آخر الأخبار

spot_img

خلف غبار المطارات: تحولات الصراع في سماء اليمن

صحيفة الثوري – (مقال رأي)

حافظ الشجيفي

ثمة لحظات تاريخية يتوقف فيها الزمن عند مفترق طرق حاد، حيث تتقاطع الإرادات السياسية مع الضرورات الميدانية في مشهد معقد لا يقبل التجزئة. وما شهدته الساعات الماضية من أحداث متلاحقة يجسد ذروة هذا التعقيد، إذ بدأت الخيوط تنسج وقائعها بهبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء الدولي، متحدية بذلك حزمة القيود المفروضة على الأجواء. وهو حدث لم يأتِ من فراغ، بل سبقته نذر وتطورات استوجبت موقفًا حاسمًا، تجلى في الظهور التلفزيوني المصور لوزير الدفاع اليمني، الذي وجه رسائل مباشرة ومشددة بلهجة توحي بأن صبرًا طويلًا قد نفد، حيث تضمنت كلماته تحذيرات واضحة ومباشرة من مغبة استمرار هذه الاختراقات.

لتتحول بعدها الأقوال إلى أفعال على الأرض، عبر قصف مدرج مطار صنعاء في خطوة عسكرية استهدفت قطع الطريق أمام مزيد من الرحلات الجوية الإيرانية، التي اعتبرتها الحكومة الشرعية تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء إلى صنعاء. وبدا المشهد حينها مشحونًا بدلالات عسكرية تثير التساؤلات، لا سيما مع الجدل الدائر حول طبيعة هذه العملية وتوقيتها والجهة المنفذة، في ظل غياب سلاح الجو التقليدي للجيش اليمني، مما دفع مراقبين إلى قراءة ما بين السطور حول تكتيكات عسكرية غير معلنة تتيح توجيه ضربات دقيقة في عمق مدروس.

وما إن اشتدت وتيرة الضغط العسكري، حتى سعت الطائرة الإيرانية إلى الالتفاف على هذه الضغوط بتغيير مسارها نحو مطار الحديدة، في محاولة يائسة للإفلات من قبضة الحصار المفروض، وهو ما وضع الملاحة الجوية والقدرة على التحكم بالمنافذ أمام اختبار حقيقي، أمام الرأي العام والأطراف الإقليمية والدولية على حد سواء.

بينما سارعت جماعة الحوثي إلى توصيف الحدث على أنه استهداف للبنية التحتية ومحاولة لتعطيل الخدمات المدنية، التزمت الرياض، في المقابل، صمتًا دبلوماسيًا لافتًا تجاه تفاصيل العملية، تاركة الساحة للتحليلات التي تذهب إلى اعتبار هذا التحرك رسالة سياسية أرادت الحكومة الشرعية من خلالها إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وتأكيد حضورها في معادلة القوة، بعيدًا عن حالة الركود التي خيمت على المشهد طويلًا.

وقد امتدت ارتدادات هذه العملية لتلقي بظلالها الثقيلة على واقع التنقل والملاحة الجوية، إذ اتخذت الحكومة اليمنية قرارات عاجلة تمثلت في إغلاق مطارات البلاد، في عدن وغيرها من المنافذ الحيوية، وترافق ذلك مع إجراء احترازي تمثل في نقل الطائرات اليمنية إلى جيبوتي، مخافة تعرضها لقصف انتقامي حوثي، وهو ما حول الأزمة من صدام سياسي وعسكري إلى حالة إرباك خدمي وإنساني سوف تؤثر بشكل مباشر على حركة المواطنين وتدفق المساعدات.

وجاء ذلك وسط حالة استقطاب داخلي حاد بين تيار يرى في هذه الخطوات استعادة لهيبة الدولة ورفضًا للتدخل الخارجي، وتيار يرى فيها تصعيدًا يزيد من كلفة الحرب الإنسانية ويقوض فرص التهدئة الهشة، ليبقى مستقبل التفاهمات مرهونًا بطبيعة الردود القادمة، وقدرة الأطراف على احتواء هذا الانفجار العسكري، الذي جعل من حركة الطيران في سماء البلاد ساحة للصراع وميدانًا لتبادل الرسائل السياسية.

ومع استمرار هذه الأجواء المتوترة، تظل التوقعات مفتوحة على جميع الاحتمالات؛ فإما الذهاب إلى مزيد من التصعيد الذي يغلق كل نوافذ الحل، وإما العودة إلى لغة التفاهمات، التي يبدو أنها باتت تعاني من وهن شديد أمام وطأة الأحداث الميدانية المتلاحقة، التي أعادت ترتيب أولويات الأطراف، ليصبح واقع الملاحة والحركة الجوية في اليمن جزءًا لا يتجزأ من مسارات الحرب، التي لا تنفك تغير ملامحها بين ساعة وأخرى، في ظل تضارب المصالح وتداخل الأجندات، التي جعلت من السيادة الوطنية عنوانًا عريضًا لمعركة متعددة الأبعاد، تبدأ من مدارج المطارات ولا تنتهي عند حدود التفاهمات الإقليمية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img