صحيفة الثوري- ثقافة
د.عبدالحكيم باقيس
“أستاذ الأدب والنقد، جامعة عدن”
(1)
ما الذي يمكن أن تقوله الرواية في اليمن في ظل تحولات الواقع العنيفة، وفي ظل ارتباطها بتمثيل واقعها المأزوم بالنزاعات والحروب والصراعات المحلية، والتي ربما باتت اليوم سببًا رئيسًا في حصر مجال التعبير عند الكتُّاب عن هموم ذات طابع إنساني، فلم تتسع بعض التجارب للتخصيب برؤى فلسفية تأملية، أو انشغالات معرفية تتجاوز حدود الواقع، مما تستجيب له حداثة الموضوع الروائي في بيئات أخرى، سيبقى السؤال أكثر إلحاحًا عن رواية مشحونة بالانفعالات السيكولوجية والتشظي النفسي وحالات الاغتراب تتخلق في واقع أشد حبكة درامية من حبكة النص الروائي الذي يجتهد في تمثيله السردي لمشكلات الواقع المثخن بالحروب الأهلية والكراهية والتمييز والمناطقية والاستبداد السياسي والإرهاب، وهو سؤال في الخصوصية الروائية اليمنية في ظل أزمات الواقع المتناسلة بعد أن اجتهدت مختلف القوى السياسية في تفخيخه.
وسوف أتخير هنا مسحًا تتابعيًا لأهم الأعمال المكتوبة في موضوعها من وجهة نظري، ذلك أن سلطة القراءة الموضوعاتية تطرح نفسها الآن عند سؤال الخصوصية أكثر من أية مقاربة جمالية للأساليب والتقنيات السردية.
ضفاف واقعية
منذ البدايات الروائية قبل نحو تسعين سنة، لم تكن الرواية في اليمن بعيدة عن شواغل المجتمع ومشكلاته، وكانت قضية الهجرة والهوية التي صاغها أحمد عبدالله السقاف في (فتاة قاروت) 1927بوصفها أول نص روائي يمني، من أولى الموضوعات عن واقع التشظي وحياة اليمنيين المهاجرين في الجزر الآسيوية، وصراع اللهوية واللغة، والموقف من الاندماج في المجتمعات الجديدة عليهم، حفلت الرواية بالعديد من الخطابات المتضادة، والتي تبدو فيها رؤية السقاف أقرب إلى الرؤية الريدكالية في الموقف السلبي من الأخر وثقافته، فيما كتب في عدن رائد النهضة والصحافة في جنوب الجزيرة العربية محمد علي لقمان الذي انطلق من خلفيته الليبرالية رواية (سعيد) في 1939، ورواية (كملاديفي) في 1947، الأولى عن الحياة العدنية ومشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية في عشرينيات القرن الماضي، والأخرى تتناول فكرة الحاجة الملحة إلى الإصلاحات السياسية في بنية نظام الحكم، على الرغم من اتخاذها طابعًا كنائيًا، روايتان تجسد فيهما خطاب لقمان الفكري التنويري، وتشكلان صياغة روائية لسؤال النهضة الذي كان قد وناقشه في كتابه (بماذا تقدم الغربيون) كان لقمان ينطلق الحالة المدينية المؤسسة للثقافة أقرب إلى الليبرالية في فهم خصوصيات المجتمع العدني ومشكلاته، وتشكل البدايتان عند كل من السقاف ولقمان لحظة المساءلة الأولى بعيدًا عن أثر النزعة الرومانسية التي كانت تسم مراحل البدايات، وبوصفهما مفكرين ورائدين في مجالات إعلامية وثقافية أكثر من كونهما مجرد كاتبين روائيين، والاثنان فاتحة مرحلة البدايات الروائية في اليمن التي ستمتد حتى الخمسينيات، أربعة عقود وحصاد روائي محدود للغاية وفق المعيارين؛ الكمي والنوعي، ثم يأتي عقد الستينيات الصامت روائيًا، والصاخب سياسيًا واجتماعيًا بأهم التحولات التي شهدتها اليمن في تاريخها الحديث؛ معارك الاستقلال من الحكم البريطاني في الجنوب، وإسقاط الحكم الملكي الإمامي في الشمال، ثم قيام جمهوريتين يمنيتين تعيشان سنوات من صخب الرصاص وحديث البنادق، فيما سلسلة السرد في انقطاع حتى استعاد تيار الرواية الواقعية في اليمن فن الكتابة الروائية من جديد، وكتابها من الجيل الثاني، الذين تقدموا بالرواية في اليمن خطوات إلى الأمام، وفاتحة هذا الجيل من الواقعيين محمد أحمد عبدالولي وروايته (يموتون غرباء) 1971، التي تشكل البداية الفنية الحقيقية لولادة الشكل الروائي الحديث في اليمن، باشتراطاته ومكوناته السردية، ولا يمكن تجاوز الأثر الذي أدته أيضًا روايته الثانية، (صنعاء مدينة مفتوحة)، التي نشرت في عام 1978، بعد مقتله في حادثة طائرة الدبلوماسيين المشؤوم في عام 1973، على مستوى بنية السرد ودلالته، وتعدد الرواة وقصصهم في إشارة إلى جماعية المأساة وسردية حياة القهر والاستلاب التي تناسلت في أعمال تالية من قبيل (الميناء القديم) 1978، لمحمد صغيري، و(قرية البتول) 1979، لمحمد حنيبر، و(الرهينة) 1984، لزيد مطيع دماج، التي توشك أن تخرج من معطف (صنعاء مدينة مفتوحة)، وستشكل (الرهينة) بعد ذلك ما يشبه جرار القطار الذي يسحب بقية عربات قطار الرواية اليمنية نحو مرحلة جديدة من التطور والانتشار. وتمتد مرحلة الرواية الواقعية التأصيلية إلى نهاية التسعينيات القرن الماضي، وثلاثة عقود من نزعة التعبير والتفسير والسرديات الوطنية التي انتهجتها الكتابة الروائية ومحاولة تقدم رؤية يقينية عن الواقع. كان الانشغال بالقضايا والموضوعات الكبرى أهم ما يميز جلّ روايات هذه المرحلة، قضايا نضال اليمنيين، وقضايا الريف ومشكلاته، ومواجهة الطبيعة القاسية، والسلطات الأشد قسوة، مرحلة من “ترييف السرد” وانتزاعه من مهاده المديني الذي بدأ التشكل فيه، وتحويله إلى تمثيل سردي واسع الطيف، لم يخل في أثناء ذلك من تأثير الأيديولوجيات وخطاباتها، لكن الملاحظ في جلّ الروايات أن زمن أحداث القصص ظل مفارقًا لزمن الكتابة، بالمعنى التاريخي، فقد أخذ الكتاب في السبعينيات والثمانينيات، يتناولون الواقع اليمني في مدتي ما قبل النظام الجمهوري في الشمال، وما قبل الاستقلال الوطني في الجنوب، كانت المادة القصصية عن الخمسينيات وما قبلها، إسقاطات من التاريخ اليمني القريب، وربما ترجع هذه الظاهرة إلى “تقية” سياسية مارسها أكثر الكتاب جرأة، بسبب أجواء القمع وغياب الحريات، فأدت خشيتهم تناول الواقع الستيني والسبعيني والثمانيني ـ كما هو سائد وقتئذ ـ إلى تناول ما أرادوه في استعارة من مدد أقدم قليلاً، ولعل مرد ذلك ـ أيضًا ـ إلى فكرة تأخر الاستجابة الإبداعية التعبيرية المباشرة، كما يقول السوسيولوجيون، وكذلك إلى محاولة تقديم سرديات جديدة عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية قبل قيام الدولة الوطنية الحديثة.
وتُعدُّ رواية (السمار الثلاثة) عام 1989، لسعيد عولقي، والتي تعالج موضوع القمع وأزمة الحرية من علامات الخطاب الروائي اليمني الفارقة في هذه المرحلة، خارج سياق الخطابات السوسيوثقافية السائدة، محاولة جريئة في سؤال الواقع والتباساته وبنية السلطة التي تشكلت عقب الحرب المدمرة التي شهدها الجنوب اليمني في 1986، تخير الكاتب أبطالها المقموعين من الطبقة الوسطى المثقفة، يعيشون حالة من الاغتراب النفسي والاجتماعي، ثم يقعون ضحية للقمع والإرهاب السياسي (كاتب صحفي، ومؤلف مسرحي، وملحن موسيقي)، يطلب منهم تقديم شهادة زائفة في محاكمة صورية لتبرئة قاتل محترف، يوضع فيه الثلاثة في اختبار صعب للقيم التي يؤمنون بها تحت سلطة التهديد والإرهاب، فينحازون في النهاية إلى قول الحقيقية ما يجعل حياتهم عرضة للخطر، اتخذ العولقي أبطال شخصياته من فئة تؤمن بالتغيير وتتحمل تكاليفه الباهظة، وذلك بخلاف نماذج أبطال الروايات في هذه المرحلة التي كان يحرص كتابها أن يأتوا بأبطالهم وموضوعاتهم من القرى والريف أو من أدنى الطبقات الشعبية.
ومن اللافت أن أكثر كتاب هذا الجيل يتميزون بكتابة الرواية الواحدة اليتيمة، ولم يخض أكثرهم في مغامرة الكتابة الروائية كثيرًا، على الرغم من نجاحهم منذ التجربة الأولى، من أمثال محمود صغيري، محمد حنيبر، زيد مطيع دماج، وسعيد عولقي، يبدو أن الكتابة الروائية كانت في هامش الاهتمامات والشواغل الثقافية، ولم تجد ما يكفي من الاهتمام والتشجيع في ظل العزلة التاريخية التي تعاني منها الكتابة في اليمن عامة، وربما كان غياب النقد ووسائل النشر والتواصل مع الأوساط الثقافية والأدبية في الخارج أحد أسباب هذا الانصراف المبكر، وقد كانت “رهينة” دماج الأوفر حظًا من بين أخواتها في الخروج من دائرة العزلة، بما تحقق لها من الاحتفاء محليًا وعربيًا، ومن مؤشرات هذا الاحتفاء نسبة المقالات والدراسات المكتوبة عنها، وتكرار طباعتها
………….
نشرت الدراسة كاملة في مجلة الناصية العدد التاسع يونيو /حزيران 2026.
رابط تحميل العدد.
https://www.al-nasiya.com/category/pdf-file
……………..

