ملخص
كانت العلاقات الروسية – الإسرائيلية ولا تزال تتصف بتوازن معقد بين هجرة اليهود الروس إلى الكيان العبري وما يستلزم ذلك من تعاون اقتصادي وثقافي، والاختلافات الجيوسياسية الجوهرية. لكن هذه العلاقات تزداد تعقيداً في المرحلة الراهنة بفعل عدد من العوامل.
تتسم العلاقات بين روسيا وإسرائيل بتاريخ معقد، يتجاوز البعد السياسي ليشمل السياقات الاجتماعية والديموغرافية. ففي القرن الـ19، كانت روسيا القيصرية أكبر مركز للجاليات اليهودية في أوروبا كلها، ومنها انطلق معظم المهاجرين الذين أسسوا الحركة الصهيونية في فلسطين.
وخلال تحول روسيا من إمبراطورية إلى الاتحاد السوفياتي، ثم إلى دولة اتحادية حديثة، تذبذب موقفها تجاه إسرائيل مراراً وتكراراً. ففي البداية كان دعماً حذراً، ثم عداءً أيديولوجياً، والآن هو موقف براغماتي يراعي المصالح المتعارضة في غالب الأحيان.
كانت العلاقات الروسية – الإسرائيلية ولا تزال تتصف بتوازن معقد بين هجرة اليهود الروس إلى الكيان العبري وما يستلزم ذلك من تعاون اقتصادي وثقافي، والاختلافات الجيوسياسية الجوهرية. لكن هذه العلاقات تزداد تعقيداً خلال المرحلة الراهنة بفعل عدد من العوامل.
علاقات مد وجزر
منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإسرائيل عام 1991 اتسمت العلاقات بين موسكو وتل آبيب بحال من المد والجزر والتقارب والتباعد، لأسباب عديدة منها:
تقارب روسيا مع إيران، ويعد هذا عاملاً رئيساً في التوترات، إذ تنظر تل أبيب إلى طهران على أنها تهديد وجودي، ويؤدي تعزيز التحالف العسكري والاستراتيجي بين بين العاصمتين (وبخاصة في سياق الصراع في أوكرانيا والحرب المفتوحة في الشرق الأوسط) إلى رد فعل سلبي للغاية من جانب إسرائيل.
الخلافات حول حل الصراع العربي – الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية، فروسيا حليف رئيس للسلطة الفلسطينية ومن أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، لكن إسرائيل ترفض قيام دولة فلسطينية إلى جانبها، وتشن بانتظام هجمات على أهداف فلسطينية في غزة والضفة الغربية بحجة وجود جماعات موالية لإيران، سعياً منها لتصفية القضية الفلسطينية وتحويل حقوق الفلسطينيين المشردين والمقيمين إلى مجرد موضوع لاجئين.
الموقف من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي و”حماس”، إذ تدعم روسيا رسمياً حل الدولتين، لكنها تغضب إسرائيل لعدم تصنيفها “حماس” منظمة إرهابية واستمرارها في الاتصالات الدبلوماسية معها. وبعد هجوم “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ازداد تباين مواقف الجانبين.
الصراع في أوكرانيا، إذ تجد إسرائيل نفسها في موقف صعب، فهي تدعم أوكرانيا على خطى الدول الغربية وعلى أساس انتماء رئيسها فلاديمير زيلينسكي للديانة اليهودية، لكنها تحاول عدم إفساد العلاقات مع روسيا، نظراً إلى نفوذها في الشرق الأوسط ووجود جالية كبيرة ناطقة بالروسية.
القضايا المتعلقة بالوكالة اليهودية لإسرائيل والشتات، إذ إن محاولات السلطات الروسية إخضاع أنشطة الوكالة اليهودية في روسيا للقوانين الفيدرالية المحلية والقضايا المتعلقة بالهجرة والتجنيس تخلق توترات دبلوماسية بصورة دورية.
التوجه الجيوسياسي، فإسرائيل لا تزال حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، مما يضعها حتماً في مواجهة روسيا في عدد من القضايا الدولية.
لكن وعلى رغم هذه العوامل، يحاول كلا الجانبين الحفاظ على الحوار، نظراً إلى وجود عدد كبير من مواطني الاتحاد السوفياتي السابق في إسرائيل، وسعي روسيا للحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط.
عقدة إيران
وضعت الحرب بين إسرائيل وإيران، التي انجرت إدارة ترمب إليها، فلاديمير بوتين في موقف حرج. فالنظام الذي يتعرض للهجوم هو نظام أصبح، بعد بدء حرب أوكرانيا عام 2022، حليفاً وثيقاً لروسيا. وقد رُسخ هذا الوضع الجديد في اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموقع خلال يناير (كانون الثاني) 2025.
لكن الآن وقد تورطت روسيا في أوكرانيا، لا يمكنها تحمل مثل هذا التدخل اللفظي الذي يشبه الإنذار النهائي. علاوة على ذلك، تجد روسيا نفسها، في موقف حرج تجاه العدوان الإسرائيلي على إيران، إذ تعد تل أبيب خصماً لها في الصراع على أوكرانيا.
كثيراً ما أكد بوتين أن روسيا في حاجة إلى أوكرانيا أكثر من الغرب، بالتالي فإن الروس مستعدون للتضحية أكثر من أجل أوكرانيا، مما يعني أنهم سيحققون هدفهم. الآن، يدرك الكرملين أن إسرائيل والولايات المتحدة مستعدتان لبذل مزيد من الجهد لتدمير النظام الإيراني أكثر مما هو مستعد للسعي من أجل إنقاذه.
يزداد خيار التحرك تعقيداً بالنسبة إلى موسكو نظراً إلى أن خصوم إيران ليسوا حالياً ألد أعداء روسيا. وينطبق هذا على إسرائيل أولاً، وإدارة ترمب التي لا يزال بوتين يأمل في التوصل معها إلى “صفقة شاملة” في أوكرانيا.
في الوقت نفسه، يعد النظام الإيراني بالغ الأهمية بالنسبة إلى روسيا بحيث لا يمكنها السماح بفشله. فكما لا تستطيع الصين السماح لروسيا بالهزيمة في أوكرانيا، على رغم قدرتها على تجاوز الأزمة بسهولة دون انتصار روسي، كذلك، من وجهة نظر النظام الروسي يجب ألا تخسر إيران هذه الحرب.
روسيا عاجزة عن تقديم أي مساعدة عسكرية لإيران، ولا تنوي ذلك، لكنها تبذل قصارى جهدها لتسويق خدماتها كوسيط.
بعدما بدأت إسرائيل شن غارات جوية على أهداف إيرانية، سعى بوتين إلى تعزيز دوره كوسيط، الذي كان قد حشده للمفاوضات في شأن اتفاق نووي معدل، في ظل الظروف الجديدة. اتصل برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ورئيس إيران مسعود بزشكيان، ثم اتصل بترمب عارضاً خدماته كوسيط.
منذ البداية، أعرض ترمب عن انفتاحه على الاقتراح الروسي. لكن تصريحه بدا ساخراً “قلت له ’أسد لي معروفاً – كن وسيطك. دعنا نتعامل مع روسيا أولاً، حسناً؟‘”
عقبة “حماس”
لم تتدهور العلاقة الشخصية بين بوتين ونتنياهو، لكن الرأي العام الإسرائيلي تدهور تجاه روسيا منذ السابع من أكتوبر بسبب علاقات موسكو الودية المعلنة مع “حماس”. وقد تفاقم هذا الوضع بسبب إشاعات جديدة غامضة تفيد بأن بعض الصواريخ الإيرانية تخترق الدفاعات الجوية الإسرائيلية بفضل تحديثات روسية.
وشبه بوتين قطاع غزة بمدينة لينينغراد المحاصرة خلال الحرب العالمية الثانية، وأعلن ضرورة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. وعزا تصاعد الصراع إلى فشل السياسة الخارجية الأميركية. ومع ذلك أكد أن لإسرائيل “حقاً في ضمان أمنها”، لكن يمكن إيجاد مخرج من هذا الوضع عبر “جهود الوساطة”.
وهكذا اقترح بوتين علناً أن تكون روسيا وسيطاً “لقد كانت لدينا علاقات جيدة جداً مع إسرائيل على مدى السنوات الـ15 الماضية، ولدينا أيضاً علاقات تقليدية مع فلسطين. لذلك، لن يشك أحد في أننا نتواطأ”.
تشكك الطبقة السياسية الإسرائيلية في حيادية أي وساطة روسية محتملة. رسمياً، لا تبدي تل أبيب امتعاضها من دور موسكو، إلا أنها لا تخصص لروسيا أي دور في حل أزمة الصراع العربي – الإسرائيلي، بل تضعها ضمن الدول الأخرى التي دعمت الفلسطينيين واستقبلت وفوداً من “حماس” بعد هجمات أكتوبر 2023.
يحدث كل هذا في ظل حال انعدام الثقة التي سادت في إسرائيل قبل الحرب ضد إيران في شأن التقارب بين بوتين وترمب، والمخاوف التقليدية من أن القوى الكبرى قادرة دائماً على التواطؤ على حساب الدول الأصغر.
امتلكت روسيا المعاصرة ميزتين رئيستين للوساطة المحتملة، ورثتهما من حقبة البيريسترويكا وتسعينيات القرن الماضي، لا من حقبة ثنائية القطبية التي اتسمت بقوة السياسة الخارجية السوفياتية.
تمثلت هاتان الميزتان في الحياد النسبي داخل الشرق الأوسط، والذي تحقق بالتخلي عن الممارسة السوفياتية المتمثلة في دعم العرب على حساب إسرائيل، ودورها كوسيط أكثر من دورها كقوة عظمى فاعلة في الأحداث.
ومنذ سنواته الأولى في السلطة، سعى بوتين إلى تهدئة العلاقات بين إسرائيل وجيرانها العرب وعلى رأسهم سوريا، وبين الغرب وكوريا الشمالية وسوريا، بل وإيران أيضاً.
قد يعيد نجاح عمليات حفظ السلام لروسيا مكانتها بين القوى العالمية المؤثرة، على رغم حربها في أوكرانيا. لكن لا يوجد طلب واضح على مقترح الوساطة الروسي.
فقد انتهت محاولات الوساطة السابقة بين العرب وإسرائيل وبين الغرب وخصومه دون نتائج تذكر. ومن هذا المنطلق، تصبح الوساطة صعبة. كما أن حربها تفقد روسيا ما تبقى لها من سمعة كصانعة سلام. وهذا تحديداً ما لمح إليه ترمب في اقتراحه اللاذع “بالتوسط داخلياً أولاً”، نظراً إلى علاقاته مع بوتين.
لا يملك فلاديمير بوتين إلا أن يتحسر على تدمير أميركا وإسرائيل لقوى وجماعات تملك علاقات ودية مع موسكو، ودولة صديقة يعدها ذات سيادة كاملة، مستشهداً بأن معاهدات روسيا مع إيران لا تتضمن أي التزامات عسكرية، وأنه لم يُطلب منه التدخل.
لكن لو طلب منه ذلك فجأة، فلن يكون بوسعه فعل أي شيء للمساعدة. لا يستطيع بوتين تحمل تبعات الخلاف مع إسرائيل أو ترمب. لم تترك له الحرب ضد أوكرانيا سوى عرض وساطة غير مقنع، لكن الزعيم الروسي يحتاج إلى ذلك بالدرجة الأولى ليبدل حرباً هو طرف فيها بحرب أخرى يخوضها الوسيط الأميركي وشريكه الإسرائيلي.
علاقات محايدة
يفسر عالم السياسة الروسي إيفان بريوبراجينسكي سبب احتفاظ إسرائيل بعلاقات محايدة مع روسيا وعدم تقديمها دعماً عسكرياً لأوكرانيا على رغم العقد الكثيرة التي تعتري العلاقات بينهما، قائلاً “روسيا ليس لها أي تأثير فعلي على إسرائيل. لقد تضررت العلاقات مع إسرائيل بالفعل خلال حروب إسرائيل مع ’حماس‘ و’حزب الله‘، عندما كان من الواضح أن الأسلحة الروسية كانت تقع في أيدي ’حماس‘، ولم تعترض روسيا على ذلك”.
ويوضح أنه على رغم هذا فإن سياسات إسرائيل “ليست موجهة بصورة كبيرة ضد روسيا”، لكن من المهم بالنسبة إلى تل أبيب ألا تدعم روسيا إيران في الأقل. وعليه، فإن إسرائيل ليست منحازة بشدة لروسيا ولا ضدها، لكن من المهم بالنسبة إليها ألا تدعم روسيا خصومها، في الأقل في حالة إيران. لذلك، تحافظ إسرائيل على علاقات مع روسيا، لكنها علاقات محايدة تدفع إسرائيل ثمنها بعدم تقديم الدعم الذي تستطيع تقديمه لأوكرانيا”.
ويقول المتخصص أندريه زيغلين إن مواطني الاتحاد السوفياتي وروسيا من بعده ينظران إلى إسرائيل نظرة سلبية، باعتبارها دولة ذات رؤية سياسية فريدة. تاريخ إسرائيل الحديث هو تاريخ إبادة جماعية لا تنتهي ضد الفلسطينيين وجيرانها الآخرين.
لا يروق للإسرائيليين اهتمام قيادة الاتحاد السوفياتي وروسيا بهذا الوضع. وهذا ليس صراعاً دولياً، بل تقييم سياسي دقيق وموضوعي لإسرائيل كدولة، مما يثير غضب إسرائيل أكثر.
اليهود الروس
قدم اليهود الروس إسهاماً كبيراً في تطور الحركة الصهيونية. فبين عامي 1882 و1914، وصلت الموجات الأولى من المهاجرين من الإمبراطورية الروسية إلى فلسطين، في ما عرف بـ”العليا الأولى والثانية”.
وساعد هؤلاء المهاجرون في إنشاء مستوطنات زراعية مثل ريشون لتسيون ودغانيا. وجلبوا معهم أفكاراً اشتراكية، شكلت في ما بعد أساساً لإنشاء الكيبوتسات والهستدروت (أي نقابات العمال في إسرائيل)، وهما ركنان أساسيان من أركان الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين.
أسهم مفكرون روس مثل ليف بينسكر وفلاديمير جابوتنسكي في وضع الأسس الفكرية للحركة الصهيونية الحديثة. وبحلول وقت تأسيس إسرائيل عام 1948، كان ما يقارب نصف سكانها من أصول روسية أو من أوروبا الشرقية.
لاحقاً، ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وصلت موجة جديدة من المهاجرين الناطقين بالروسية، بلغ عددهم أكثر من مليون إلى الدولة العبرية. ونتيجة لذلك، أصبحت اللغة الروسية ثالث أكثر اللغات انتشاراً في إسرائيل، واكتسبت نفوذاً كبيراً في المجالات الاجتماعية والاقتصادية.
روسيا الاتحادية وإسرائيل
مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، انتهى عهد الحرب الباردة وانضمت روسيا الاتحادية إلى نظام عالمي جديد قائم على توازن المصالح. وخلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، استأنفت موسكو وتل أبيب العلاقات الدبلوماسية الكاملة، مما أعطى دفعة جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين.
أصبحت الهجرة الجماعية لليهود من الاتحاد السوفياتي السابق عاملاً رئيساً في هذه العملية، إذ شكل “اليهود الروس” جسراً يربط بين البلدين. وفي إسرائيل، أنشأوا مجتمعاً متماسكاً حافظ على لغتهم وثقافتهم، وشكلوا كتلة انتخابية مؤثرة في السياسة الإسرائيلية.
رأت روسيا في هذه العلاقات فرصة لتعزيز نفوذها الثقافي والاقتصادي في المنطقة. في المقابل، استفادت إسرائيل من الخبرات العلمية والعسكرية للمهاجرين الجدد الذين كانوا بغالبيتهم من حملة الشهادات العليا في مختلف التخصصات.
لم تتخل موسكو عن علاقاتها التاريخية مع الدول العربية، ساعية إلى الحفاظ على توازن دقيق بين التعاون مع إسرائيل والتنسيق مع خصومها الإقليميين. ومنذ وصول الوحدات القتالية الروسية إلى سوريا عام 2015، بات واضحاً أن التنسيق الأمني بين القوات المسلحة الروسية والإسرائيلية أمر حيوي لمنع نشوب الصراع.
الاتحاد الروسي والقضية الفلسطينية
تحافظ روسيا اليوم على موقف متوازن تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ففي بياناتها الرسمية، تؤكد دعمها لإقامة دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وفي الوقت نفسه، تحافظ روسيا على قنوات اتصال مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية.
وشاركت موسكو بنشاط في أعمال اللجنة الرباعية المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط. وكجزء من هذه العملية، استضافت وفوداً من حركتي “فتح” و”حماس”، وهي تحاول أن تضطلع بدور الوسيط. ويتيح لها هذا الموقف الحفاظ على نفوذها السياسي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع تل أبيب أو واشنطن.
يظهر هذا الموقف كيف ينظر الكرملين إلى ميزان القوى العالمي المتغير. وتسعى روسيا إلى أن تصبح وسيطاً بين الشرق والغرب لا خصماً أيديولوجياً، كما كانت عليها الحال خلال الحرب الباردة.
تعقيدات اليوم واستمرارية التاريخ
تمر العلاقات الروسية – الإسرائيلية اليوم بتوازن دقيق بين التفاهم المتبادل والتنافس. تنظر روسيا إلى إسرائيل كبوابة إلى الغرب، بينما تدرك إسرائيل بدورها أن موسكو قوة لا يمكن تجاهلها في القضايا المتعلقة بسوريا وإيران وأوكرانيا.
على رغم عدم وجود تعاون عسكري رسمي، فإن التعاون الأمني والاتصالات السياسية بين البلدين تظهر فهمهما العملي.
كثيراً ما اتسمت هذه العلاقات بالتعقيد تاريخياً. فروسيا، التي أصبحت “مهد الصهيونية الحديثة” والتي هاجر منها عدد من اليهود لتأسيس إسرائيل، هي نفسها الدولة التي حاربت “الدولة الصهيونية” لنصف قرن إبان العهد السوفياتي. ومع ذلك، فهي اليوم مستعدة مجدداً للتعاون معها استناداً إلى مبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة. قد تتغير أدوات هذه العلاقة، لكن أساسها يبقى ثابتاً “صراع على النفوذ والموقع والتاريخ المشترك”.
تحول العلاقات الروسية – الإسرائيلية
على رغم أن اهتمامات السياسة الخارجية الروسية تنصب حالياً على حربها مع أوكرانيا، فإنها لم تتخل عن طموحاتها الجيوسياسية داخل مناطق أخرى، بما فيها الشرق الأوسط.
فقد سعت روسيا سابقاً إلى ترسيخ مكانتها كطرف قادر على التعاون مع جميع أطراف الصراع في الشرق الأوسط تقريباً والتوسط في ما بينها، لكن بعد السابع من أكتوبر 2023، أعلنت موسكو دعمها الصريح للفلسطينيين. ونتيجة لذلك، يواجه ميزان المصالح بين روسيا وإسرائيل الذي بني على مدى العقود الثلاثة الماضية، تحدياً بالغ الصعوبة.
تطور العلاقات
تحتل روسيا، كظاهرة ورمز، مكانة محورية في الوعي الجمعي للإسرائيليين. تاريخياً، يتحدر الجيل المؤسس لدولة إسرائيل من منطقة الاستيطان اليهودي في الإمبراطورية الروسية، ولذا أصبحت عناصر من الثقافة الروسية، ونظرتها للعالم، وأسلوب حياتها جزءاً لا يتجزأ مما يعرف عادة بالروح الصهيونية اليهودية الإسرائيلية.
من جهة أخرى، كثيراً ما نظر إلى روسيا، بصفتها وريثة الاتحاد السوفياتي الذي قاد المعسكر المناهض للغرب خلال الحرب الباردة، من قبل المجتمع الإسرائيلي كقوة تتعارض مصالحها الأساس مع مصالح إسرائيل.
مع ذلك، يرى رأي آخر أن العلاقات الروسية – الإسرائيلية لم ترتق إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ليس بسبب “تناقضات حضارية وسياسية” عصية على الحل (كما هي الحال مع العالم العربي)، بل ببساطة لأن المصالح الإسرائيلية والروسية في المنطقة لا تتوافق دائماً.
وخلال العقود الأخيرة منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1991، ظل هذا المأزق نظرياً إلى حد كبير. طوال هذه الفترة، استمر الحوار السياسي على أعلى المستويات، بينما لم يتجاوز نهج المؤسسة السياسية الإسرائيلية تعزيز العلاقات مع اليهود الروس، وتشجيع هجرتهم إلى إسرائيل، واستيراد الطاقة، واتخاذ خطوات (مترددة إلى حد ما) لتقديم الدعم الدبلوماسي والقانوني لأنشطة رجال الأعمال الإسرائيليين في السوق الروسية.
كانت زيارات كبار المسؤولين الإسرائيليين إلى روسيا آنذاك متقطعة وغير منتظمة. وكانت تهدف إما إلى نزع فتيل أزمة مفاجئة في العلاقات بصورة عاجلة، مثل زيارات نتنياهو المتكررة التي سعت إلى “التعجيل” بتعطيل الاتفاق النووي الروسي الإيراني، أو إلى عرض أحدث مبادرة إقليمية على الكرملين، والتي سبق الاتفاق عليها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية.
في سياق مصالح روسيا في الشرق الأوسط، ظل المسار الإسرائيلي هامشياً نسبياً لفترة طويلة، على رغم النمو التدريجي للتجارة والسياحة بين البلدين، ووجود مشاريع صناعية وتجارية مشتركة، وإشارة بوتين مراراً وتكراراً إلى “مليون مواطن روسي يعيشون في إسرائيل” بصورة شبه روتينية.
ولعب إدراك الكرملين أن روسيا، على عكس الاتحاد السوفياتي، لا يمكنها الاعتماد على “ساق عربية واحدة” في المنطقة دوراً في ذلك. لذا، سعى الكرملين إلى الحفاظ -ظاهرياً في الأقل- على مبدأ “توازن المصالح”.
بدأ صعود العلاقات الروسية – الإسرائيلية خلال النصف الثاني من العقد الأول من الألفية الثانية، مع “عودة” روسيا كلاعب رئيس في الشرق الأوسط. وحدد الانتقال إلى شراكة وثيقة في العلاقات الإسرائيلية – الروسية كإحدى أولويات السياسة الخارجية لحكومة بنيامين نتنياهو الثانية (2009-2013).
واتسمت الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، إضافة إلى الاتصالات الحكومية والبرلمانية خلال تلك الفترة، بـ”طابع رمزي أكثر منه عملياً”. لكن هذا الطابع الرمزي، بحسب عالم السياسة الروسي فيودور لوكيانوف، يعكس وضعاً بالغ الأهمية، إذ “تتمتع روسيا بعلاقات أفضل مع إسرائيل مقارنة بعلاقاتها مع معظم دول العالم العربي. وباستثناء القضية الإيرانية، لا توجد لدينا خلافات جوهرية مع تل أبيب”.
اضطرت إسرائيل إلى التكيف مع تفسير جديد للمصالح الإقليمية الروسية، والذي مثل رفضاً لمبدأ “التوازن” في السياسة الخارجية الذي انتهجه رئيس روسيا الأول بوريس يلتسين في ولايته الثانية وبوتين في ولايته الأولى.
وبدلاً من ذلك، طرح مطلب استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى، وإن كان ذلك مبدئياً على مستوى التصريحات. ومن بين أمور أخرى، كان هذا يعني أن موسكو لم تعد مستعدة للاكتفاء بوجود رمزي في الشرق الأوسط، بما في ذلك في مجال المصالح الإسرائيلية المباشرة، إذ اقتصر دورها لما يقارب عقداً من الزمان على “المشاركة في رعاية عملية السلام في الشرق الأوسط” (مع أن بعضاً اعتبر هذا الوضع وهمياً كعملية السلام نفسها).
منذ ولاية بوتين الثانية، ركزت الدبلوماسية الروسية على الحفاظ على علاقات روسيا مع العالم العربي، تزامناً مع إشراك الحكومات في إنشاء تحالف روسي – عربي.
عملياً، كان الهدف هو تسهيل تدخل الشركات الروسية على نطاق واسع في استخراج ومعالجة ونقل المواد الهيدروكربونية في الدول العربية والإسلامية، وتوسيع عقود توريد الأسلحة الروسية للأنظمة المحلية وتنويعها، ونزع الشرعية عن الانفصاليين الشيشان والداغستانيين في نظر العالم الإسلامي “المعتدل”. وأسهمت سياسة الكرملين في الشرق الأوسط، إلى حد ما، في تعزيز المشاعر المعادية للولايات المتحدة داخل المجتمع الروسي.
نهاية شهر العسل
لا يشبه الوضع الراهن كثيراً “العلاقة الخاصة” السابقة بين إسرائيل وروسيا، لكن المواجهة المباشرة مستبعدة أيضاً، فكلتا العاصمتين لا ترغب بوضوح في فتح جبهة أخرى. ويعتمد مسار هذه العمليات إلى حد كبير ليس على العلاقات الثنائية بقدر ما يعتمد على مدة الحرب في أوكرانيا وغزة (والشرق الأوسط ككل) ونتائجها.
تقول الخبيرة إميلي فيريس “رسمياً، أعتقد أن موقف الكرملين يبدو أنه الحياد، لكنني أعتقد أن الحياد في إسرائيل يفسر على أنه دعم للفلسطينيين، لأنني أعتقد أن هذه أوقات عصيبة للغاية لإسرائيل”.
يوافق عالم السياسة نيكولاي كوزانوف على أنه من غير المربح حالياً لروسيا أن تنحاز إلى أي طرف، فاستراتيجية روسيا هي المناورة. ويقول “في الوضع الراهن، إن مجرد الانحياز إلى طرف آخر يضعف موقفنا. ونظراً إلى موقف إسرائيل من أوكرانيا، فإن النأي بأنفسنا عنها غير مجدٍ. كما أن النأي بأنفسنا عن الشارع العربي غير مجد أيضاً. لذلك، فإن الخيار الوحيد المتاح هو المناورة ومحاولة إظهار أننا مع السلام وكل ما هو خير”.
علاوة على ذلك، يرى كوزانوف أن الصراع المطول في الشرق الأوسط ليس في مصلحة روسيا. فهي تستفيد من حال عدم الاستقرار المحدود، إذ يمكنها أن تقدم الوساطة أو المساعدة. لكن روسيا لا تحتاج إلى حرب كبرى قد تغير موازين القوى جذرياً في الشرق الأوسط.

