آخر الأخبار

spot_img

علي جعفر.. منارة تربوية تستحق أن يُخلَّد اسمه على صرح ثانوية تعز الكبرى

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أحمد طه المعبقي

ولد الفقيد علي جعفر في بلاد الكاذي (حوطة لحج)، وعاش حياته في مدينة المشاقر (تعز). لم تكن علاقته بتعز مجرد علاقة موظف يعمل في المدينة، بل تشكّلت حالة من العشق الصوفي المتبادل بينه وبينها. لقد عشقها حتى الذوبان، وعشقته حتى الثمالة، فغدت تفاصيله جزءاً من هويتها الثقافية والتربوية. نشأ الفقيد في كنف أسرة عريقة نذرت نفسها للعلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة. امتدت جذوره الفكرية لتربطه برابطة القربى بالكاتب والمفكر اليمني الكبير عمر الجاوي، فكان كلاهما وجهين لعملة واحدة: الجاوي يهندس وعي الأمة بالكلمة والصحافة، وعلي جعفر يهندس عقول الأجيال بالتربية والنظام.

مثّلت تجربة علي جعفر التربوية نموذجاً فريداً، فقد شغل لعقود من الزمن موقع وكيلاً لمدرسة “ثانوية تعز الكبرى”، محولاً هذا الصرح التعليمي إلى مختبر حقيقي للقيادة الناجحة. لم تكن هيبته ناتجة عن سلطة العقاب، بل عن “سلطة النموذج الأخلاقي”. استطاع بعبقريته الإدارية الفذّة أن يخلق توازناً دقيقاً بين حزم القائد ولين المربي، فترك أثراً محفوراً في وجدان المعلمين والطلاب على حد سواء. وقدّم الفقيد درساً فلسفياً في “الزهد الإداري”. ورغم كفاءته التي تؤهله لأعلى المناصب، فإنه ظل وفيّاً لرسالته الأولى، مهضوم الحقوق من أي ترقيات إدارية رسمية، وكأنه يرى في العطاء ذاته المكافأة الأسمى، عاملاً بإخلاص صامت لا يبتغي شكراً ولا ينتظر ثناءً.

يمكن القول إن الأثر التربوي الذي تركه علي جعفر في فضاء تعز التعليمي يشابه تماماً الأثر التنويري الذي تركه قريبه المفكر عمر الجاوي في مجالات الأدب والصحافة والفكر الإنساني؛ فكلاهما حفر مجراه الخاص في جدار الوعي اليمني.

لذا، ينبغي تحويل سيرة هذا الرائد التربوي، ليس مجرد ذكرى عاطفية، بل إن المسؤولية العلمية تحتم تفكيك تجربته إدارياً: تحويل أسلوبه الإداري في قيادة “ثانوية تعز الكبرى” إلى مشاريع ودراسات علمية تُدرّس في كليات التربية، لاستلهام كيفية الارتقاء بالعملية التعليمية عبر “القدوة الإدارية”. كما ينبغي تدريس قيم النزاهة والتفاني التي جسدها الفقيد كمعيار قياسي ومهني وأخلاقي لما يجب أن يكون عليه رجل الإدارة المدرسية.

لذا نلفت انتباه السلطة المحلية بمحافظة تعز ووزارة التربية والتعليم: إن أقل ما يمكن أن يُقدَّم لروح هذه السامقة التربوية، تكريماً لمكانته وتفانيه الفريد، هو إطلاق اسمه على الصرح الذي وهبه زهرة عمره، بإعادة تسمية “ثانوية تعز الكبرى” لتصبح (ثانوية الفقيد علي جعفر الكبرى). إن هذا الإجراء ليس مجرد تكريم لشخص الفقيد، بل هو إعلاء لقيمة التعليم، وتخليد للنموذج الفريد في الإدارة المدرسية، ليبقى اسمه منارة تلهم الأجيال القادمة بأن العظمة الحقيقية تُصنع في ميادين العطاء والتفاني والإخلاص.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img