“صحيفة الثوري” – (رأي):
خالد عبدالهادي *
لا تحتاج السعودية، أو أي من ممالك الخليج المتضررة من التخريب الإيراني، إلى أن تشترك في حرب مباشرة ضد الحوثية، باستثناء تأمين حدودها وحماية أصولها البحرية في البحر الأحمر.
عوضاً عن ذلك، عليها أن تستفيد من المثال الأوكراني المدعوم من حلف شمال الأطلسي، وتدرس نجاحاته وإخفاقاته، ثم تقتفي أثره.
وللتأسي بتجربة الناتو في أوكرانيا، يتعين تسليح الجيش اليمني عبر تمويل صفقات تسلح كافية وملائمة للحرب اليمنية وجيل الحروب السائد، بما استجد فيه من أسلحة غيّرت معايير القوة والسرعة.
وسيكون عليها أيضاً تفادي الأخطاء الفظيعة التي صاحبت تجربة 2015–2025.
تتوافر اليمن على ما لا يتوافر في بلدان منكوبة بالتغول الإيراني، كالعراق ولبنان، من شروط وظروف ناضجة لإلحاق الهزيمة بالمشروع الإيراني.
ففي اليمن كتلة شعبية متجانسة مناوئة للحوثية، وسخطها في ذروته. كما أن الاتجاه الدولي، الذي كان متعاطفاً مع الحوثية وسعى إلى إدماجها سياسياً، بات في ضيق متصاعد منها بعدما لمس طبيعتها الإرهابية إثر هجماتها على الملاحة البحرية التجارية والمدنية، وبطشها بموظفي هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، وصدّها لعروض السلام.
وعلاوة على ذلك، يتيح المورد البشري تشكيل جيش بأي قوام تتطلبه المعركة، إضافة إلى إمكان خوض حرب نظامية وشعبية في آن واحد.
اكتنف الدعم الضخم الذي قدمه الناتو لأوكرانيا حالات فساد كبيرة، تفوق بكثير ما تخلل دعم التحالف العربي للشرعية وقادة المقاومة في عامي 2015 و2016، لكن جوهر الفارق كان في التوجيه والهدف.
فدعم الناتو صُمم لتغطية العمليات العسكرية، ولإعادة إنتاجه ضمن اقتصاد حرب وتصنيع حربي بلغت غزارة إنتاجه حد التطلع إلى تخطي حاجز خمسة ملايين طائرة مسيرة سنوياً، وصنع ذخيرة تغطي راجمات الصواريخ حتى أعيرة البنادق، وتأهيل السلاح المعطوب، فضلاً عن تصدير خبرات وتقنيات المسيرات.
أما دعم التحالف العربي، فكان موجهاً للاستهلاك الآني، وفي حالات عدة كان إسعافياً لصد هجمات حوثية مباغتة.
والأدهى أنه حذا حذو حالات تدخل انتهت إلى الإخفاق، جراء هيمنتها على قرار الحليف، ومعاملته تابعاً لا شريكاً، أو غرس الانقسام بين قواه.
باء التدخل السوفياتي إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية بالإخفاق، ثم بخيانتهم في آخر المطاف، بعد أن طغى نفوذ المستشارين الستالينيين على القرار، وعاملهم بريبة، وشق وحدتهم بفتحه جبهة جديدة هناك لتعقب المعارضة.
وفي المقابل، أوصلت النازية حلفاءها إلى مدريد، وحسمت الحرب لمصلحتها، وبعد بضع سنوات زحفت آلة الحرب النازية حتى أمكن لطلائعها رؤية قباب الكرملين دون الحاجة إلى منظار.
الشاهد من هذا المثال أن على القوة الإقليمية، حين تتدخل في صف حليف يشاركها مصلحة استراتيجية، ألا توظف حاجاته وحالة ضعفه لإرغامه على تقبل دور التابع منزوع القرار، وألا ترى دعمها له بعين المنّ والتفضل، إذ ليس هذا مضماراً لتباري الأيادي المحسنة، بل هو دعم حتمي الضرورة لخط دفاع أول عن أمن جماعي، يبدأ في الحالة اليمنية الخليجية من مأرب وتعز والضالع، وإن انكسر اليوم، فسينهار في الغد خط الدفاع الأخير في الرياض وأبوظبي والكويت.
لو أن الناتو انخرط مباشرة إلى جانب الأوكرانيين في حربهم مع روسيا، لتفجرت حرب عالمية، وربما نووية، لكنه يكتفي بإرسال المستشارين العسكريين وشحنات السلاح وتمويل كلفة الحرب، دون أن يستخدم ذلك في إملاء قراراتهم السياسية والعسكرية.
وبالطبع، في التاريخ أمثلة شتى أعمق وأطول مدى من المثال الأوكراني، لكن تخصيصه نابع من أنه شاهد حي ما تزال فصوله تتوالى، وبرهان على كيف أن وحدة الإقليم خلف قوة صغيرة تذلل جبروت قوة عظمى.
شكلت سنوات الهدوء الواقعة بين 2022 و2026 أنسب توقيت لتطبيق استراتيجية التأهيل الذاتي للجيش والاقتصاد اليمنيين، لكي يتمتع خيار الذهاب إلى الحرب بواقعية في الوقت الراهن، بدل إهدار تلك السنوات في التناحر البيني وانتظار السلام الذي لن يأتي، أبداً، من نظام الملالي وربيبته الحوثية.
ومطلقاً، لن تفي وفرة العتاد وكثافة النيران بتحقيق الحل قبل صهر الجيوش التي خلقها العقد الماضي في جيش واحد، ودمج ولاءاتها في عقيدة عسكرية موحدة.
* نقلاً عنم منصة نوافذ يمنية

