صحيفة الثوري – ثقافة:
د. أمين ثابت
يا هذا المساء الشبحي المخيم فوق صدورنا
كجلد ماعز أجرب
كراية سوداء ممزقة علقت بين سماء لا تنحني
وأرض غافية تنسى اسمها
قد هجرتنا الذاكرة
حين خلعت بابها وذهبت
تاركة وراءها سقوط جماجم بصدى خطى
لا تعود
والوطن
ذلك الذي سقيناه بدم مراق
صار أسلاك شائكة
قبائل تتناسل من رماد
وعسكر يوقظون الحديد في العروق
وصمت يتكاثر في الحناجر كفطر سام
ولصوص يبدلون أقنعة الليل
يدخلون البيوت من ثقوب الصلاة
يا مساء
حارساً على حافة القلب
كيف صار الفيد جلداً
والجلد قد صار وطن
يا صاحبي
الموزع في الجهات كريح خارج الخارطة
متى تعود
فمقعدك ما زال يمارس انتظارك
كخشب يؤمن بالقيامة
لسقاية إصيص عند الشرفة
لجذر معلق في العطش
يرى الطريق ولا يراه
كأن قطرات الندى اسمك
والسقاية طقس خلاص
أحن إليك
كما يحن يتيم إلى ظل أبيه
إلى مساحة بين يد وسماء
كانت تمانع السقوط
حين غيرت المدينة جلدها
وشوارعها بدت كمرايا محطمة
كل عابر يرى نفسه منها شظية
فيضيع عنه اكتمال نفسه
والنوافذ صارت كجفون متيبسة
تتعلم منها الشك المراحل
حتى جرس الدماغ لا يرن صوته
حين يفكر أو قبل أن ينطق باسم أحد
أقول
لعلك قادم في جيب غيمة
أو على كف ريح
أو لتأتي في ثوب قصيدة تؤجل انفجارها
لعل حضورك يفتح أغنية حالمة
شق في جدار العتمة أو
تنبت سنبلة تشق فم المجاعة
إنا لم نكن بقايا حكاية
نار نمشي على رمادها
خوف اعتدنا أن يطول
حتى ينقلب سيفاً من بصيرة لا ندرك كنهها
سنكتب أسماءنا
على أسراب حمام الغياب
ونفتح نافذة للريح نراقصها عنوة
سنقول للقبائل في دمنا
كفى تناسلاً في الخراب
وللعسكر القابعين في الروح
إن الدمار لا يولد الأوطان
سنقول للصمت
تكلم
فالصوت الجريح أوسع من تبجح الناهبين الأدعياء
ومن نشيد التصفيق للطغيان
إن تأخرت
فاجعل المسافة جسر عبور
واجعل الريح رسولاً يسبقك المجيء
والغياب اجعله بذرة لا تسكنها المنايا
سأترك مقعدك شاهداً عليك حتى تجيء
وإصيص الزهور سأبقيه ساهراً
كقلبي عالماً لا يعرف الانطفاء
فإذا جئت
نخلع عنا المساء بأقنعته المضجرة
وللوطن نعيد وجهه الأول
حلماً لا يقاربه لفظة بؤس
أو تمزقه شباك لعنة الاصطفاف
في أروقة النفاق والفساد
وتناسل الأفاعي في الليالي الدافئة المظلمة
في الجحور
أو القصور الساقطة في المتاع





