صحيفة الثوري – (مقال رأي)
حسين الوادعي
طرحت صحيفة “التليغراف” تساؤلاً صار يشغل الأذهان: كيف تحولت الأرجنتين من منتخب محبوب إلى المنتخب الشرير، وميسي من لاعب محبوب إلى اللاعب المكروه؟
السؤال يقع وسط تقاطعات الرياضة والسياسة والإعلام. وأظن أن عدة عوامل تجيب عن هذا السؤال، يدخل فيها سوء الحظ وحسن الحظ، وسوء التحكيم، وفساد الفيفا، وحالة الشك العالمية في “المؤسسات”.
حسن حظ منتخب الأرجنتين بوجوده ضمن مجموعة المنتخبات غير المنافسة تحول إلى سوء حظ تاريخي، خاصة بعد مباراة الجبل الأخضر. وبسبب تلك النزعة الإنسانية للتعاطف مع الضعيف والمهمش، بدت الأرجنتين في صورة ذلك المنتخب المدلل والمدجج بالنجوم الذي يصعد دون وجه حق، على حساب المهمش الأكثر استحقاقاً. ولعب المستوى الرديء للمنتخب الأرجنتيني دوراً في تعميم هذا الإحساس عالمياً، على الرغم من أن فوز الأرجنتين في تلك المباراة لم يكن جدلياً.
لكن لحظة التحول الجذري كانت في مباراة مصر والأرجنتين؛ إذ أعتقد أن الحكم ارتكب جريمة غير مقصودة في حق الأرجنتين عندما ألغى الهدف الثاني لمصر، والذي كان أجمل هدف في البطولة. إعجاب الجماهير العالمية بالهدف وبالأداء الساحر للمنتخب المصري الذي تراجع فجأة بسبب قرارات تحكيمية جدلية. ثم أتى رفض الحكم العودة إلى تقنية الفيديو (الفار) في لقطة إعاقة محمد صلاح في منطقة الجزاء الأرجنتينية، لتنقل الأرجنتين في أذهان الجماهير العالمية إلى خانة المنتخب الشرير المدلل الذي يسرق البطولات بمساعدة الفيفا.
وهكذا تغير اسم الأرجنتين بالإنجليزية في وسائل التواصل الاجتماعي من Argentina إلى Vargentina. وصار الحكام في محتوى الإنترنت يظهرون وهم يرتدون قميص الأرجنتين، لتغرق الإنترنت وسط ملايين المنشورات والفيديوهات والصور التي تنطلق كلها من فكرة واحدة موحدة: الأرجنتين تسرق الفوز عبر التحكيم!
ورغم أن الكثيرين يرون أن قرارات التحكيم كانت صحيحة، أو أنها لم تكن سبب الهزيمة حتى لو كانت خاطئة، إلا أن كأس العالم 2026 يشهد ظاهرة إعلامية للمرة الأولى: ظهور صورة المنتخب الشرير الذي ينتظر الجميع سقوطه.
جاءت القرارات التحكيمية في مباراة سويسرا لتضيف الملح على الجرح، وأضاف الأداء الرديء للأرجنتين أمام منتخب يلعب بعشرة لاعبين ويتعرض لظلم تحكيمي تأكيدات جديدة لنظرية “المنتخب السارق ومدلل الفيفا”. وتوقيت طرد اللاعب السويسري بعد هدف التعادل أثار غريزة الشك والكره الجماهيري تجاه الأرجنتين، على الرغم من أن القرار بحد ذاته قد يكون صحيحاً في ظروف معينة.
أضافت السياسة ما أضافته لوضع الأرجنتين وميسي على عرش شرير المونديال؛ فتصاعد المشاعر المعادية لإسرائيل دولياً بسبب غزة أعاد نشر أخبار زيارات ميسي لإسرائيل وتصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي حول رغبته في فوز الأرجنتين بكأس العالم الرابعة. كل هذا وضع المنتخب في مرمى النشاط العالمي المؤيد لفلسطين.
ثم جاءت أخبار الفساد المالي للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم لتضع الأرجنتين كلها، وليس المنتخب فقط، في دائرة الاتهام. فنبش النابشون فضيحة الكأس الأولى للأرجنتين عام 1978، وهي نقطة سوداء في تاريخ كرة القدم، وفوز لا أخلاقي تم بالتهديد والتزوير والرشاوى. ولم يسلم مونديالا 1986 و2022 من النبش والاتهامات!
ووقع التاريخ الأرجنتيني كله تحت الهجوم، خاصة مع وجود نزعة عنصرية واضحة داخل الأرجنتين متحيزة للعرق الأبيض وساعية لـ “تبييض” الأرجنتين. وفجأة دخل ناشطو مناهضة العنصرية (Anti-racism) الصورة، لتتشكل أوسع عملية كره جماهيري على وسائل التواصل الاجتماعي حول حدث رياضي.
تحول حسن الحظ الأرجنتيني في مجموعة ضعيفة إلى سوء حظ تاريخي، تضافر مع تحكيم سيء ومهتز، وأداء رديء، وسلسلة فوز غير مستحقة، لتنقل المنتخب المحبوب إلى خانة شرير المونديال. بل إن مباريات الأرجنتين شهدت ظاهرة الـ Hate-watching؛ أي متابعة المباراة كراهية في الشرير وانتظاراً لسقوطه.
وعلى بعد مباراة أو مباراتين من السقوط أو الصعود، تبدو الفرصة الوحيدة للأرجنتين للهروب من صورة الشرير هي الفوز بالكأس. لكنه سيكون فوزا لطعم الهزيمة لن بحولها في اذهان الجمهور الى بطل لكنه سيغطي عار السمعة والهزيمة مؤقتا بتحول Villain الى anti-hero . أما هزيمتها فلن تؤكد إلا الصورة (سواء كانت صادقة او ظالمة) حول الشرير الذي صعد بسرقة المباريات وسقط، والملايين تتشفى وتستمتع بسقوطه.
من صفحة الكاتب على منصة إكس:

