“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د. محمد علي قحطان
تشير التوقعات الإحصائية، حسب آخر تقديرات الأمم المتحدة، إلى أن عدد سكان اليمن، البالغة مساحته حوالي 555 ألف كم مربع، يُقدَّر في العام الحالي 2026 بنحو 42 مليون نسمة، منهم حوالي 68% تقريباً ينتشرون في أرياف اليمن. وبناءً على ذلك، فإن سكان الريف يُقدَّر عددهم بحوالي 29 مليون نسمة تقريباً، وسكان الحضر يُقدَّر عددهم بحوالي 13 مليون نسمة، بما يشير إلى أن معظم سكان اليمن ينتشرون في أرياف المحافظات اليمنية.
كما أن نتائج التعدادات السكانية تؤكد أن الإناث يشكّلن حوالي نصف السكان، ويعني ذلك أن إجمالي الإناث في الريف اليمني يمكن تقديرهن بنسبة 50% من إجمالي عدد سكان الريف المقدر بحوالي 29 مليون نسمة، أي أن عددهن يقدَّر بنحو 14.5 مليون نسمة. وبمعرفة أن نسبة السكان في سن العمل تقدر بنحو 56% للفئة العمرية (15 – 60 سنة)، فإن النساء الريفيات في سن العمل يُقدَّر عددهن بنحو 56% من إجمالي إناث سكان الريف، أي أن عددهن يقدَّر بنحو 8.12 مليون نسمة.
وحيث إن إناث الريف أكثر استقراراً وارتباطاً بالأرض، فإنهن يشتغلن في الزراعة والأنشطة المرتبطة بها، بما فيهن الأطفال تحت سن العمل، وبالتالي يمكن اعتبار أن معظم قوة العمل الريفية من الإناث، إذ إن معظم الذكور غالباً ما ينتقلون إلى المدن للبحث عن فرص عمل أو للدراسة.
وبناءً على هذا التوزيع السكاني، نستطيع القول إن دور المرأة الريفية في اليمن هو الرائد في أعمال الزراعة والأنشطة المرتبطة بها، ويمكن توضيح ذلك من خلال المحاور التالية:
- الأنشطة الزراعية.
- تربية الحيوانات والطيور.
- تربية النحل.
- الصناعات الغذائية.
- الحرف اليدوية.
النقطة الأولى: في مجال الزراعة
تشير معظم التقديرات الإحصائية إلى أن نسبة مشاركة المرأة اليمنية في التنمية الريفية تقدر بنحو 75% من إجمالي الأنشطة الزراعية، ويُلاحظ ذلك من خلال أعمال المرأة في الحراثة، وزراعة المحاصيل كالحبوب والقات، وتقليم الأشجار، وتوزيع الأسمدة، وجلب المياه من مسافات طويلة لتوفير المياه اللازمة للري والاحتياجات المنزلية.
كما يُلاحظ ذلك من خلال جهود التمكين والتطوير للأنشطة الزراعية التي تقدمها المنظمات الدولية في الريف اليمني، وتشمل: التدريب، وبرامج الإرشاد الزراعي، وبرامج التمويل الأصغر لتمكين المرأة الريفية من استصلاح الأراضي وإدارة سلاسل الإنتاج، وعقد ورش متخصصة في مجالات الأنشطة الزراعية، والمبادرات التي تسعى إلى تعزيز دور المرأة الريفية في التنمية.
النقطة الثانية: في مجال تربية الحيوانات والطيور (الدواجن)
من يزور الريف اليمني أو يعيش فيه، يشاهد بكل وضوح أن من يتحمل المسؤولية الأساسية في تربية الحيوانات والدواجن ورعايتها هن النساء، من خلال الأنشطة التالية:
- جلب الأعلاف للحيوانات والدواجن، وكذلك المياه، وإطعامها وسقايتها.
- مراقبة صحة الحيوانات والدواجن وتقديم الخدمات العلاجية الشعبية لها.
- استخراج منتجات الحيوانات والدواجن من الألبان ومنتجاتها (الحقين، السمن، البيض، والجبنة) وتجهيزها وتسويقها، بالإضافة إلى الحليب الطازج.
- تربية صغار الحيوانات والدواجن حتى تكبر وتضاف إلى ما لدى الأسر من الثروة الحيوانية أو تُسوق، بما يؤمن دخلاً إضافياً للأسر ويسهم في الناتج المحلي الإجمالي.
وكل ذلك يكون حصيلته توفير الأغذية للأسر، وفي الوقت نفسه دخول نقدية تساعدها على تلبية احتياجات أفراد الأسرة، بالإضافة إلى تعزيز دور المرأة في التنمية الريفية.
وبناءً على ذلك، تبرز أهمية دور المرأة الريفية في مجال تربية الحيوانات والدواجن، ويمكن إيجاز هذه الأهمية بالآتي:
- أن تربية الحيوانات والدواجن تُعد مصدراً أساسياً لدخول الأسر، وفي الوقت نفسه تسهم في تنمية الثروة الحيوانية.
- أن دور المرأة في هذا المجال يؤدي إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي للأسر في الريف من الغذاء ومتطلباته، ويمكنها من مواجهة التحديات والظروف الصعبة.
- أن تربية الحيوانات تسهم في توفير السماد العضوي من مخلفاتها لتحسين مستوى الإنتاج الزراعي.
وكل ما سُرد في مجال تربية الحيوانات والدواجن، كما يتضح من العرض السابق، يعود الفضل فيه للمرأة الريفية بدرجة أساسية، الأمر الذي يجسد دور المرأة اليمنية في التنمية الريفية.
النقطة الثالثة: في مجال تربية النحل
مما يُشاهد من الأنشطة الريفية التي تقوم بها المرأة، المساهمة في مجال تربية النحل، ويظهر ذلك من خلال الآتي:
- الأنشطة الخاصة بتحضير خلايا النحل في محيط المنازل، وتقديم الرعاية والحماية والمتابعة لها.
- ما يُدار من أنشطة المنظمات والجمعيات التعاونية في مجال التأهيل والتدريب، إذ تسجل النساء حضوراً مميزاً واكتساباً للمهارات لإدارة خلايا النحل وتطوير منتجاتها من العسل.
- النشاط الملحوظ للنساء في مجال تسويق العسل، حيث تقوم النساء اللاتي يملكن خلايا نحل باستخلاص العسل وتجهيزه وتسويقه.
النقطة الرابعة: في مجال الصناعات الغذائية
تلعب النساء في الريف اليمني دوراً بارزاً في هذا المجال، ويمكن ملاحظته من خلال الأنشطة التالية:
- صناعة المخبوزات وتسويقها في الأسواق القريبة.
- صناعة الحلويات وتسويقها.
- تجفيف الخضروات والفواكه وتسويقها.
- صناعة البهارات والبخور وتسويقها.
- صناعة الجبن البلدي وتسويقه.
النقطة الخامسة: في مجال الحرف اليدوية
كانت اليمن قديماً مكتفية ذاتياً بكافة متطلبات الأسرة من المنسوجات والأزياء الشعبية وصناعات الخزف والفخار. وكانت المرأة الريفية ولا تزال تلعب دوراً محورياً في إنتاج الصناعات الحرفية والحفاظ عليها من الانقراض من خلال الأعمال المنزلية والأنشطة المرتبطة بالزراعة.
ويبرز هذا الدور في أنشطة مختلفة، أبرزها ما يلي:
- خياطة الملابس بأشكال متنوعة تلبي حاجة أفراد الأسر، إضافة إلى تسويق الفائض للأسواق المنتشرة في الأرياف والمدن، حيث تُقام أسواق يومية على مدار الأسبوع في مناطق مختلفة. وفي العصر الحالي يمكن مشاهدة هذه المنتجات في أسواق المدن أيضاً.
- صناعة البخور، إذ تشتهر اليمن بصناعته وتسويقه داخل اليمن وخارجه، وتقوم المرأة الريفية بإنتاجه وتسويقه، إضافة إلى بعض النساء في المدن المنتقلات من الأرياف.
- منتجات سعف النخيل: وهي منتجات حرفية تشمل السلال، المفارش، أغطية الأواني، أغطية الرأس، الكراسي، الأسرة، وبعض الحصائر التقليدية.
- الأواني الفخارية: وتشمل كافة الأواني المستخدمة للطبخ ونقل مياه الشرب وأواني الاستخدام المنزلي.
- المنسوجات والتطريز اليدوي وحياكة الملابس الشعبية باستخدام أدوات النسيج التقليدية، ويمكن مشاهدة أشكال مختلفة من التطريز في تزيين الملابس والمفروشات بالنقوش التراثية المعبرة عن الهوية اليمنية.
كل تلك الحرف اليدوية وغيرها تلعب المرأة الريفية اليمنية دوراً أساسياً في إنتاجها منذ عصور قديمة، ولا تزال الأسر الريفية تحافظ على هذه الصناعات الحرفية بالرغم من منافسة المنتجات العصرية المستوردة لها.
وبناءً على ما سبق، نستخلص أن المرأة اليمنية في الريف تلعب دوراً مهماً للغاية في الأمن الغذائي لسكان الريف وفي التنمية الريفية، ويمكنها في حال حظيت بالرعاية الكافية من قبل الدولة أن تحقق لليمن قدراً عالياً من الأمن الغذائي والتقليل من الاعتماد على الخارج لاستيراد متطلبات الحياة الأسرية.
وبناءً عليه، نوصي الحكومة اليمنية بالعمل على ما يلي:
أولاً: إنشاء الحواجز والسدود لمواجهة مشكلة ندرة المياه، بسبب عوامل التعرية والهجرة الداخلية والخارجية لشباب سكان الريف بحثاً عن فرص العمل وإعالة أسرهم.
ثانياً: توجيه المساعدات الإنسانية الطارئة وغيرها من المساعدات التنموية نحو التنمية الريفية من خلال تنشيط دور المرأة الريفية في الأنشطة المختلفة التي سبق ذكرها.
ثالثاً: الاهتمام بإنشاء الجمعيات التعاونية النسوية في مجالات التنمية الريفية، مثل الجمعيات الزراعية وتربية الحيوانات والنحل، ودعم النساء في مجال الصناعات الغذائية والحرف اليدوية.
رابعاً: إنشاء صندوق لدعم الأسر المنتجة في الريف اليمني من خلال تحويل ضرائب القات لهذا الصندوق وأي مساعدات إنسانية دولية، مع إمكانية تخصيص نسبة من الواجبات الزكوية لهذا الصندوق.

