنه لم يسع إلى توحيد موسيقاه وضبطها تحت قاعدة أو فكرة واحدة، بل ظلت متنوعة ومتعددة طول الوقت. وانقسمت بين جماهير كثيرة، فمنها ما تحول الى أغنيات شعبية، تغنى في الجلسات الشبابية أو في الأفراح والمناسبات (مثل “ما شاورت حالي” أو “الحالة تعبانة” و”عايشة وحدا بلاك”)، ومنها ما صاحب قصائد شعر بالعامية اللبنانية مع شعر عصام العبد الله، ومنها ما توزع بين البوسا نوفا والجاز والشانسونيه، أو بقي في إطار الموسيقى الفخمة التوزيع في المقدمات والموسيقات التصويرية. ومنها ما يصاحب تذوقنا لصوت فيروز الجديد في مساحته الجميلة في قرار صوتها المنخفض تصاحبه شبه ابتسامة، سواء في ما صار بعض “كلاسيكياتها” أو في جره لها نحو السكات  scat والليالي على طريقة الجاز (“معرفتي فيك” أو “يا ليلي ليلي”). ويبقى قسم من أعماله يسترجعه اللبنانيون، وبخاصة الشباب، في انتقاد الفقر والغلاء والطائفية و”الجوع الكافر” و”المصاري” التي تنزل على ناس لا تعرق ولا تعمل.

مجموعة المواهب الفريدة التي حازها، تستحق أن نعفيه من نزعتنا إلى الاختزال ونحميه منها، وأن نحتفي بهذا التعدد والتنوع والتعارض الداخلي الصانع “للالتباسات الخلاقة”

خسر زياد الرحباني الكثير من طاقته، ربما لأسباب صحية، منذ منتصف التسعينات، وربما لأن مصادر حماسته وإلهامه كانت تخفت بعد التصالح مع الأهل وانتهاء الحرب الأهلية وعدم صلاحية أدواته الفكرية آنذاك لمرحلة ما بعد الحرب، أي حين كان لا يزال في مطلع الأربعينيات من العمر للأسف. وتورط في مواقف قد لا تعجب أكثرنا.

إلا أن علينا في ذكراه أن نتنبه إلى أنه كان كثيرا ومتعددا ومتناقضا، ولا يجوز أن نحبسه في فكرة أو أيديولوجيا أو موقف، سواء أعجبنا أم نرفضه. إن مجموعة المواهب الفريدة التي حازها، من الشخصية المسرحية ممثلا وكاتبا ومخرجا، إلى الصوت الإذاعي والكتابة الساخرة، وصناعة الأغاني المتنوعة مضمونا ومزاجا، كلاما ولحنا وتوزيعا، إلى نجم اللقاءات التلفزيونية وانفلونسر الشبيبة، وامتناعه غالب الأحيان عن صنع “دعاية فجة” لموقفه السياسي، تستحق أن نعفيه من نزعتنا إلى الاختزال ونحميه منها، وأن نحتفي بهذا التعدد والتنوع والتعارض الداخلي الصانع “للالتباسات الخلاقة” (والعبارة لسيلفانا الخوري) أي تلك التي تسمح له ولنا بزعزعة القناعات الجامدة والمسبقة، والاعتراض على المعاني النهائية الأحادية الحتمية الهوياتية المقفلة والعقيمة.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img