آخر الأخبار

spot_img

في السياسة… لا صداقة ولا عداوة مستمرة

قراءة في العلاقات اليمنية مع محيطها الإقليمي

صحيفة الثوري – (مقال رأي)

أحمد ناصر الحاج الظاهري

لقد أثبت التاريخ أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على العواطف، وإنما على المصالح الوطنية والمتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولذلك ظلت المقولة الشهيرة: “في السياسة لا صداقة دائمة ولا عداوة مستمرة، وإنما مصالح دائمة” واحدة من أكثر القواعد واقعية في العلاقات الدولية. فكم من دول كانت في حالة صراع ثم تحولت إلى شركاء وحلفاء عندما التقت مصالحها، وكم من تحالفات قوية انتهت عندما تغيرت الظروف.

واليمن، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه العريق، ظل جزءاً أصيلاً من محيطه العربي والإقليمي، وتأثرت علاقاته بدول الجوار بمراحل مختلفة، تراوحت بين التقارب والتباعد، إلا أن الروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية ظلت أقوى من كل المتغيرات السياسية، لأنها تستند إلى جذور حضارية وإنسانية عميقة.

ومن يقرأ التاريخ يدرك أن العلاقات بين اليمن والمملكة العربية السعودية لم تكن وليدة الظروف السياسية المعاصرة، بل تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ العربي. فقد شكلت أرض اليمن موطن القبائل القحطانية التي انتشرت في أنحاء الجزيرة العربية، كما ارتبطت عبر القرون بقبائل عدنانية استقرت في مناطق واسعة من الجزيرة، لتتشكل بين أبناء الجزيرة أواصر النسب والمصاهرة والتجارة والثقافة والمصير المشترك. ورغم اختلاف الروايات التاريخية حول تفاصيل الأنساب والهجرات، فإن المؤكد أن الروابط الاجتماعية والإنسانية بين شعوب الجزيرة العربية أعمق من أن تختزلها الخلافات السياسية العابرة.

ولعل ما يرمز إليه الموروث العربي من انتماء القبائل إلى قحطان وعدنان، يعكس عمق الامتداد التاريخي والإنساني لشعوب الجزيرة العربية، ويؤكد أن ما يجمع اليمن والمملكة العربية السعودية ليس فقط الجوار الجغرافي، بل أيضاً روابط التاريخ واللغة والثقافة والقرابة والمصير المشترك، وهي روابط ظلت حاضرة رغم اختلاف الظروف السياسية من مرحلة إلى أخرى.

وقد شهد التاريخ الحديث محطات عديدة أكدت أن التقارب بين اليمن والمملكة العربية السعودية كان دائماً الخيار الأكثر فائدة للبلدين وللمنطقة، وأن ما يجمعهما من الدين والجغرافيا والمصالح المشتركة، إلى جانب الروابط التاريخية والاجتماعية والإنسانية، أكبر من أي تباينات قد تفرضها ظروف أو مراحل سياسية معينة. ولذلك ظلت العلاقات الثنائية قادرة على تعزيز مسارات التعاون والتفاهم كلما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة، بما يخدم أمن واستقرار البلدين والجزيرة العربية، ويؤسس لشراكة استراتيجية تستجيب لتطلعات شعبيهما وتواكب المتغيرات الإقليمية والدولية.

إن إنهاء الأزمة اليمنية لا يمثل مصلحة لليمن وحده، بل يشكل مصلحة استراتيجية للجزيرة العربية بأكملها. فاستقرار اليمن، إلى جانب استمرار نهضة المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، من شأنه أن يفتح آفاقاً واسعة للتكامل الاقتصادي، وتعزيز الأمن الإقليمي، وتطوير البنية التحتية، وربط الموانئ وطرق التجارة والطاقة، بما يعزز مكانة المنطقة على المستويين الإقليمي والدولي.

وليس من المبالغة أن نتطلع، على المدى البعيد، إلى مستويات أكثر تقدماً من التكامل والتنسيق بين دول الجزيرة العربية، قد تتطور مستقبلاً إلى صيغة كونفدرالية إذا توافرت الإرادة السياسية، وتحققت مقومات الاستقرار، وفي مقدمتها إنهاء الأزمة اليمنية وقيام الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، وسيادة القانون. وإن نجاح هذا المشروع الحضاري، إذا تهيأت له الظروف، يمكن أن يجعل الجزيرة العربية واحدة من أبرز مناطق العالم استقراراً وتأثيراً وقوةً اقتصادية، وأن يعزز قدرتها على الإسهام في أمن المنطقة وازدهارها.

كما أن هذه القاعدة السياسية تنطبق أيضاً على العلاقات بين القوى والأحزاب اليمنية، إذ أثبتت التجارب أن الحوار والتوافق الوطني يظلان الطريق الأقصر لمعالجة الأزمات، وأن استمرار الانقسام لا يصنع دولة مستقرة ولا يحقق تطلعات المواطنين.

إن الحكمة السياسية لا تكمن في التمسك بالخلافات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى فرص للتفاهم، لأن الدول والشعوب التي تنظر إلى المستقبل بعقلانية هي الأقدر على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها. ومن هذا المنطلق، فإن اليمن يمتلك من التاريخ والعمق الحضاري والعلاقات الأخوية مع محيطه العربي ما يؤهله لاستعادة دوره الطبيعي متى ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة، وغُلِّبت مصلحة الوطن على المصالح الضيقة، لتكون الدولة المدنية الحديثة أساساً لنهضة اليمن، وشريكاً فاعلاً في بناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للجزيرة العربية بأسرها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img