آخر الأخبار

spot_img

اليمن والفيدرالية.. هل يمكن تفكيك مأزق الهوية المُسيّسة؟

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

د. طارق عبدالرشيد ملهي

لم يعد النقاش حول الفيدرالية في اليمن مجرد جدل إداري يتعلق بشكل الدولة، بقدر ما أصبح نقاشاً حول كيفية إعادة بناء المجال السياسي على أسس أكثر توازناً وعدالة. فالأزمة اليمنية، في جوهرها، ليست أزمة حدود أو موارد فحسب، بل أزمة بنية سياسية تراكمت فيها اختلالات إدارة التنوع، وضعفت فيها قدرة الدولة على تمثيل المجتمع بمختلف مكوناته.

وقد تعمقت هذه الإشكالية حين جرى التعامل مع المرجعيات الفكرية أو الهوياتية بوصفها أساساً وحيداً لتعريف المجال العام وتوجيهه، بما أفضى تدريجياً إلى تضييق مساحة التعدد، وإلى هيمنة تصورات أحادية على مؤسسات الدولة والمجتمع. ومع الوقت، تراجع مفهوم الشراكة الوطنية لصالح أنماط من الاصطفاف السياسي القائم على الولاء والانتماء الضيق، بدلاً من الكفاءة والمواطنة المتساوية.

وفي ظل هذا المسار، شهدت مؤسسات الدولة والإدارة العامة والتعليم والاقتصاد والإعلام والفنون والأنشطة الاجتماعية المختلفة درجات متفاوتة من التمركز والتأثير الأحادي، الأمر الذي أضعف التوازن الوطني، وقلّص فرص المشاركة المتكافئة، وأنتج شعوراً متزايداً بالتهميش لدى قوى وفئات اجتماعية متعددة.

ولم يكن ذلك مجرد خلل إداري عابر، بل انعكاساً لنمط سياسي يقوم على تركيز النفوذ والموارد داخل دوائر محدودة، وهو ما يؤدي –في المجتمعات الهشة مؤسسياً– إلى تحويل التنوع الطبيعي إلى حالة استقطاب وصراع، بدلاً من كونه مصدر إثراء وتكامل.

ومن هنا يمكن فهم كثير من التوترات والتحولات التي شهدها اليمن خلال العقود الماضية، حيث تداخلت العوامل الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، وصولاً إلى واقع باتت فيه الدولة مهددة بمزيد من التشظي، لا بسبب التعدد بحد ذاته، بل بسبب الإخفاق في إدارة هذا التعدد ضمن إطار وطني جامع.

في هذا السياق، تبرز الفيدرالية باعتبارها إحدى الصيغ المطروحة لإعادة توزيع السلطة وتقليل التمركز، لا بوصفها حلاً سحرياً، بل باعتبارها محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف بصورة تحدّ من فرص الاحتكار السياسي والإداري. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مشروع الأقاليم بوصفه آلية لإعادة التوازن داخل الدولة، وليس أداة لتقسيمها.

غير أن نجاح أي صيغة اتحادية يظل مرهوناً بطبيعة الثقافة السياسية التي تحكمها. فالفيدرالية لا تحقق أهدافها تلقائياً ما لم تُبنَ على مبادئ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، ورفض التمييز بكل أشكاله. أما إذا أُعيد إنتاج الذهنية الإقصائية ذاتها داخل الأقاليم، فإن المشكلة قد تنتقل من المركز إلى مستويات جغرافية أوسع.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة توزيع السلطات، بل في إعادة بناء مفهوم الدولة نفسها باعتبارها إطاراً جامعاً لكل المواطنين، لا مجالاً لهيمنة أي جماعة أو رؤية أحادية. فالدول الحديثة لا تُدار بمنطق الغلبة أو الاصطفاف، وإنما بالمؤسسات والكفاءة والتوافق الوطني.

ولعل من أهم الدروس التي كشفتها التجربة اليمنية أن أي مشروع سياسي يسعى إلى احتكار المجال العام، مهما كانت مبرراته الفكرية أو التاريخية، ينتهي غالباً إلى إضعاف الدولة والمجتمع معاً. فإدارة المجتمعات المعقدة لا تقوم على التعبئة الأيديولوجية وحدها، بل على بناء المؤسسات، واحترام التعدد، وترسيخ قواعد المشاركة.

وفي هذا المعنى، تبدو الفيدرالية فرصة لإعادة تنظيم التعدد اليمني ضمن إطار مؤسسي أكثر توازناً، شريطة أن تسبقها مراجعة عميقة لفكرة السلطة، وللعلاقة بين الهوية والسياسة، ولآليات بناء الدولة على أساس الشراكة الوطنية لا الاحتكار.

فاليمن اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة توزيع السلطات، بل إلى إعادة بناء العقل السياسي الذي يدير هذه السلطات.