آخر الأخبار

spot_img

الفساد السياسي والمالي والإداري في اليمن.. أزمة ممتدة وتحديات المستقبل

بقلم: أحمد ناصر الحاج الظاهري

يعد الفساد ظاهرة عالمية لا تكاد تخلو منها دولة أو مجتمع، غير أن له في اليمن تاريخاً طويلاً، اكتسب خلاله سمات وخصائص جعلته أكثر تعقيداً وتشابكاً مقارنة بالعديد من البلدان، نتيجة لتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتشابك المصالح الشخصية والفئوية مع بنية السلطة والنفوذ.

ولا يقتصر الفساد على الجانب المالي، المتمثل في اختلاس المال العام والرشوة والعبث بالموارد والثروات، أو على الفساد الإداري الذي يتجسد في المحسوبية والوساطة وتعطيل مصالح المواطنين وتغليب الولاءات على الكفاءة، بل يمتد إلى الفساد السياسي، الذي يعد أخطر أشكال الفساد، لأنه يمثل البيئة الحاضنة التي تسمح بنمو واستمرار مختلف مظاهر الفساد الأخرى.

فالفساد السياسي يتمثل في توظيف السلطة والنفوذ لخدمة مصالح ضيقة على حساب المصلحة الوطنية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتقويض مبدأ المواطنة المتساوية، وتحويل الانتماءات الحزبية والمناطقية والقبلية إلى بديل عن دولة القانون والمؤسسات.

ولم تسلم بعض الأحزاب والكيانات السياسية من مظاهر هذا الفساد، حيث غلبت في بعض الحالات الحسابات الضيقة والمصالح الخاصة على البرامج الوطنية، وتراجع الاهتمام بقضايا المواطنين وهمومهم المعيشية والتنموية.

كما أن الحرب العبثية التي تعيشها البلاد، وحالة اللاحرب واللاسلم التي طال أمدها، أفرزتا واقعاً جديداً نشأت في ظله مراكز قوى وشخصيات وقيادات ارتبطت مصالحها باستمرار الأزمة، وأصبحت حالة الانقسام والصراع مصدراً للمكاسب والنفوذ بالنسبة لبعض المستفيدين والممولين والمقربين، بدلاً من أن يكون السلام واستعادة الدولة هدفاً جامعاً للجميع.

وفي ظل هذا الواقع، تفشت ظاهرة التعيينات القائمة على القرابة والمحسوبية والانتماءات الضيقة على حساب الحق العام والكفاءة، وبرزت مظاهر الإقصاء والتمييز والعصبيات المناطقية والفئوية، وهي ظواهر لم تقتصر على طرف بعينه، بل امتدت بدرجات متفاوتة إلى مختلف الأطراف المتصارعة في اليمن.

لقد أدى استمرار هذه الأوضاع إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتراجع الثقة بها، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح من الواضح أن أي مشروع لبناء السلام أو إعادة الإعمار لن يحقق أهدافه ما لم يقترن بإصلاحات سياسية وإدارية حقيقية، وبإرادة وطنية تضع المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.

ومن هنا، فإن استمرار حالة المراوحة الراهنة، وإطالة أمد وضع اللاحرب واللاسلم، وعدم الحسم في إطلاق عملية سياسية تصالحية وشاملة لإنهاء الحرب، لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أصبح أحد أخطر التحديات التي تهدد مصالح الوطن والشعب ومستقبل الأجيال القادمة. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت معاناة المواطنين، وتعمقت الانقسامات، وتوسعت شبكات الفساد ومراكز النفوذ والمصالح المرتبطة باستمرار الأزمة.

ولذلك، فإن التوصل إلى تسوية سياسية عادلة، قائمة على الحوار والتوافق والشراكة الوطنية، لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية ملحة تفرضها مصالح اليمن العليا، وتستدعي تغليب لغة العقل والحكمة على منطق القوة والصراع، بما يفتح الطريق أمام استعادة الدولة وبناء السلام وتحقيق التنمية والاستقرار، ويضع حداً لمعاناة اليمنيين التي طال أمدها.

إن مواجهة الفساد ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام والمثقفون والرأي العام، لأن بناء دولة عادلة ومستقرة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الفساد وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية.

ويظل السلام العادل والشامل، وإنهاء حالة الحرب والانقسام، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية وديمقراطية، وترسيخ قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون والشفافية والمساءلة، المدخل الحقيقي لمعالجة جذور الفساد وفتح آفاق جديدة أمام اليمنيين نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وتنمية.

إن اليمن يمتلك من الطاقات البشرية والإرث الحضاري والتجارب الوطنية ما يؤهله للنهوض من جديد، متى ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، وتم الاحتكام إلى الحوار والشراكة الوطنية، وتغليب مصالح الوطن والشعب على المصالح الضيقة، فالأوطان لا تبنى بالصراعات الدائمة، وإنما تبنى بالعدالة والتنمية والسلام.

اقرأ أيضًا

رئيس مجموعة أصدقاء اليمن في حزب العمال البريطاني يشيد باستقالة ستارمر: وضع مصلحة البلاد أولا

(لندن) - صحيفة الثوري: أشاد رئيس مجموعة أصدقاء اليمن في حزب العمال البريطاني وعضو البرلمان أليكس بالينجر بقيادة رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر، مؤكداً أنه...

في اليوم 110 للحرب….مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية لوقف الحرب… وطهران تتوعد إسرائيل بسبب لبنان

في اليوم العاشر بعد المئة (110) من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خطت واشنطن وطهران خطوة رئيسية نحو تهدئة الصراع؛ حيث فجّرت وكالة...

كهرباء عدن تُحمّل وزارة “المالية” مسؤولية تدهور الخدمة بسبب مستحقات قطاع العقلة

حمّل المتحدث باسم وزارة الكهرباء محمد المسبحي وزارة المالية المسؤولية المباشرة عن أي تدهور مرتقب في خدمة الكهرباء بالعاصمة المؤقتة عدن، مشيراً إلى أن...

مقتل 10 على الأقل في ضربات إسرائيلية على لبنان بعد إعلان وقف القتال

"صحيفة الثوري" – "رويترز": قتلت غارات إسرائيلية على لبنان 10 أشخاص على ‌الأقل اليوم السبت، بعد ساعات من دخول وقف إطلاق النار مع حزب الله...