آخر الأخبار

spot_img

الرابطة المدنية والرابطة العصبية

صحيفة الثوري – (رأي)

عبدالعالم عبدالجليل 

تتحدد طبيعة المجتمعات، إلى حد كبير، بنوعية الروابط التي تجمع أفرادها، وبالأسس التي تنظم علاقاتهم وتحدد انتماءهم وموقعهم داخل المجتمع. فهناك مجتمعات تتأسس روابطها على المواطنة والمساواة والحقوق والواجبات المشتركة، ومجتمعات أخرى تظل أسيرة الانتماءات الضيقة والعصبيات القبلية والمناطقية والمذهبية، حيث تتقدم رابطة الجماعة على رابطة المجتمع، ويصبح الولاء للانتماء أقوى من الولاء للمصلحة العامة. وبين هذين النموذجين تتجلى المفارقة بين الرابطة المدنية والرابطة العصبية.

تقوم الرابطة المدنية على الاعتراف بالإنسان مواطنًا متساويًا مع غيره في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن أصله أو قبيلته أو منطقته أو مذهبه أو انتمائه السياسي. وهي رابطة تنظمها المواطنة، ويحكمها القانون، وتحميها المؤسسات، وتستمد قوتها من احترام التنوع والتعدد والحق في الاختلاف. وفي ظلها يصبح الانتماء إلى المجتمع أوسع من الانتماء إلى الجماعات الأولية، وتغدو المصلحة العامة إطارًا جامعًا للمصالح الفردية والفئوية، ويكون معيار التعامل مع الإنسان هو مواطنته وكفاءته وسلوكه، لا خلفيته الاجتماعية أو العصبية التي ينتمي إليها.

أما الرابطة العصبية، فتقوم على التضامن القائم على القرابة أو القبيلة أو المنطقة أو المذهب أو الجماعة المغلقة، وتستمد قوتها من الشعور بالانتماء المشترك والولاء المتبادل بين أفرادها. لكنها تتحول إلى عامل انقسام عندما تتجاوز حدود العلاقات الاجتماعية لتصبح أساسًا للسلطة والنفوذ وتوزيع المصالح والامتيازات. وعندئذ يصبح معيار القرب والولاء مقدمًا على الكفاءة والاستحقاق، وتتحول العلاقات العامة إلى شبكة من المحسوبيات والولاءات، ويُقاس موقف الإنسان بمدى انتمائه إلى الجماعة، لا بمدى التزامه بالقانون والمصلحة العامة.

وتكمن خطورة العصبية في انتقالها من رابطة اجتماعية إلى أداة للهيمنة السياسية. فبدلًا من أن تكون الانتماءات القبلية والمناطقية والمذهبية جزءًا من التنوع الاجتماعي، تتحول إلى مراكز للنفوذ ومصادر للشرعية ومقاييس لتوزيع القوة والثروة والوظائف. وهنا تتراجع فكرة المواطنة أمام منطق الجماعة، ويتحول المجتمع إلى كيانات متنافسة، لكل منها حساباتها ومصالحها وولاءاتها، فتضعف الثقة المتبادلة، وتتسع الفجوات بين مكوناته، ويصبح الانتماء الضيق أقوى حضورًا من الشعور بالمسؤولية المشتركة.

وفي المجتمعات التي تغيب عنها المؤسسات العادلة، وتتراجع فيها سلطة القانون، تجد العصبيات بيئة مناسبة للتمدد وإعادة إنتاج نفوذها. فغياب الدولة المؤسسية يفتح المجال أمام الجماعات التقليدية ومراكز القوة لملء الفراغ، وتصبح الحماية والحقوق والمصالح مرتبطة بالانتماء والولاء، بدلًا من ارتباطها بالمواطنة والقانون. ومع مرور الوقت، تتكرس هذه المعادلة في الوعي الاجتماعي، حتى يصبح الفرد أكثر اطمئنانًا إلى جماعته من اطمئنانه إلى المؤسسات العامة، وأكثر استعدادًا للدفاع عن مصالحها من دفاعه عن الحقوق المشتركة.

وتظهر آثار هذه المفارقة بوضوح في الحياة السياسية والإعلامية والثقافية؛ إذ تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات هوياتية، ويُعاد تفسير المواقف والأحداث من زاوية الانتماء، وتصبح وسائل الإعلام ومنصات التواصل، في بعض الحالات، أدوات لتغذية الاستقطاب وإعادة إنتاج خطاب الكراهية والتحريض. وبدلًا من أن تسهم الكلمة في بناء الوعي العام وتقريب وجهات النظر، تتحول إلى وسيلة لتعبئة الجماعات ضد بعضها، وتغليب الولاءات الفرعية على قيم الحوار والتفاهم والمواطنة.

إن بناء مجتمع مدني متماسك يتطلب الانتقال من منطق العصبية إلى منطق المواطنة، ومن ثقافة الولاءات القبلية والمغلقة إلى ثقافة الانتماء العام، ومن الاحتكام إلى القوة والنفوذ إلى الاحتكام للقانون والمؤسسات. وهذا التحول يقتضي تجاوز البنى القبلية والعصبيات التقليدية بوصفها مرجعيات للسلطة والنفوذ وتحديد المواقف السياسية، وإحلال الرابطة المدنية محلها، بحيث تصبح المواطنة أساس الانتماء، والقانون مرجعًا للجميع، والمؤسسات إطارًا لإدارة الشأن العام. كما يقتضي ترسيخ دور الأحزاب والتنظيمات السياسية باعتبارها أطرًا مدنية لتنظيم العمل السياسي، والتعبير عن المصالح والبرامج والرؤى المختلفة، والتنافس على السلطة بالوسائل الديمقراطية، بعيدًا عن الولاءات القبلية والاصطفافات العصبية. فالتعددية السياسية لا تستقيم إلا في ظل انتخابات نزيهة وشريفة، يكون فيها صندوق الاقتراع وسيلة لاختيار ممثلي الشعب وتداول السلطة، ويكون الاحتكام لإرادة الناخبين بديلًا عن النفوذ القبلي وفرض الأمر الواقع.

فالمجتمع الذي تتعدد فيه الآراء والانتماءات السياسية يستطيع أن يكون متماسكًا متى امتلك رابطة مدنية تجمع أبناءه على قاعدة المساواة والحقوق المتكافئة واحترام الاختلاف. والدولة التي تحمي جميع مواطنيها دون تمييز هي الضمانة الأساسية لترسيخ هذه الرابطة، وتحويل التعدد إلى مصدر قوة، بدلًا من أن يصبح مدخلًا للصراع والانقسام.

إن الفارق الجوهري بين الرابطة المدنية والرابطة العصبية هو الفارق بين مجتمع تحكمه المواطنة ومجتمع تتحكم فيه الولاءات الضيقة، وبين دولة تقوم على المؤسسات والقانون وسلطة الجماعات ومراكز النفوذ. فالمواطنة تصنع مجتمعًا يتساوى فيه الناس، والعصبية حين تتحول إلى سلطة تصنع جماعات متفاوتة في الحقوق والامتيازات. ومن هنا، فإن بناء دولة مدنية حديثة تقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية وسيادة القانون يبدأ بتأسيس رابطة وطنية جامعة، يكون فيها المواطنون شركاء متساوين، وتكون الدولة ملكًا لجميع أبنائها، لا امتدادًا لقبيلة أو منطقة أو مذهب أو جماعة. فالمجتمعات تتقدم بقدر ما تتسع فيها دائرة المواطنة، وتتراجع بقدر ما تضيق فيها مساحة الانتماء العام لصالح العصبيات.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img