كتابات- داود الشريان:
بادرت دول الخليج مبكرا إلى إنشاء مجلس التعاون، بعدما أدركت أن الجغرافيا لا تترك للدول الصغيرة ترف العمل منفردة. وكان المجلس تعبيرا عن فكرة بسيطة؛ أمن الخليج مسؤولية جماعية، والتحديات الكبرى تحتاج مؤسسة تجمع القرار قبل أن تجمع المواقف.
خلال أكثر من أربعة عقود، اعتادت دول الخليج أن تتعامل مع مجلس التعاون بوصفه بابا للطوارئ. يعقد اجتماع عند كل أزمة، ويصدر بيان، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وهو استخدام بقي أقل من فلسفة المجلس، وأقل من طموحات شعوب الخليج، ورغم ذلك وفر قدرا من التنسيق في اللحظات الصعبة. الحرب على إيران كشفت أن هذا القدر لم يصمد أمام أول اختبار كبير. أغلق باب الطوارئ نفسه. غابت المؤسسة في اللحظة التي أنشئت من أجلها. لكل دولة لغتها. ولكل عاصمة حساباتها. ولم يعد المشهد يعكس رؤية خليجية واحدة أمام أخطر تحول أمني منذ عقود.
والمفارقة أن تداعيات هذه الحرب قد تكون أوسع من تداعيات غزو الكويت، وأعمق من نتائج الحرب العراقية الإيرانية. فنحن أمام احتمال إعادة رسم ميزان القوى في الخليج، وشكل العلاقة مع الحليف الأميركي، وأمن الملاحة، والطاقة، والتحالفات الإقليمية. وهذه تحولات تحتاج مؤسسة حاضرة كل يوم. تقرأ المتغيرات، وتبني الخيارات، وتنسق المواقف، وتصنع القرار الخليجي قبل أن تفرضه الأحداث.
الوحدة الخليجية أصبحت جزءا من الأمن الوطني لكل دولة. والمرحلة المقبلة تفرض الانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل السياسي والأمني، وإلى مؤسسات دائمة تتولى إدارة الملفات الاستراتيجية وصناعة القرار المشترك. فالخطر المقبل لن ينتظر موعد القمة الخليجية القادمة، ولن يتوقف عند حدود الخلافات الثنائية. المنطقة تتغير بسرعة، والمؤسسات التي تبقى على صورتها القديمة تتحول مع الوقت إلى جزء من الماضي.
مجلس التعاون ولد في لحظة تاريخية. واليوم يواجه لحظة اخرى تاريخية .

