“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد علي قحطان
تُعتبر اليمن من الدول الغنية بثروة الغاز الطبيعي المسال إلى جانب النفط. وكانت تُصدر الغاز والنفط الخام قبل حرب 2015 عبر موانئ البحرين الأحمر والعربي، وتوقف التصدير بسبب الحرب. وأنشئت سلطتان؛ إحداهما تمركزت في صنعاء، والأخرى في الرياض بأدوات تنفيذية في عدن والمحافظات التي تحررت من قبضة الحوثيين المسيطرين على سلطة صنعاء. الأمر الذي أدى إلى انفلات شركتي النفط والغاز، وتخلت الدولة عن دورها في تمويل السوق اليمنية بالمشتقات النفطية لتجار الاستيراد الذين تخصصوا باستيراد المشتقات النفطية، وكذلك استيراد الغاز عبر سلطة صنعاء وتسويقه في الأسواق اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، بالإضافة إلى توزيع الغاز الطبيعي اليمني من مأرب وبأسعار مرتفعة جداً فاقت قدرات المواطنين اليمنيين على تلبية احتياجاتهم منه. ومع ذلك، فإن المواطنين يحاولون الاستمرار في حياتهم والتغلب على ما يتعرضون له من سوء أحوالهم المعيشية بوسائل خاصة مختلفة.
وبالعودة إلى الموضوع، فمن المعروف بأن حقول إنتاج مادة الغاز الطبيعي المسال وتسويقها تقع تحت سيطرة السلطة الشرعية التي مقرها الرئيسي المفترض في العاصمة المؤقتة عدن، لكنها عاجزة عن البقاء في العاصمة عدن وإدارة شؤون البلاد. إذ اتخذت من الرياض مقراً لإدارة شؤون الدولة من المهجر، الأمر الذي أدى إلى خروج أعداد كبيرة من قيادات مؤسسات الدولة، ومن رجال الأعمال والمواطنين إلى الخارج، وانتشارهم في دول عدة أبرزها: المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وتركيا. وكل ذلك قد أطال فترة الحرب وفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية بصورة حادة، وأدى إلى أن السكان يواجهون أزمات يومية متتابعة في مختلف نواحي الحياة، وسلطات الحكم، بحكم بعدها عن الواقع، لا تستطيع فهم ما يعيشه المواطنون من مآسٍ وأزمات. وبالتالي فقد أدمنت الاجتماعات والتوجيهات، وأحياناً إصدار القرارات، إلا أن جميع أنشطتها لم تؤدِّ إلى تحسن الأوضاع المعيشية للمواطنين، واستمرت الأزمات ومعاناة الناس. وبالتالي فإن القول: «نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً» هو ما بدأ يتعمق في الذاكرة الجمعية لسكان اليمن في تجمعاتهم الديموغرافية المختلفة.
وبالنسبة لمادة الغاز، فرغم اعتبارها إحدى نقاط القوة التي بيد السلطة الشرعية، ولو تم استغلالها للعبت دوراً مهماً للغاية في مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي وصلت إليه البلاد، إلا أنها عاجزة عن استغلالها، نظراً لوضعها الذي أشرنا إليه. وبدلاً من ذلك، فقد تحولت مادة الغاز المنزلي إلى وسيلة لمزيد من معاناة الناس، مقابل المزيد من ثراء تجار الحرب وهواميرها، الذين صار الشارع اليمني يشير إليهم بصورة واضحة، لكنهم غير مبالين بما يحصل. وأكثر ما تعمله السلطة المركزية والسلطات المحلية هو المزيد من النشاط غير الواقعي لمواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، من خلال الاجتماعات والتوجيهات والضجيج الإعلامي، ولم يحصل أن حققت نجاحاً واحداً في مواجهة أي أزمة يعيشها المواطنون اليمنيون.
وفي مجال أزمات الغاز المتكررة، تؤكد مصادر المعلومات الرسمية والمتداولة في وسائل الإعلام الكثير من معطيات الواقع بخصوصها، ومن أهمها:
أن احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في اليمن تُقدر بكميات تتراوح بين (16.9 – 18.2) تريليون قدم مكعب، وتشكل نسبة 0.24% من إجمالي احتياطيات الغاز في العالم، الأمر الذي يضعها في المرتبة 32 عالمياً، بما يشير إلى أن اليمن دولة ذات وزن نسبي يُعتد به في احتياطيات الغاز في العالم.
وتتمركز تلك الاحتياطيات في قطاعات إنتاج النفط والغاز المكتشفة والمنتشرة في حوض مأرب والجوف، وبعض قطاعات الإنتاج في شبوة.
وقد كانت مادة الغاز، قبل الحرب القائمة منذ العام 2015، تُصدر من اليمن عبر ميناء بلحاف في شبوة، إذ أُنشئ هذا الميناء عام 1993، وبدأ التصدير عبره في عام 2009، ثم توقفت عمليات التصدير في عام 2015 بسبب الحرب.
مع العلم بأن عائدات الغاز، حسب معطيات رسمية متداولة، كانت تغطي نسبة 80% من النفقات العامة للدولة، إذ كانت مبيعاته السنوية للخارج فقط تُقدر بكميات تتراوح بين (4 – 6) مليارات دولار أمريكي، بالإضافة إلى تغطية احتياجات المواطنين اليمنيين في جميع المحافظات وتحقيق عوائد مالية كبيرة بالعملة الوطنية لخزينة الدولة. وهناك معلومات متداولة بأن الحكومة الشرعية، منذ فترة، تحاول مع شركة توتال الفرنسية إعادة تصدير الغاز عبر ميناء بلحاف في شبوة، لكنها لم تحقق أي نجاح في هذا المجال.
وأحدث المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى معطيات مهمة للغاية، يمكن، إن صحت وعملت الحكومة على التحقق منها، أن تُخرجها من نفق أزماتها المالية، ويكون لذلك أثر كبير في مواجهة أزمات الغاز المنزلي المتكررة وأزمات أخرى عديدة. ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي:
إن الدخل اليومي من مادة الغاز يُقدر بنحو 577 مليون ريال يمني، بما يعني أن الدخل الشهري منه يُقدر بنحو 17 مليار ريال، ويصل الدخل السنوي من هذا المصدر فقط إلى نحو 204 مليارات ريال. إذ إن قاطرات الغاز الموزعة على مختلف المحافظات اليمنية تصل إلى نحو 165 قاطرة، حتى عام 2023، منها 90 قاطرة لمناطق سيطرة الشرعية، و75 قاطرة لمناطق سيطرة الحوثيين. وقد أوقف الحوثيون استقبال قاطرات الغاز من مأرب في عام 2023، وتم استبداله بالغاز الوارد عبر موانئ الحديدة من إيران. ومع أزمة الحرب الحالية في مضيق باب المندب، وما تعرضت له موانئ الحديدة من التدمير، فإن استيراد الغاز لمناطق سيطرة الحوثيين صار عملية صعبة، وبالتالي تصاعدت عمليات تهريب الغاز من مناطق سيطرة الشرعية إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
كما يتم تداول تقارير إعلامية عن نشاط جيوب لتهريب الغاز من اليمن إلى دول القرن الأفريقي، وبالتحديد إلى دولتي جيبوتي والصومال. وتُقدر عائدات تهريب الغاز إلى الخارج بنحو 370 ألف دولار يومياً. وبناءً على هذه التقديرات، يمكن القول إن عائدات تهريب الغاز إلى جيوب المهربين تبلغ أكثر من 11 مليون دولار أمريكي شهرياً، وتصل سنوياً إلى أكثر من 133 مليون دولار أمريكي.
هذه المعطيات تعطينا فكرة بأن عائدات الغاز السنوية الموزعة داخل البلاد، خارج النظام المالي للدولة، وللخارج بوسائل التهريب، تُقدر حالياً على النحو الآتي:
بالريال اليمني: 204 مليارات ريال يمني.
بالدولار الأمريكي: 133 مليون دولار أمريكي.
ومع كل ذلك، تؤكد تقارير رسمية وغير رسمية بأن البنك المركزي اليمني في عدن لا تصله أي مبالغ من عوائد الغاز الطبيعي.
كما نرى في الواقع المعاش اختناقات في توزيع الغاز وأزمات متكررة يعانيها سكان جميع المحافظات اليمنية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أسعار أسطوانات الغاز المنزلي، وإلى أن الكثير من أفران إنتاج الخبز بمختلف أشكاله، وكذلك الأسر في الأرياف والمدن، تعتمد على مادة الحطب، الأمر الذي يؤثر سلباً على الرقعة الخضراء والبيئة اليمنية.
وبناءً عليه، نعتقد بأن العمل على تنفيذ السياسات والإجراءات التي سوف ترد لاحقاً ضروري لمواجهة أزمات الغاز، وفي الوقت نفسه تحقيق عوائد كبيرة لخزينة الدولة التي تديرها السلطة الشرعية المعترف بها دولياً، وهي:
أولاً: إصلاح الاختلالات التي تواجه الشركة العامة للغاز وفروعها في المحافظات، من خلال تمكين الشركة من العودة للعمل بالسياسات والآليات التي كانت متبعة قبل الحرب. إذ كانت الشركة تقوم بالإشراف على إنتاج الغاز الطبيعي وتوزيعه بأسعار موحدة في جميع محافظات الجمهورية اليمنية، وبكفاءة وأسعار ميسرة، وتتمتع باستقلالية دون تدخل سياسي، وتتدفق عائدات الغاز إلى الخزينة العامة للدولة، بالرغم من وجود مظاهر فساد عالية. وتصل هذه العائدات إلى تغطية نسبة 80% من الإنفاق العام للدولة، كما أشرنا سابقاً.
ثانياً: مواجهة تهريب الغاز إلى مناطق سيطرة الحوثيين، من خلال التفاهم مع سلطة صنعاء للعودة إلى الآليات التي كان معمولاً بها سابقاً.
ثالثاً: مواجهة تهريب الغاز إلى الخارج، وتحديداً إلى دول القرن الأفريقي، من خلال عقد اتفاقيات مع تلك الدول تهدف إلى التعاون في تغطية احتياجاتها من مادة الغاز الطبيعي من اليمن بأي وسيلة ممكنة، الأمر الذي سيحد من التهريب ويؤمن تدفقات نقدية كبيرة بالعملات الأجنبية للبنك المركزي اليمني في عدن، ويحسن الميزان التجاري اليمني.
وفي حالة العمل بهذه السياسات، لا شك أنها سوف تؤدي إلى الإسهام في مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، ومواجهة أزمات السيولة النقدية لدى الحكومة وبنكها المركزي، وفي الوقت نفسه القضاء على أزمات الغاز المنزلي لدى المواطنين اليمنيين في جميع محافظات اليمن.

