“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أحمد حرمل
منذ اللحظات الأولى لانطلاق الحراك السلمي الجنوبي في السابع من يوليو عام 2007، وقضية شعب الجنوب تواجه تحدياً لا يقل خطورة عن الاحتلال نفسه، وهو تحدّي احتكار التمثيل.
فبينما كان الشعب ينزف في الميادين، كان البعض يسارع إلى “تفصيل القضية بمقاس جماعة أو شخص”، أو يختزلها في مكون بعينه، متناسياً أن قضية بهذا الثقل لا يمكن أن تكون وصية لتركة واجبة التنفيذ، أو حكراً على فصيل.
وقد حذرنا باستمرار، ومنذ وقت مبكر، من هذا الخطر، متحدثين عن علاقة “الحامل بالمحمول”، وأن القضية الجنوبية، بكل ما تحمله من تاريخ وحقوق وآلام وآمال، أكبر من أي طرف يرفعها منفرداً.
وكتبنا مراراً أن من يصر على حمل الجبل بكتف واحدة، فمصيره إما الانكسار، أو أن يرى القضية تراوح في مكانها، منتظرة جيلاً جديداً خالياً من العقد والثارات السياسية.
وها نحن اليوم، إذ نرى المشهد الجنوبي قد عاد إلى المربع ذاته الذي كان عليه قبل عام 2015، ولا يزال يعاني من الانقسامات نفسها وتشتت الجهود، نجدد الحديث في الاتجاه نفسه.
ليس يأساً، بل لعل دعواتنا المتكررة لتوحيد القوى الجنوبية تجد آذاناً صاغية، وتشق فكرة المشروع الوطني الجامع طريقها إلى التطبيق. فبدون هذا التوحيد، لن نستطيع السير بالقضية بثبات حتى تصل إلى بر الأمان.
أما آن لنا، كجنوبيين، أن نتوحد؟
ألم يحن الوقت لنخرج من عنق الزجاجة؟ وكم سنبقى أسرى المقاسات الضيقة والتصورات الأحادية؟
العدو لا يتفرق، فلماذا نتفرق نحن؟
إن الطريق إلى الحرية لا يُصنع بأصوات متناحرة، بل بقلوب متحدة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أنه لا انتصار دون وحدة، ولا قضية يمكن أن تنجح في مناخات مشحونة بالخلافات الشخصية والفئوية.
لذلك، يجب علينا أن نقرأ اللحظة بجرأة، وأن نرفع صوت العقل والحكمة فوق الضجيج الذي يفرق الشمل ويضيع الحق.
وإليكم خلاصة ما سبق أن قلناه، وما نكرره اليوم:
ما من حامل سياسي لقضية ما، إلا وكانت علاقته بها أشبه بعلاقة الحامل بالمحمول.
فإذا كان المحمول أكبر من الحامل، فإن النتيجة الحتمية إما أن ينكسر الحامل، أو أن يُفتت المحمول ويُرفع قطعة قطعة. وهذا، باختصار، هو ما حدث في القضية الجنوبية.
فمنذ انطلاق الحراك السلمي الجنوبي في 7 يوليو 2007، وعلى مدى السنوات الماضية، برزت كيانات سياسية ادعت، –أو لا تزال تدعي– أنها الحامل الوحيد للقضية الجنوبية.
لكن التجربة أثبتت أن القضية كانت أكبر من جميع هؤلاء الحاملين، وأن المحمول كان أثقل من طاقة أي حامل منفرد.
وهكذا وجدنا الحاملين ينكسرون تباعاً تحت وطأة إصرارهم على رفع ما لا يقدرون على حمله وحدهم.
وكانت النتيجة انقسام المكونات، وتشتت الجهود، وبروز التناقضات الداخلية، ليس بسبب ضعف القضية، بل لأن كل طرف أراد أن يرفعها على كتفه وحده، مدعياً أنه الأكثر شعبية، والأقوى، والأقدر على حملها من الآخرين، متناسياً أن الجبل لا يحمله فرد، بل تحالف من الصخور.
نحن، كجنوبيين، لا نريد للحامل أن ينكسر، ولا للمحمول أن يتفتت.
فالقضية الجنوبية ليست ملكاً لفصيل، ولا رهينة لمكون، ولا وصية على تركة يتنازعها الورثة. إنها قضية شعب، ومشروع وطن، وحق لا يسقط بالتقادم. وإذا أردنا لهذه القضية أن تصل إلى غايتها، فعلينا أن نُكبر الحامل.
وتكبير الحامل لا يكون بالشعارات الرنانة، ولا بالادعاءات الأحادية، بل بالتحالف. تحالف جبهوي حقيقي يجمع كل القوى الجنوبية المؤمنة بانتصار القضية، والملتزمة باحترام حق شعب الجنوب في تقرير مصيره بنفسه، بإرادة حرة كاملة، دون وصاية من أحد.
ويقوم هذا التحالف على قاعدة متينة تتمثل في التعدد داخل إطار وحدة الهدف. فلكل مكون أن يحتفظ باستقلاليته، وفكره، وتنظيمه، وهويته، لكنه يلتقي مع غيره عند نقطة مركزية لا مساومة عليها، وهي استعادة حق الجنوب كاملاً.
فالقضية لا تُرفع بكتف واحدة، ولا تُحسم بمكون واحد، بل هي كالجبل الذي يحتاج إلى أكتاف متعددة لتحمل ثقله.
والخلاصة التي يمليها المنطق والتاريخ هي أن من يصرّ على أن يكون الحامل الوحيد، فمصيره إما الانكسار، أو أن يرى القضية تتفتت بين يديه. أما عندما يجتمع الحاملون، فتكبر السواعد، ويعلو الظهر، ويثبت المحمول، وتستمر القضية في طريقها نحو هدفها المنشود.
ووحده التحالف الواسع الجامع، بتعدد ألوانه وتوحيد مساره، هو القادر على حمل هذا الجبل حتى تُرفع راية النصر في نهاية الطريق.

