«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. محمد علي قحطان
لوحظ أن هناك من يعتقد بوجود عملتين في اليمن، إحداهما يسمونها ريالاً صنعانياً، والأخرى ريالاً عدنياً، استناداً إلى وجود انقسام في سعر الصرف، بسعر صرف في صنعاء وآخر في عدن. وهذا الكلام سطحي، ولا ينبغي اعتباره صحيحاً أو التماهي معه؛ إذ يعمّق صوراً خاطئة حول وضع العملة الوطنية اليمنية.
وعليه، نرى أنه ينبغي أن يكون معلوماً للجميع أن هناك طبعتين للريال اليمني، وليست هناك عملتان: الأولى الطبعة القديمة، والأخرى الطبعة الجديدة. وبالتالي، فليس هناك ريال عدني وآخر صنعاني؛ إذ لا تزال هناك، على المستوى الوطني والدولي، عملة وطنية نقدية واحدة لليمن كلها، وجهاز مصرفي واحد… والطبعتان والجهاز المصرفي اليمني حالياً تحت سلطة ومسؤولية البنك المركزي اليمني، الذي يقع مقره الحالي في عدن، بغض النظر عن السياسات والإجراءات التي تتخذها سلطة الأمر الواقع في صنعاء.
كما نرى أنه لا ينبغي اعتبار البنك المركزي اليمني في عدن سلطة نقدية لعدن فقط، كما يعتقد البعض، استناداً إلى تصوّر لما كان معمولاً به قبل الوحدة اليمنية، أو إلى تصوّر الانفصال. فالعملة الوطنية، «الريال اليمني»، هي العملة الوطنية منذ إعلان وحدة اليمن عام 1990، وقبل الحرب، وقبل أن تُنقل وظائف البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، وحتى وقتنا الحاضر.
إذ تم الاعتراف دولياً بنقل وظائف البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، باعتباره مؤسسة البنك المركزي اليمني التابعة للسلطة الشرعية في اليمن والمعترف بها دولياً، والتي هي حالياً الجهة المختصة بإدارة السلطة النقدية في اليمن، ومن مسؤوليتها التخطيط والتنظيم والتوجيه لكافة وظائف البنك المركزي اليمني على المستوى الوطني والدولي.
وقد أصبحت مسؤوليته واسعة، وليست محدودة بمحافظة عدن فقط، كما يبدو بسبب ضعف حضوره في بقية المحافظات. ويتسبب هذا الضعف في تباين تنفيذ السياسات النقدية للبنك، وبالتالي تعميق اختلالات الجهاز المصرفي اليمني والعجز الذي يبدو عليه في مجالات عدة، أبرزها مشكلة الانقسام في سعر صرف الريال اليمني بطبعتيه القديمة والجديدة. وهو وضع يؤدي إلى آثار سلبية بالغة على الوضع الاقتصادي والإنساني، كما أشرنا إلى ذلك بالتفصيل مرات عدة في مقالات ومداخلات سابقة.
وبناءً على ما سبق، نؤكد ضرورة بلورة الفهم الصحيح لوضع العملة الوطنية اليمنية ومكانة البنك المركزي اليمني في عدن، وعدم تجاهل أن السلطة النقدية في عموم الدولة اليمنية، وإدارة وظائف البنك المركزي في جميع المحافظات اليمنية، هما من اختصاص البنك المركزي اليمني في عدن، كونه البنك المركزي المعترف به وطنياً ودولياً لإدارة وظائف السلطة النقدية في اليمن.
ويترتب على ذلك أن أي اختلالات في السياسة النقدية أو ضعف في أداء البنك لهما تأثيرات سلبية عامة على السوق النقدية في عموم اليمن، مهما تعددت سلطات الأمر الواقع؛ فكل وحدات السلطة النقدية تقع تحت إشرافه. وأي اختلالات فيما يخص السلطة النقدية للدولة اليمنية في أي محافظة يمنية لا تعفي البنك من المسؤولية، مهما كانت المبررات، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعية الخارجة عن سلطة البنك وعدم مقدرته على التحكم فيها.
ومع ذلك، نعتقد أن البنك يمكنه، من خلال العمل بسياسات نقدية واقعية وفي ظل ظروف الحرب القائمة، التحكم في مجمل الأسواق النقدية في اليمن والسيطرة عليها والتأثير فيها إيجابياً، وبالتالي توجيه الدورة النقدية والاقتصادية في اليمن بصورة كاملة؛ كونه يمتلك السلطة القانونية التي تعطيه الحق، على المستوى الوطني والدولي، في الإشراف على وحدات الجهاز المصرفي في الدولة اليمنية، حسب الأنظمة والقوانين المحلية والدولية، إذا توفرت لديه الكفاءة والإرادة القوية.
وهذا ما ينبغي أن يكون معلوماً لقيادة البنك المركزي اليمني في عدن، وللحكومة، ولكافة مؤسسات الدولة وعامة الناس.
والجدير بالذكر أنه في الوقت الحالي، ومع اشتداد المواجهات العسكرية وتوسعها، نلاحظ ارتفاعاً في أسعار صرف العملات الأجنبية، وبالأخص الريال السعودي والدولار الأمريكي، في قوائم أسعار الصرف الرسمية. كما توجد سوق سوداء وانفلات في وحدات الجهاز المصرفي خارج عدن، بالإضافة إلى اضطراب الأسواق النقدية التي تصل سلطة صنعاء إلى السيطرة عليها، كما حصل في مدن حيس والخوخة والمخا، وبعض مديريات محافظة تعز التي تمت السيطرة عليها مؤخراً من قبل جماعة الحوثي.
وفي الوقت نفسه، يُلاحظ أن البنك المركزي اليمني يعاني ضعفاً في الأداء، بسبب عدم حضوره الفاعل في كل المحافظات اليمنية. ويؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية؛ فبدلاً من تعزيز الثقة بالبنك وتحقيق مكاسب جديدة لصالح تعافي الجهاز المصرفي والعملة الوطنية، يحدث العكس.
وبناءً على ما سبق، نوصي البنك المركزي اليمني بمزيد من اليقظة والعمل على مواجهة الاختلالات، من خلال توسيع نطاق الرقابة اليومية المكثفة على الأسواق النقدية في المحافظات، وتعزيز دور جهاز الرقابة على جميع الأنشطة المصرفية في كل المحافظات اليمنية، مع أهمية رسم السياسات والإجراءات الواقعية التي من شأنها الإسهام في تعافي العملة الوطنية ومواجهة الاختلالات في جميع المحافظات، بما في ذلك انقسام سعر صرف العملة الوطنية وتذبذب أسعار الصرف من محافظة إلى أخرى، وأي مستجدات تطرأ على السوق النقدية.
إذ إن اضطراب أسعار الصرف والمزيد من تدهور سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة يؤديان إلى مزيد من الاختلالات الاقتصادية، مثل زيادة معدلات التضخم والكساد والفقر والبطالة، والمزيد من تسريب العملات الأجنبية إلى الخارج، فضلاً عن هروب الاستثمارات الوطنية وتراجع النشاط الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي.
وفي النهاية، وبدلاً من تحسن الوضع الاقتصادي والإنساني، يحدث العكس؛ إذ يُلاحظ المزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني، الأمر الذي يضاعف آثار الحرب مع توسع المواجهات المسلحة.


