صحيفة الثوري – كتابات
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لم يكن النفوذ الإيراني مجرد حضورٍ اعتباطي أو تحالفٍ مؤقت، بل كان مشروعاً مخطط له جيداً ، طويل النفس، نسجته طهران بخيوطٍ من العقيدة والسياسة وهياكل مليشيات بسلاح مُنفلت ، وسلطاتٌ موازيه داخل تلك الدول تتكئ على خرائط تُدار من خلف الحدود. هكذا وُلد ما يسميه كثير من الباحثين “قوس النفوذ الإيراني”؛ ذلك الهلال الممتد من طهران إلى بغداد، ومن دمشق إلى بيروت، وصولًا إلى صنعاء مشروع تمدد عبر الشقوق الكبرى التي خلّفتها الصراعات الداخليه والحروب والانهيارات والظروف الاقتصاديه لتلك الدول.
بمعنى أخر لم تكن طهران تبحث عن حدودٍ جديدة لبلدها في تلك البلدان ، بل عن مساحات نفوذ واغتصاب القرار داخل الدول نفسها.
نعم هذا القوس لم يكن هاجساً جغرافياً ، بل كان كفكرةٍ تتقن السير في الظلال في الظلام: فكرة أن تُدار من خلالها المنطقة عبر شبكات نفوذ حلزونيه معقده غير تقليدية، حيث تتحول الدول إلى ساحات نفوذ وتأثير إيراني ، والجماعات المسلحة فيها تبقى منصات قتال عند الطلب، والسياسة إلى امتدادٍ بارد للمشروع.
لكن المشاريع الكبرى في التاريخ لا تسقط فجأة ، بل تصل أولًا إلى لحظة الحقيقة الى لحظه الموجهه المباشره التى كانت تتجنبها.
اليوم، يقف هذا القوس أمام اختبارٍ قاسٍ لم يشهده منذ عقود أنه اختبار المواجهة الحقيقية المباشره.
فالحروب التي كان يتناسلها عبر أذرعه في الإقليم لم تعد مجرد اشتباكات موضعية محليه، بل كانت معارك لخدمه المشروع معارك لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة وفق الطموح.
واليوم في هذه اللحظات، تنكشف قوة تلك المشاريع العصبويه المتصادمه الدخيله… أو هشاشتها على أرض المعركه.
هكذا بُني النفوذ الإيراني على مبدأٍ استراتيجي واضح: الحرب غير المباشرة.
فبدل المواجهة العسكريه التقليدية، اختارت طهران بناء شبكات حلفاء محليين (الوكلاء) يحملون السلاح مشحنون بعقيده انتقائيه متطرفه هذه الاستراتيجية كانت ناجحة لسنوات طويلة فقد منحت إيران قدرة على السيطره والتأثير في أربع عواصم عربية دون أن تخوض حرباً تقليدية واحدة.
لكن التاريخ لا يبقى ثابتاً في هذه الأرض التي عبرت فوقها هذه المشاريع التمزيقيه مثل غيومٍ ثقيلة، لا يسقط التاريخ مرةً واحدة، بل يتشقق ببطءٍ حتى تنفتح الأرض عن حقيقةٍ كانت مختبئة تحت الركام.
في هذه الأرض العربية التي مشت عليها الأنبياء ومرّت فوقها الجيوش مثل العواصف، لا يكتب التاريخ فيها بالحبر،بل بالنار فالمنطقة اليوم تعيش مرحلة إعادة توازن عنيفة أنها مرحله تصادم عسكريه مباشره مع مشاريع أخرى منافسه.
فالدول التي كانت ساحة نفوذ ومنصات قوى للمشروع الإيراني أصبحت ساحة صراع مفتوح أصبحت منصات قتال، والجماعات التي زرعتها أصبحت أوراق قوى عسكريه سياسيه وأمنيه لكن مع كل حربٍ جديدة وتحول جديد نحو الحقيقة يتآكل جزء من تلك الشبكة المعقده التي شكّلت القوس الإيراني وتبدأ تخرج من شرك تلك الشبكة وتتحرر(سوريا نموذج).
غير أن المسألة قد لاتكون بهذه البساطة فالمشاريع الجيوسياسية الكبرى لا تنهار بضربة واحدة أو عدت ضربات عنيفه، بل قد تعيد ترتيب نفسها داخل الفوضى. إيران تدرك جيداً أن معركتها ليست معركة حدود ، بل معركة زمن واستنزاف لذلك فهي تراهن على طول النفس، وعلى مساحات الفوضى ، واضطراب سوق الطاقه وماسيخلفه من أعباء اقتصادية ويراهن على الأخاديد الإقليمية التى قد تحدث في المنطقه لخلق فرص جديدة لإستعاده زمام المبادره.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو سؤالٌ أعمق من الحرب نفسها:
هل ما يحدث من حرب هو بداية أنهيار قوس النفوذ الأيراني، أم مجرد مرحلة تغيير شكل النظام وأدواته بحيث حول بوصله سياسته؟
الحقيقة أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق تاريخي مفصلي.
فكل مشروع إقليمي سواء كان إيرانياً أو غيره سيُختبر الآن أمام واقع جديد: دول منهكة كلياً بالحروب، شعوب تبحث عن الاستقرار، ونظام دولي يعيد ترتيب سلم أولوياته في المنطقة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يسقط النفوذ العسكري فقط ،بل تُعاد صياغة الأفكار التي قامت عليها المشاريع نفسها.
قد لا يكون قوس النفوذ الإيراني قد أنهار بعد ، لكنه بالتأكيد يترنح دخل مرحلة الامتحان التاريخي الحرج.
فالقوى التي صنعت هذا القوس هي نفسها التي سوف تضعفهُ حد الإنهاك الكامل ومن ثم تعيد تشكيله ، ترويضه بما يتفق ومصالح الشرق الجديد أو الخيار ألاخر هوا اجتثاث النظام وتكسير القوس نهائي .
الخلاصه في الشرق الأوسط، كما علّمتنا التجارب لا شيء يبقى ثابتاً كل نفوذٍ قسري يكون مؤقت وكل مشروعٍ يتعارض مع مصالح الشعوب ويصطدم بثقافتها بالتأكيد ينتظر لحظه المواجهه مع الحقيقة المره والمرعبه. الحروب تشتعل كالنار في هشيم الجغرافيا، والشرق الأوسط يدخل مرحلةً تشبه الزلازل الجيوسياسي وقوس النفوذ الإيراني يقف الآن أمام مرآة قاسية
وعلى مايبدو يتآكل قطعه قطعه على طريق الأفول الكامل للمشروع.
فالفضاء الجيوسياسي الذي كان يتحرك فيه النظام الإيراني بحرية بدأ يضيق، والساحات التي كانت أدوات تمدد انكمشت ومنصات اطلاق الصواريخ والمسيرات أصبحت تقل فالساحات في العراق ولبنان اليوم تنزف بقوه ومعزوله ايضاً.
أي أن المشروع الطائفي العصبوي الايراني بلغ اللحظة التي يكتب فيها الزمن كلمة النهاية فيه داخل قلب هذه المعركه؟التاريخ لم يقول كلمته النهائيه بعد…. لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً هوا:
أن الشرق الأوسط دخل مرحلة سقوط الأوهام الكبرى للمشاريع الدخيله المختلفه وفي هذه الأرض، حين تسقط الأوهام والخرافات العقائديه تولد بالتأكيد خرائط تموضع وتحالفات جديدة.





