صحيفة الثوري- ثقافة:
جولان الوريدي
لم يكن الصباح مختلفاً عن غيره
نفس الأزقة الضيقة، نفس أصوات الباعة المتجولين ، نفس الوجوه التي تحفظ بعضها أكثر مما تحفظ أسمائها.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفاً
على زاوية الطريق، رأيت امرأة — بجلبابٍ نظيف ووجهٍ صلب — تفتح باب دكان صغير.
امرأة ترفع باباً معدنياً خفيفاً، وتضع فوقه لوحة بسيطة كُتِب عليها بخجل:
“قات للسيدات.”
توقّفت.
ليس لأن القات جديد على هذه الأرض، بل لأن العلَن جديد على النساء.
في دقائق، صار المكان مهرجاناً للدهشة.
رجال يشيرون بأصابعهم، نساء يتهامسن من خلف العبايات، شيوخ القرى يلوّحون بعصيّهم كأنهم رأوا فجوراً يزلزل الجبال.
القات عادة سيئة للطرفين.
للرجل والمرأة.
يأكل الوقت، والصحة، والعمر.”
عادة لا تُجَمِّل أحدًا، لا الرجل ولا المرأة.
ولكن العادة هنا لم تكن المشكلة
كان العلَن هو المشكلة.
تجمّع الرجال حول الدكان،
وجوه تتغيّر بسرعة،
كأن المرأة ارتكبت خطيئة كونية،
وليس فعلاً هم يمارسونه كل ظهرٍ بلا ضمير.
قال أحدهم وهو يشير بعصبية
– “محل قات للحريم؟ هذا قده جنان!”
ضحكتُ في داخلي، ضحكة حزينة
فالرجل الذي يمضغ القات كل يوم يرى أن العادة نفسها “عار” فقط حين تنتقل ليد امرأة.
كأن الخطأ يمتلك جنسًا،
وكأن العادة القبيحة تتجمّل على شفتي رجل،
وتتحول إلى فضيحة على فم امرأة.
تقدّمت قليلاً، فسمعت امرأة تقول لجارتها:
– “ليش سوت محل؟ كان تمكنه رجال يبيع لها. وإذا هي مولعية، تشتري من سوق الرجال مثلنا وتروّح.
يا للمفارقة
لا أحد يعترض على الفعل،
بل على جرأة الفعل حين يصبح علنًا.
على أن تقول المرأة:
“ها أنا أفعل ما أفعل. ولا أختبئ.
حينها سألت نفسي:
كيف يجندرون عادة سيئة؟
كيف يجعلونها “رجولية” حين يمارسونها، و“خطيئة” حين تقترب منها امرأة؟
أهي العادة نفسها التي يخافون منها أم استقلال المرأة؟
أهو القات الذي يزعجهم أم العلن؟
كانت المرأة داخل الدكان مرتّبة،
هادئة كأنها تعرف أن العاصفة ليست عنها
بل عن الحدود التي تحاول أن تتجاوزها.
وكنتُ أحسّ أنها تفهم اللعبة:
المجتمع لا يخاف القات،
بل يخاف أن تكون المرأة مرئية واضحة واقفة في الضوء.
ولم تمضِ لحظات حتى وصلت الشرطة.
والشرطة — التي تتأخر عادة ساعات وساعات — جاءت هذه المرة مهرولة.
أغلقوا الدكان وهم يمضغون القات بشراهة،
وأحد أفرادهم يصرخ:
– “زمان الله يستر ما عاد بقي حياء!
سرتُ بعيدًا عن الزحمة، وقلت بصوت لا يسمعه غيري:
“المشكلة ليست القات
المشكلة بين ما يجب أن يظل في الظل وما يجرؤ على الظهور.”
هذا المجتمع يعاني من شيء أعمق بكثير
يعاني من هوية مُهدَّدة،
ومن سلطة هشّة ترتجف كلما رفعت امرأة لافتة صغيرة في الشارع.
يعاني من ازدواجية تُبيح للرجل أن يخطئ جهارًا،
وتجلد المرأة على نفس الخطأ لمجرّد أنها لم تُخفِه تحت غطاء
أدركت في تلك اللحظة
أن الحرية ليست وصمة،
وأن الضوء لا يفضح أحدًا
بل يكشف الحقيقة فقط.
ولأول مرة، فهمت أن المشكلة ليست في المرأة التي تريد أن تعمل،
بل في مجتمعٍ يخاف من المرأة حين تُسمِع صوتها
وحين تفتح بابًا
وحين تقف، ببساطة، في العلن.

