صحيفة الثوري – (مقال رأي)
أحمد ناصر الحاج الظاهري
تشهد العلاقات الأمريكية–الإيرانية مرحلة بالغة الحساسية، تتأرجح بين الالتزام بمذكرة التفاهم المعلنة والعودة إلى دوامة التصعيد العسكري. فمنذ الإعلان عن التفاهم، لم تتوقف مؤشرات التوتر، سواء عبر تبادل الرسائل السياسية أو التحركات العسكرية والعقوبات والاتهامات المتبادلة، الأمر الذي يعكس أن الصراع لم يُحسم، وإنما انتقل إلى مرحلة إدارة الأزمات بدلاً من إنهائها.
هذا الواقع يفرض تساؤلات جوهرية حول مستقبل المنطقة، وما إذا كانت الإرادة السياسية لدى الطرفين ستنجح في تثبيت التفاهمات وتحويلها إلى مسار دائم يحد من احتمالات المواجهة، أم أن المصالح المتعارضة وتشابك الملفات الإقليمية سيدفعان مجددًا نحو التصعيد، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنسبة لليمن، الذي ظل طوال سنوات الحرب من أكثر الدول تأثرًا بالصراع الإقليمي والدولي. فأي تقارب حقيقي بين واشنطن وطهران قد يفتح نافذة لدفع العملية السياسية اليمنية وإنهاء حالة الاستنزاف المستمرة، في حين أن انهيار التفاهم والعودة إلى المواجهة قد يطيل أمد الأزمة ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والإنساني.
وفي خضم هذه المتغيرات، يبرز الدور المحوري للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب جمهورية مصر العربية وسلطنة عُمان وتركيا، بوصفها أطرافًا إقليمية تمتلك تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر في مسار الأزمات الإقليمية. فالمملكة العربية السعودية تقود منذ سنوات جهودًا حثيثة لدعم أمن واستقرار المنطقة، وتبذل مساعي سياسية للوصول إلى تسوية تنهي الحرب في اليمن، فيما تواصل سلطنة عُمان أداء دور الوسيط الهادئ، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. كما تمثل جمهورية مصر العربية ركيزة أساسية في منظومة الأمن العربي، خاصة فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب، بينما تملك تركيا حضورًا سياسيًا واقتصاديًا متناميًا في معادلات الشرق الأوسط، يجعلها طرفًا مؤثرًا في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
ومن ثم، فإن نجاح التفاهمات الأمريكية–الإيرانية لن يقتصر أثره على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سيفتح المجال أمام تعاون أوسع بين هذه القوى الإقليمية لدعم الاستقرار، وتسريع التسويات السياسية، وفي مقدمتها إنهاء الحرب في اليمن، وتعزيز أمن الخليج، وترسيخ الاستقرار في الشرق الأوسط بما يخدم مصالح شعوب المنطقة بعيدًا عن الصراعات والاستقطابات.
ومن هنا، فإن مستقبل اليمن لا يرتبط بعوامله الداخلية فحسب، بل يتأثر أيضًا بمسار العلاقات الأمريكية–الإيرانية، وبمدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى تسوية أكثر استقرارًا، تنعكس إيجابًا على أمن الخليج والشرق الأوسط، وتمنح شعوب المنطقة فرصة حقيقية للانتقال من منطق الصراعات إلى منطق السلام والتنمية.
وفي المحصلة، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده المواجهات العسكرية وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على تغليب لغة الحوار والمصالح المشتركة. وإذا ما توافرت الإرادة السياسية الصادقة، فإن اليمن قد يكون من أبرز المستفيدين من أي انفراج في العلاقات الأمريكية–الإيرانية، شريطة أن يقترن ذلك بإطلاق عملية سياسية يمنية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتشارك فيها جميع القوى الوطنية دون إقصاء، وبما يضمن الحفاظ على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، ويحقق تطلعات الشعب اليمني في السلام والتنمية، وبناء الدولة المدنية الحديثة.

