«صحيفة الثوري» – (رأي)
أ.د. محمد علي قحطان
منذ الأسبوع الأول من شهر سبتمبر 2026، اندلعت موجة عنيفة من القتال، بدأت بضربات صاروخية وهجمات بطيران مسيّر من قبل قوات أنصار الله، بقيادة جماعة الحوثي المدعومة من إيران، بهدف الاستيلاء على مدينة المخا، والوصول إلى ضفاف مضيق باب المندب وجزيرة ميون المطلة على المضيق، مع تحرك بري أسفر عن سيطرة جماعة الحوثيين على كامل الشريط الساحلي لمحافظة تعز، وميناء المخا، وجزر البحر الأحمر المطلة على الطريق البحري الدولي لمضيق باب المندب، بالإضافة إلى سيطرتهم السابقة على الشريط الساحلي لمحافظة الحديدة وموانئها، والتحرك نحو السيطرة على المرتفعات الجبلية الغربية لمحافظة تعز والمطلة على الشريط الساحلي للمحافظة.
وقد أدى ذلك إلى تحرك مجلس القيادة الرئاسي، ممثلًا برئيسه الدكتور رشاد العليمي، مدعوماً من المملكة العربية السعودية، وإعلان التعبئة العامة، ثم النفير العام لمواجهة قوات جماعة الحوثيين، متضمناً هدف استعادة المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، وكذا استعادة الدولة ومؤسساتها. وتبع هذا الإعلان موجة قتال مضادة من قبل القوات النظامية التابعة للسلطة الشرعية المعترف بها دولياً، وتم على إثرها استعادة السيطرة على منطقة باب المندب لتعود إلى سيطرة الشرعية.
ثم توسعت المواجهات المسلحة العنيفة، بمختلف الأسلحة والتشكيلات العسكرية، إلى مناطق مديريات غرب مدينة تعز وجنوبها وأطراف محافظتي تعز ولحج، باعتبارها تشكل العمق البري للشريط الساحلي للبحر الأحمر وخليج عدن الواقع تحت سيطرة مكونات الشرعية. وشملت الضربات الجوية والمواجهات العسكرية، بمختلف أنواع الأسلحة، العديد من المحافظات اليمنية، من أهمها: مأرب والجوف والبيضاء.
كل ذلك فاقم الانهيار الاقتصادي والإنساني، وأدى إلى تفاقم أزمات المشتقات النفطية والغاز، وارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات في مناطق المواجهات المسلحة، وبالأخص في محافظة تعز التي تعاني من الحصار منذ بداية الحرب في عام 2015 من قبل جماعة الحوثي.
إذ أُطبق الحصار على مدينة تعز بقطع ما تبقى من الطرق المستخدمة للتنقل وإيصال سلع الاستهلاك اليومية للأسر، وأصبحت المدينة مهددة بانعدام تام لوسائل البقاء على قيد الحياة، وتشتد معاناة أفرادها الإنسانية يوماً بعد آخر، مع غياب تام لدور مؤسسات الدولة التنفيذية المعنية بإدارة شؤون المواطنين، الأمر الذي يفاقم معاناة سكان مدينة تعز إلى مستوى يرقى إلى ما يعانيه سكان قطاع غزة في فلسطين.
كما تُقدَّر، بحسب ما يتم تداوله في القنوات الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي، أعداد ضحايا الحرب في اليمن بما يفوق ضحايا الحرب في غزة. أي إن آثار الحرب في اليمن تتجاوز بكثير آثار حرب إسرائيل على الفلسطينيين في غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشير إلى قسوة هذه الحرب وشدة آثارها الاقتصادية والإنسانية على المواطنين اليمنيين، وتجاهل المجتمع الدولي لهذه الكارثة الإنسانية الحادة.
وانطلاقاً من بيان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، المتضمن التعبئة العامة والنفير والنكف لاستعادة سيطرة الدولة على كافة المحافظات اليمنية، بما فيها العاصمة السياسية صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، بهدف استعادة الدولة ومؤسساتها، فقد تضمن البيان أيضاً إلزام الحكومة التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي، والمدعومة من دول التحالف الداعمة للشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، بإعداد خطط وبرامج تنفيذية متزامنة مع تحرك التشكيلات العسكرية المكلفة بالسيطرة على كافة المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، وتفعيل مؤسسات الدولة في أية منطقة تعود إلى سيطرة الدولة، ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي وحكومته.
ويتضمن محتوى البيان أيضاً عناية الدولة بحقوق المواطنين اليمنيين وتلبية احتياجاتهم، ودفع رواتب الموظفين بأثر رجعي. إلا أن واقع الحال يشير إلى استمرار معاناة المواطنين، بل واشتداد حدتها مع اشتداد المواجهات العسكرية، وغياب أي دور فعال وملموس لمؤسسات الدولة في المجال الحقوقي والإنساني المتعلق بالمواطنين.
وبناءً على ما سبق، نرى أن تتحمل السلطة الشرعية المعترف بها دولياً، التي أعلنت ساعة الصفر لبدء الأعمال العسكرية لاستعادة الدولة ومؤسساتها، مسؤولية كبيرة في الوفاء بمتطلبات ما أقدمت عليه من إعلان التعبئة العامة، لاستعادة الدولة ومؤسساتها، وتحقيق السلام، والعناية بحقوق المواطنين في مختلف المجالات.
وبرأينا، فإن ذلك يتطلب العمل بما يلي:
• أولاً: توفير كافة متطلبات التعبئة العامة لمؤسسات الدولة على المستويين المحلي والمركزي، بالتعاون مع دول التحالف الداعمة للشرعية، ومن بينها تلبية احتياجات المواطنين اليمنيين في ظل اشتداد المواجهات العسكرية، وإغاثة المنكوبين، وبالأخص المجبرين على ترك منازلهم واللجوء إلى مناطق آمنة في الداخل والخارج. وبالتزامن مع ذلك، يجب الإسراع في فك الحصار عن سكان مدينة تعز.
• ثانياً: إنشاء غرف عمليات في كل من مقر مجلس القيادة الرئاسي ومقر الحكومة، وكذا في مقار جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات العامة للدولة، لمتابعة تأدية مهامها اليومية على مدار الساعة.
• ثالثاً: إلزام قيادات المحافظات بالتواجد الدائم في مقار أعمالها بالمحافظات، مع ضرورة أن تشكّل جميع المحافظات، سواء الواقعة تحت سيطرة الحكومة أو تحت سيطرة الحوثيين، غرف عمليات تعمل على مدار الساعة لمتابعة شؤون محافظاتها، والعمل على مواجهة التحديات والتخفيف من معاناة المواطنين، من خلال ضمان استمرار تدفق السلع الضرورية، وتقديم الخدمات العامة، وإغاثة المنكوبين، بالتعاون مع مكونات المجتمعات المحلية ودول دعم الشرعية والمنظمات الدولية الإنسانية.
• رابعاً: إنشاء غرفة عمليات في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، بمشاركة منظمات الإغاثة الإنسانية، تُعنى بمتابعة أحوال النازحين وإغاثتهم، وإيصال المساعدات الإنسانية بأسرع الطرق الممكنة إلى النازحين والمحاصرين، بما يخفف من معاناتهم الإنسانية اليومية.
• خامساً: تشكيل غرف عمليات في جميع الغرف التجارية والصناعية، تكون مهمتها التنسيق مع وزارة التجارة والصناعة وكافة الجهات الحكومية ذات العلاقة، بخصوص تأمين متطلبات الحياة اليومية من السلع الغذائية والطبية والسلع الأساسية الأخرى، كالمشتقات النفطية وغيرها، والحفاظ على استقرار أسعار السلع والخدمات، ومنع الاحتكار واستغلال ظروف الحرب، كما هو حاصل في محافظة تعز؛ إذ اختفت المشتقات النفطية، وارتفعت أسعار السلع والخدمات بصورة حادة، في ظل غياب أي وسائل ردع من قبل سلطات الحكم المحلية أو المركزية.
• سادساً: العمل على تفعيل المؤسسات الإعلامية والدينية والاجتماعية والثقافية، واستنهاض قدراتها في تعبئة فئات المجتمع المختلفة وحثها على التعاون والتراحم في مواجهة آثار الحرب، وكذا حث مؤسسات الدولة على القيام بواجباتها ومسؤولياتها الدستورية والقانونية، وذلك بالتعاون مع جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني.
• سابعاً: من أوجب الواجبات على مجلس القيادة الرئاسي وحكومته، بأذرعها في المحافظات، الالتزام بمتابعة قضايا الناس. ومن يثبت عدم تفاعله من قيادات مؤسسات الدولة، أو عدم قدرته على مواجهة تحديات الظروف القائمة، يجب إبعاده عن الموقع الذي يشغله واستبداله بكفاءات محلية حاضرة ومقتدرة على مسايرة التطورات التي تفرضها ظروف الحرب القائمة. ويجب أن يتم ذلك بصورة سريعة وحاسمة، دون مماطلة أو تهاون، لما لذلك من أهمية في مواجهة الفساد والتلاعب بقضايا الناس ومنع استغلال ظروف الحرب.
ختاماً، نؤكد أنه يتعين على مجلس القيادة الرئاسي وداعميه الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، استشعار درجة عالية من المسؤولية للقيام بواجباتهم المترتبة على إعلان التعبئة العامة والحرب لاستعادة الدولة ومؤسساتها، ومواجهة التحديات، بما يعنيه ذلك من حماية للمواطنين اليمنيين وحقوقهم في الأمن والحياة الكريمة، وعدم السماح بأي تهاون أو تراخٍ في تأدية تلك الواجبات بأسرع وقت ممكن، حتى يتحقق السلام وتعود الدولة ومؤسساتها إلى خدمة المواطنين اليمنيين أينما كانوا.
كما ننبه إلى أن إطالة فترة الحرب وتحميل المواطنين أعباءها وآثارها سيترتب عليهما المزيد من الانهيار في الوضع الاقتصادي والإنساني، وتعقيد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية بصورة يصعب مواجهتها.


