(عدن) – صحيفة الثوري:
شكّل وصول طائرة مدنية إيرانية إلى مطار صنعاء الدولي، الجمعة، تطورًا سياسيًا وأمنيًا لافتًا، باعتباره أول رحلة مباشرة بين طهران وصنعاء منذ توقف هذا الخط مع اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، في خطوة تتجاوز أبعادها النقل الجوي لتلامس توازنات الصراع الإقليمي وقواعد الاشتباك التي حكمت الملف اليمني طوال أكثر من عقد.
ويأتي هذا التطور في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، بعد التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، ما يمنح الحدث أبعادًا سياسية تتجاوز كونه رحلة مدنية، ويضعه في إطار اختبار عملي للقيود المفروضة على الأجواء اليمنية منذ سنوات.
من الحظر إلى الرحلة
مع انطلاق عملية “عاصفة الحزم” في 26 مارس/آذار 2015، فرض التحالف العربي بقيادة السعودية رقابة مشددة على الأجواء والمنافذ اليمنية، بهدف منع وصول الأسلحة إلى جماعة الحوثي.
وفي 14 أبريل/نيسان من العام نفسه، صدر قرار مجلس الأمن رقم (2216)، الذي فرض حظرًا على توريد السلاح إلى الحوثيين، ليصبح المرجعية القانونية للإجراءات المتعلقة بحركة الملاحة الجوية والبحرية نحو مناطق سيطرة الجماعة.
ومنذ ذلك الحين، توقفت الرحلات الجوية المباشرة بين طهران وصنعاء، واقتصرت حركة الطيران على رحلات محدودة خاضعة لترتيبات خاصة، قبل أن تُستأنف لاحقًا رحلات تجارية إلى وجهات محددة ضمن تفاهمات إنسانية.

ماذا حدث؟
بحسب ما أعلنته جماعة الحوثي، وصلت طائرة مدنية إيرانية إلى مطار صنعاء وعلى متنها أكثر من 200 راكب، بينهم مرضى وجرحى وعالقون.
كما زعمت الجماعة أن طائرة حربية سعودية حاولت اعتراض الرحلة داخل الأجواء اليمنية، وأن دفاعاتها الجوية أجبرتها على المغادرة، وهو ما لم يصدر بشأنه تأكيد رسمي من الجانب السعودي.
وعقب وصول الطائرة، صعدت الجماعة من خطابها العسكري، مهددة باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية إذا تكرر ما وصفته بانتهاك الأجواء اليمنية، مؤكدة استمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران.
غارات ورسائل متبادلة
يتزامن هذا التطور مع غارات جوية استهدفت مواقع خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الساعات الماضية.
ولم تعلن الجماعة حصيلة رسمية للخسائر، فيما تحدثت مصادر مطلعة عن استهداف مخازن للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ومستودعات للأسلحة، إضافة إلى سقوط عدد من القيادات الحوثية، وهي معلومات لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.
أين الحكومة الشرعية؟
وفي مقابل هذا التصعيد، برز غياب الموقف الرسمي للحكومة اليمنية بصورة لافتة، إذ لم يصدر حتى الآن تعليق واضح بشأن الرحلة الإيرانية أو تهديدات الحوثيين، رغم أن مثل هذه التطورات كانت تقابل في السابق ببيانات سياسية وتحركات دبلوماسية. ويثير هذا الصمت تساؤلات حول دور الحكومة في ظل التحولات المتسارعة، بينما تبدو الأطراف الإقليمية اللاعب الأكثر حضورًا في إدارة المشهد.
قراءة سياسية
لا تكمن أهمية الحدث في وصول طائرة مدنية فحسب، بل في الرسائل السياسية التي تحملها. فإذا تحولت الرحلات المباشرة بين طهران وصنعاء إلى واقع مستمر، فإن ذلك قد يعكس تحولًا تدريجيًا في قواعد إدارة المجال الجوي اليمني، ويؤشر إلى إعادة رسم معادلات الصراع التي استقرت منذ عام 2015.
كما أن الحدث يمثل اختبارًا لمدى قدرة الأطراف الإقليمية على فرض وقائع جديدة في اليمن، في ظل المتغيرات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا. ويرى مراقبون أن إيران تسعى إلى ترجمة هذه التحولات إلى مكاسب ميدانية تعزز نفوذ حلفائها، عبر اختبار حدود الردع وقياس ردود الفعل الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، فإن أي غياب لردود فعل حاسمة من الحكومة اليمنية أو من التحالف العربي قد يُفسَّر باعتباره قبولًا ضمنيًا بواقع جديد، أو على الأقل تراجعًا في مستوى تطبيق القيود التي ظلت تحكم الملف اليمني طوال السنوات الماضية، وهو ما قد يفتح الباب أمام خطوات مماثلة في المستقبل.
خلاصة
الطائرة الإيرانية لم تكن مجرد رحلة جوية اعتيادية، بل حدثًا يحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز لحظة الهبوط في مطار صنعاء. وما إذا كانت ستبقى استثناءً عابرًا أم تتحول إلى بداية مسار جديد، سيعتمد على طبيعة ردود الفعل الإقليمية والدولية خلال الأيام المقبلة.
فما جرى اليوم قد لا يكون سوى الحلقة الأولى في اختبار أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك في اليمن والخليج، في مرحلة تبدو فيها موازين القوى أكثر قابلية للتغيير من أي وقت مضى.

