“صحيفة الثوري” – (رأي):
عبدالباري طاهر
في كانون الثاني/ يناير 2012، أصدَرَ النَّاشِط وَالصَّحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني كِتَابهِ «غَزَّة.. حَافِظُوا على إنسانيتكم».
أريغوني مُرَاِسل صَحَفي وكاتب وَنَاشِط إيطالي عَمِلَ مع «حَرَكة التَّضَامُن العالمية» الدَّاعِمَة للشَّعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ العام 2008، وحتى تاريخ استشهاده فيها؛ في شهر نيسان/ أبريل 2011.
تُرجِمَ الكِتاب إلى العربية والإنجليزية والإسبانية والألمانية، وَوُزِّعَ في مختلف بلدان العالم.
صَمَدَ الرَّجُل مع مواطني غَزَّة الذين كانوا يِتعرضونِ حِينَها لجرائم حرب وَضِدَّ الإنسانية، وَكَانَ يُضَمِّد الجِراح، وَيُسَاعِد المَرضَى والمحتاجين، وَيَفضح زَيفَ أكاذيب العُدوانَ الإسرائِيلي وَالدِّعَاية الصُّهيونِيَّة والاستعمارية، وَيَكشف تَفاصيلَ الجَرائم التي يقترفها نظام الفَصل العُنْصُري وَإصرَارهِ على تهجير الشعب العَرَبي الفلسطيني، وَطَردهِ مِنْ أرضِه.
اغتيل أريغوني المُدَافِع عن الشَّعب والقضية الفلسطينية على يد مجموعة سَلفِيَّة مشبوهة مُتَشدِّدَة.
عَرضتُ الكِتاب في «موقع النِّدَاء» قبل بضعة أشهر. وَمَا لَفَتني فيما يحدث الآن في غَزَّة، وبعد أن سُلِّمَتْ في حفل زِفَاف زَائِف في شَرم الشَّيخ إلى صانع الحروب الأول في العالم ترامب الذي سَلَّمَها بدوره إلى وكيله مجرم الهولوكوست نتنياهو؛ لِيَتَوَاصَلَ الحِصَار الشَّامِل، ومنع الغذاء والدواء والماء النَّقِي والهواء النظيف، مَعَ القَصف والاغتيال والتدمير، وقضم الأرض الواصل إلى أكثر من سبعين في المئة.
لَفَتني اسم وشعار كتابه المُهِمّ «حافظوا على إنسانيتكم». فيومها كَانَ الغَزِّي عَائِشًا في كُلِّ مساحة غَزَّة، أمَّا الآن فهو مُحَاصَر وَمُجَوَّع وَمُشَرَّد وَمَقتُول وَمَحرُوم من كُلِّ وَسَائِلَ العَيش للبقاء حَيًّا في جيب ضَيِّق أقل من ثُلُث مساحة الرُّقعَة الضَّيِّقَة على وجه الأرض؛ حيث لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا، ويعيش فيها 201 مليون نسمة.
أمَّا الآن فقد قُتِلَ من الغَزِّيين اثنا عشر مليون ونصف. وَهُوَ ما أشَارَ إليه الأمين العام للمبادرة الوطنية الدكتور مصطفى البرغوثي، وَاقتطعَ العدوُّ الصِّهيوني من المساحة ما يقرب من ثلاثة أرباعها والربع المتبقي مُحَاصَر، ويواجه حرب إبادة، وَالخَمس والخمسين دولة عربية وإسلامية الذين قَبِلُوا بنود مبادرة الرئيس الأمريكي العشرين المُعَدَّة من نتنياهو، وامتنعت الصِّين وروسيا من التصويت عليها في مجلس الأم؛ أمَّا زبائن حفلة ترامب فَصَمتُوا صَمتَ القبور.
انتقدت حماس المبادرة، وَقَبِلَ بها أبو مازن. وتؤكد إحصائيات الأمم المتحدة أنَّ الغالبية من السُّكَّان تَعرَّضُوا للنُّزُوح أكثر من مرة بسبب القصف.
تنبع الحالة القائمة في المتبقي من مساحة غَزَّة ومن مواطنيها الساكنين في مُرَبَّع. وَيُطرَح على الإنسان العربي وَالذَّاكِرة العربية السُّؤال: ماذا بعد إبادة غَزَّة وَالتَّطهِير العِرقي وَالتَّهجير لأهل الضِّفَّة الغَربية والاستيلاء على مناطق القُوَّة في سوريا، واحتلال جنوب لبنان، وتشريد مَا يَزيد على المليون مواطن لبناني، وتدمير مئات وآلاف القُرَى وَالمُدُن في الجنوب والبقاع وَالضَّاحية الجنوبية؟
أطرح التَّسَاؤُل بعد متابعة المقابلة بِـ «قناة الجزيرة» مع الدُّكتور مصطفى البرغوثي- الأمين العام لحركة المبادة الوطنية الفلسطينية، والتي أشَارَ فيها إلى قَتلى غَزَّة في حرب الإبادة، وميلاد 82 ألف طفل فلسطيني. وَطَرحَ: «نبقى أو لا نبقى؟».
إذا بَقِينَا؛ فهي نهاية الحرب الإسرائيلية. وَيَقينًا فَإنَّ قنبلة الذُّريَّة -بِضَمِّ الذَّال المُشَدَّدَة- أقوى ألف مَرَّة من قنبلة إسرائيل الذرية.
وإذا كان في اليهود اليوم مَنْ هُم من أبناء الهولوكوست النَّازي؛ فَلا بُدَّ أن يكونوا أكثر إحساسًا وَاستشعارًا بمخاطر الهولوكوست التي تقوم بها العصابات الصهيونية منذ مطلع القرن الماضي في فلسطين.
ويتساءل المفكر الفلسطيني: ماذا لو قُتِلَ وَجُرِحَ 37 مليون أمريكي؟ فماذا كَانت الإدارة الأمريكية ستفعل. فَكثيرون لا يُدرِكُونَ فَداحةَ هذا الرقم على أبناء غَزَّة التي قُتِلَ فيها هذا العَدَد في حرب الإبادة الجماعية.
وَيشير إلى خُطَّة الاحتواء المزدوج الأمريكية لإيران والعراق، وَالدِّرَاسَة التي أُعِدَّتْ، وَلَم يُلتَفَت إليها، وكان من نتائجها تدمير العراق. وَيُضيف: وجاء الدَّور على إيران.
وَأرى أنَّ الدَّورَ آتٍ على إيران والجزيرة والخليج، وَأنَّ الهدف القائم تدمير إيران، ووضع اليَد مباشرةً على الثَّرَوَات النَّفطية؛ ولن يكون مصير السعودية ودول الخليج مُختلفًا عن مصير فنزويلا وإيران وشقيقاتها العربية.
وليس المطلوب اليوم من الإنسانية واَلضَّمير الأممي الجمعي المحافظة على الإنسانية؛ وَإنَّمَا التَّدخُل الإنساني المباشر؛ لوقف إبادة شعب وطرده من أرضه. والمطلوب مِنَّا -كعرب- الحفاظ على وجودنا على أرضنا، وإدراك أنَّ إبادة غَزَّة إبادة لنا كشعوب وَكَأمَّة.
أمَّا المطلوب من الفلسطينيين فَهُوَ المُقَاوَمَة، والاستمرار فيها، والإنجاب، ورفض التَّهجِير، وبناء دولة الوحدة الوطنية التي طَالَمَا دَعَا إليها الدكتور البرغوثي وتوافقت عليها كُلّ الفَصَائل في «لِقَاء بكين».

