آخر الأخبار

spot_img

محافظة تعز بين التقسيم والحصار والأزمات الإنسانية

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ محمد علي قحطان

نجدد تذكيرنا بأن محافظة تعز تعيش منذ العام الأول للحرب عام 2015 حالة حرب وحصار مستمر. إذ تم خلال سنوات الحرب تقسيمها إلى ثلاث مناطق عسكرية، كل منها يسيطر على جزء من ديموغرافيتها. إذ سيطرت الحركة الحوثية وأتباعها على عدد من المديريات، وفرضت طوقاً عسكرياً وأمنياً على هذه المديريات في مواجهة من يسيطر على القسمين الآخرين.

كما سيطرت المقاومة الشعبية، التي شكلت ألوية عسكرية عديدة وحُولت إلى محور تابع للجيش الوطني بمكوناته المتعددة، وفرضت هذه القوى طوقاً أمنياً وعسكرياً على عدد من مديريات المحافظة.

وفي الوقت نفسه تم تشكيل قوات عسكرية استوطنت في مديريات الشريط الساحلي للمحافظة، وفرضت طوقاً عسكرياً وأمنياً على تلك المديريات.

وبناءً على ذلك فقد برزت في المحافظة ثلاثة تقسيمات، كل منها بتشكيلات عسكرية وأمنية مختلفة تسيطر على جزء من المحافظة وتفرض طوقاً عسكرياً وأمنياً في إطار نفوذها، الأمر الذي أعاق حركة تنقلات المواطنين فيما بينهم، ومع من هم خارج المحافظة. كما أدى ذلك إلى إعاقة التبادل التجاري بين مديريات المحافظة مع بعضها البعض، ومع أسواق خارج المحافظة، الأمر الذي يمكن وصفه بحصار طويل من الداخل والخارج لم يسبق له مثيل.

إذ أدى هذا الوضع إلى استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني، وصعوبة إعادة الإعمار والتنمية، وبالتالي فإن سكان المحافظة بجميع أجزائها الثلاثة يعانون العديد من الأزمات، من أهمها:

أولاً: أزمات أمنية وعدم الاستقرار: تمثلت في المواجهات العسكرية المتجددة من وقت لآخر، حتى في أوقات الهدن غير المعلنة، بالإضافة إلى انفلات الوضع الأمني وما يتعرض له السكان من الاغتيالات والقتل والقنص والنزوح في مناطق المواجهات، الأمر الذي أعاق العديد من الأنشطة الاقتصادية، وبالأخص الأنشطة الزراعية والأنشطة المرتبطة بها كتربية الحيوانات والنحل، وكذا الأنشطة التجارية والصناعية والسياحية وغيرها في المحافظة. ويعتمد السكان كلياً على ما يصلهم من السلع الغذائية من المحافظات اليمنية الأخرى ومن الخارج، وبأسعار مرتفعة جداً تفوق مستويات أصحاب الدخول المحدودة كالموظفين وعمال الأجر اليومي.

ثانياً: أزمة الطاقة الكهربائية: لقد أكدنا مراراً في مقالات سابقة أنه منذ بداية الحرب دُمرت محطات توليد الكهرباء ولم يُعد إصلاحها، الأمر الذي أدى إلى اعتماد الناس على وسائل خاصة للإنارة وتشغيل محلات أعمالهم. ثم نشأت شركات خاصة لتوليد الطاقة الكهربائية وبيعها للمواطنين ومحلات العمل التي استطاعت إعادة نشاطها رغم استمرار الحرب والحصار المفروض على المحافظة، وتقييد حركة التجارة والأعمال الحرة وتنقلات الناس، وما يتعرض له قطاع الأعمال الخاصة من صعوبات نتيجة ما يُفرض من ضرائب ورسوم عشوائية وجبايات من كافة الأجهزة الحكومية المشرفة على الأنشطة التجارية والمهن الحرة والخدمات العامة.

وبالتالي فإن أزمة الكهرباء صارت إحدى الأزمات التي يعانيها المواطنون والأنشطة الاستثمارية الصامدة. والأكثر من ذلك فإن الطاقة الكهربائية التابعة لأشخاص والواصلة عبر الشبكة العامة من شركات توليد الطاقة الكهربائية تفرض رسوماً وأسعاراً عالية جداً، تحت مبرر ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والجبايات التي تدفعها هذه الشركات للجهات الحكومية المختصة بإدارة هذه الخدمة.

إذ يتحمل المستهلك قيمة عداد كهرباء جديد غير حكومي ورسوم شهرية بتسميات مختلفة، منها بدل فاقد ومنها اشتراك شهري، ويدفعها المستهلك سواء كان التيار الكهربائي يصل إليه أو متوقفاً لأي سبب كان. وبالإضافة لذلك قيمة الاستهلاك بواقع الكيلووات/ساعة تتراوح بين (320 ريالاً في منطقة ساحل المحافظة و1500 في مناطق أخرى تتبع للسلطة الشرعية، منها مدينة تعز عاصمة المحافظة).

كما أن مولدات الطاقة التابعة للشركات لا تخضع لأي رقابة حكومية، الأمر الذي يؤدي إلى الانطفاءات المتكررة وخلق الكثير من القلق والخوف وتعطيل الأعمال الحرة للمستهلكين، وخسائر لأصحاب محلات العمل التي تعتمد على هذه الشركات في توفير حاجتها من الطاقة الكهربائية. وقيادة السلطة المحلية تقف عاجزة عن مواجهة هذه الأزمة.

ثالثاً: أزمة المياه: تحدثنا كثيراً حول هذه الأزمة وكتبنا ونشرنا العديد من المقالات بهذا الشأن. إذ إن محافظة تعز تعاني من شح المياه منذ ما قبل الحرب، وخلال سنوات الحرب توقف إمداد المياه عبر الشبكة العامة بسبب أن آبار المياه التي كانت تضخ المياه منها عبر الشبكة العامة واقعة تحت سيطرة الحركة الحوثية.

ورغم العديد من المحاولات بتدخلات منظمات إنسانية دولية، لم تنجح هذه التدخلات في إعادة تدفق المياه كما كانت قبل الحرب، الأمر الذي أدى إلى أزمة مياه خانقة يعيشها سكان مدينة تعز منذ بداية سنوات الحرب، وتزداد حدتها مع مرور الوقت.

ويعاني سكان المدينة في البحث عن مصادر جلب المياه بطرق تقليدية بدائية، وعبر شراء صهاريج محمولة وبأسعار مرتفعة جداً قد تتجاوز أحياناً الدخل الشهري للموظف أو الشغيل. والأمر الأكثر من ذلك أن تجار الحرب ونافذي السلطة والجهات المختصة بإدارة مؤسسة المياه يستولون على الآبار الإسعافية التي توفرها بعض المنظمات الإنسانية، ويقومون بالمتاجرة بها، فيما تقف قيادة السلطة المحلية عاجزة عن مواجهة تلك الاختلالات.

كما أن شبكة تصريف المخلفات أصبحت وسيلة من وسائل ابتزاز المواطنين من قبل مؤسسة المياه ومكاتبها في المديريات، إذ تفرض رسوم عالية على محلات العمل وبيوت المواطنين دون أن تقدم أي شكل من أشكال الخدمات الخاصة بشبكة التصريف، فكل الأعمال والإصلاحات الخاصة بربط الشبكة وصيانتها يقوم بها المواطنون على نفقتهم الخاصة.

وهناك صور شتى لابتزاز الناس، من أبرزها إغلاق أنابيب التصريف الصحي لتتدفق في شوارع وأزقة المدينة، ولا تُفتح إلا بدفع رسوم يتم تحديدها بصورة عشوائية، إضافة إلى إتاوات تُفرض على المستفيدين من الخدمة، والذين لا يحصلون في المقابل إلا على خدمات شكلية تتمثل في إصدار الفواتير وإجبار الناس على دفع الجبايات.

رابعاً: أزمة الخدمات الصحية والتعليمية: بالرغم من تدفق المساعدات الإنسانية من دول المنطقة المجاورة ومن بعض المنظمات الإنسانية الدولية، إلا أن هذه الخدمات تزداد تدهوراً. إذ أصبحت منشآت الدولة العاملة في المجالين الصحي والتعليمي منشآت شبه خاصة لا تقدم خدماتها بالمجان كما كانت قبل الحرب، الأمر الذي رفع معاناة المواطنين.

ويتعرض الكثير من المرضى للموت لعدم قدرتهم على تكاليف الخدمات الطبية والأدوية، كما يلاحظ ارتفاع كبير في نسبة التسرب من التعليم في جميع المراحل، مع انهيار في العملية التعليمية والتربوية لا يتم مواجهته. ويحدث كل ذلك أمام قيادة السلطة المحلية، دون أن تبدو قادرة على التحرك، في ظل غياب المساءلة وانهيار مؤسسات الدولة منذ بداية الحرب.

خامساً: أزمة الخدمات العامة الحكومية: يمكن القول باختصار إن مؤسسات الدولة في المحافظة تحولت إلى ما يشبه محلات جباية للأموال بصور مختلفة وغير مشروعة، فلا يستطيع أي مواطن الحصول على أي خدمة بسيطة إلا بدفع مبالغ تفوق قدرة الكثيرين. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في مكاتب الأحوال المدنية والجوازات والمحاكم والمنشآت الصحية ومؤسسات التعليم وغيرها من المرافق. وقيادة السلطة المحلية بالمحافظة تعلم ذلك ولا تحرك ساكناً.

إن هذه الأزمات وغيرها، ومظاهر الفساد التي تنتشر وتتجذر في مؤسسات الدولة بالمحافظة، تصل إلى السلطات العليا في الدولة، لكنها تصم آذانها غير مبالية بما يحدث، الأمر الذي يفقد المواطنين أي أمل للتغيير.

ويتعاظم الأمل بأن تقوم السعودية، بحكم نفوذها على السلطة الشرعية المعترف بها دولياً، بإحداث تغيير يخفف من معاناة الناس، كما يتعاظم الأمل بوضع نهاية للحرب وتحقيق السلام واستعادة الدولة ومؤسساتها، فذلك هو الحل الجذري لإنهاء معاناة المواطنين اليمنيين ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.

وبناءً على ما سبق، ننصح السلطة الشرعية المعترف بها دولياً بإعطاء قدر من الاهتمام لهذه المحافظة المنكوبة بالحرب والحصار والأزمات المتعددة، من خلال التسريع بدمج المكونات العسكرية والأمنية المستظلة بالشرعية في إطار هرم الدولة (وزارة الدفاع ووزارة الداخلية)، وعدم السماح لأي مكون يحمل السلاح أن يبقى خارج إطار الدولة وسلطتها المركزية.

كما ينبغي توحيد عمل مكونات الشرعية (المخا والمدينة) عسكرياً وأمنياً تحت سلطة واحدة بنسق واحد ومتكامل من الناحية العملية، مع أهمية العمل على استقلالية الوحدات الإدارية والاقتصادية التابعة للدولة عن التدخلات السياسية والعسكرية والأمنية المعيقة لتقديم خدماتها العامة لجميع سكان المحافظة، مثل مؤسسة المياه ومؤسسة الكهرباء والأحوال المدنية والجوازات والمؤسسات الصحية والتعليمية وغيرها، وإزالة كافة العوائق المفروضة من قبل أي طرف على حرية تنقل الأفراد والسلع من كافة مداخل المدن والطرق الرسمية.