“صحيفة الثوري” – (كتابات):
اللواء/ علي حسن زكي
إن إرادة شعب الجنوب، المفطور منذ الأزل على روح التضحية والاستشهاد، وعلى قيم الحرية والسيادة والاستقلال والعدالة والمساواة والمواطنة المتساوية وحق الحياة الحرة والعيش الكريم، قد صارت أكثر نضوجاً، وهو ما جسّدته مليونياته يوم أمس السبت التي شهدتها العاصمة عدن ومدينتا المكلا وسيئون، حيث جدّد شعب الجنوب إرادته وحقه في تقرير مصيره واستعادة دولته، وبالتالي فهي تنتظر من يلتقطها ويحوّلها إلى فعل سياسي ودبلوماسي للوصول بها إلى غاياتها المنشودة.
على مدى 17 عاماً، لم تنتج النخب اصطفافاً جنوبياً واسعاً ولا مشروع رؤية سياسية واقعية جامعة، فيما لم تنتج أيضاً جبهة وطنية جنوبية واسعة مستوعبة لتمثيل ديمغرافي عادل ومتوازن، ولكل ألوان الطيف دون استثناء أو إقصاء أو وصاية، مع تفعيل قيم وثقافة التصالح، ومغادرة من يغردون خارج السرب لعقلية احتكار الوطنية، ووضع الآخر في مربعات الخيانة والعمالة، ومن لم يكن معي فهو ضدي، فالجنوب لم يعد يحتمل المزيد.
ومن منطلق أن الجبهة تمثل رافعة لمشروع الرؤية السياسية حتى تحقيق كامل أهدافه المنشودة، فإنها – حتى الآن – لم تنتج خطاباً سياسياً ودبلوماسياً خارجياً ناضجاً وحصيفاً، مستوعباً للمتغيرات الإقليمية والدولية، لا مكان فيه للغة الاستعداء أو الميل، فالجنوب بحاجة إلى الجميع.
خطابٌ يوصل قضية شعب الجنوب بلغة المصالح، ويطمئن المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي على مصالحه، وعلى الأمن والاستقرار الدوليين، ومكافحة الإرهاب والتطرف والقرصنة البحرية في هذه البقعة الحساسة من العالم، وكذلك تأمين سلامة مرور حركة التجارة الدولية والطاقة والشحن البحري.
ناهيك عن خطاب يتحدث مع مراكز البحوث والدراسات وصناعة القرار العالمية باللغة التي تفهمها، لا بلغة الخطاب الإعلامي والتعبوي.
من هنا تأتي أهمية حضور العقل السياسي في المشهد.
لقد تداولت الأخبار العامة جزئية ذات ارتباط، أن القوى المتربصة بالجنوب تستثمر وجود النخب الحالية مترنحة، وخصوصاً تلك التي مارست الإدارة والسياسة، لافتراضها وجود شبهات مالية أو ممارسات تمس الحقوق والحريات، وقد ترى في ذلك تحقيق ما تروم إليه من تأخير للقضية الجنوبية وإعاقة مسار استعادة الدولة، وهو ديدنها وبيت القصيد، فيما تخشى قيادات جديدة من أن يسقط ذلك أحلامها.
وبصرف النظر عن مدى صحة ودقة ذلك من عدمه، فقد حان الوقت للعقل السياسي أن يتسيد المشهد.
إن الجنوب غني بهذا العقل، إذ إنه موجود في كل محافظات الجنوب، وفي العاصمة عدن على وجه الخصوص، بل وموجود وبقوة في الخارج. وقد حان الوقت لفتح جسور التواصل مع تلك القيادات لما تتمتع به من بعد سياسي رفيع، وتجارب وخبرات سياسية وحكومية قيادية من العيار الثقيل، وعلاقات دبلوماسية إقليمية ودولية، ناهيك عن خبرة تأسيس وبناء الدولة؛ مثل: الرئيس علي ناصر، والرئيس حيدر العطاس، ورئيس الوزراء الدكتور ياسين سعيد نعمان، وسالم صالح، والوزير صالح عبيد، ومحمد علي أحمد، وعبدالعزيز المفلحي، وعيدروس النقيب، أنموذجاً.
فالجنوب اليوم بأمسّ الحاجة إلى عقولهم وخبراتهم لمساعدته على إخراج قضيته من دائرة المراوحة، وتحقيق كامل تطلعاته، واستعادة دولته، وإخراجه من عنق المعاناة والضائقة المعيشية والخدمية، بعد أن بلغت حداً لا يُطاق.

