آخر الأخبار

spot_img

تفاهة الشر الحوثي.. حين يصبح القتل سلوكاً مألوفاً

«صحيفة الثوري» – (رأي):

د. فائزة عبدالرقيب

لم تكن الفيلسوفة الألمانية حنّة آرنت، حين صاغت مفهوم “تفاهة الشر”، تقصد التقليل من فداحة الجرائم، بل كشفت كيف يمكن للسلوك العدائي الإجرامي أن يتحول الى فعل اعتيادي حين يتخلى مرتكبوه عن التفكير الأخلاقي، ويتحول تنفيذ الأوامر وتبرير العنف والقتل والبطش الى ممارسة يومية تعطل الضمير، وتغيب الشعور بالمسؤولية عن نتائج الأفعال والمساءلة عنها. تكتسب هذه الفكرة دلالتها في الواقع اليمني، حيث تمضي جماعة الحوثي الانقلابية في تصعيد الحرب وتكثيف استهداف المدنيين وارتكاب الانتهاكات، وكأن أرواح الناس لاقيمة لها في حساباتها العسكرية والسياسية.

لم يقتصر بطش مليشيا الحوثي الإرهابية وتنكيلها على المواطنين في مناطق سيطرتها، بل امتد عبر صواريخها وطائراتها المسيّرة الى قصف المناطق الخارجة عن نفوذها، وفي مقدمتها تعز وعدن، ومؤخراً شبوة وصولاً الى استهداف المدن والمطارات والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، لتكشف ممارساتها عن مدى استخفافها بحياة الإنسان، وتجاهلها لواجب حماية المدنيين بوصفه التزاماً قانونياً وأخلاقياً.

ولعل الاخطر من سقوط الضحايا في اليمن والسعودية هو أن تتحول مشاهد القتل والدمار الى وقائع مألوفة، ومعاناة الأسر الى مجرد ارقام في حسابات الصراع. وتمتد تداعيات هذا النهج لتشكل مصدر قلق لأمن المنطقة واستقرارها، وتضع المجتمع الدولي امام اختبار حقيقي لقدرته على حماية المدنيين، ومنع اتساع دائرة التصعيد، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.

غير أن استمرار هذه الممارسات لا ينفصل عن إخفاقات المجتمع الدولي في التعامل مع الجماعة. فقد اتاح مسار التهدئة، وما رافقه من ترتيبات وتفاهمات، فرصاً لم تستثمر بما يكفي لضمان وقف التسلح والتصعيد، في وقت واصلت فيه الجماعة تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز امكاناتها في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وهكذا اتسعت الفجوة بين التعهدات السياسية والواقع الميداني، مع تكرار خروقات التهدئة وتعثر مفاوضات السلام.

ولا يصح تحميل الأمم المتحدة وحدها مسؤولية هذا المسار، لكن غياب الضمانات القابلة للتحقق والآليات الفاعلة للتعامل مع خروقات التهدئة اضعف فرص بناء سلام مستدام. ويقدم اتفاق ستوكهولم 2018، بشأن الحديدة، مثالاً على محدودية ما حققته التفاهمات السياسية في معالجة التهديدات العسكرية وتوفير حماية مستدامة للمدنيين؛ إذ لم ينجح الاتفاق في إنهاء التهديدات او منع استمرار الانتهاكات. وبقيت اختلالات المسار السياسي عائقاً امام تسوية تنهي الحرب وتحد من قدرة الجماعة على إخضاع المجتمع بالقوة، في وقت تثير فيه التهديدات الحوثية المرتبطة بباب المندب مخاوف جدية على أمن الملاحة الدولية واستقرار حركة التجارة العالمية.

وفي ظل إخفاق مساعي السلام في كبح التصعيد الحوثي، جاءت معركة “فجر اليمن” لتؤكد أن حماية الدولة والجمهورية وحياة المواطنين تفرض مواجهة التهديد الذي يستهدفها، لا الاكتفاء بإدارة تداعياته. فمواجهة “تفاهة الشر الحوثي” تبدأ باستعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب، وملاحقة قيادات الجماعة ومسؤوليها عن الجرائم والانتهاكات، وإحالتهم إلى القضاء الوطني والآليات القضائية الدولية المختصة وفقاً للقانون. فاستهداف المدنيين في اليمن، والاعتداءات التي تطال المملكة العربية السعودية، وتهديد أمن الملاحة الدولية، جرائم لا ينبغي أن تمر دون محاسبة تضمن حماية الإنسان وصون أمن المنطقة.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img