صحيفة الثوري – (رأي وتحليلات)
بروفيسور. محمد حسن الشعبي
تحلّ الذكرى الثالثة والستون لانطلاق ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963، التي فجّرت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، وتُوّجت بالاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967. وهي مناسبة لاستعادة واحدة من أهم محطات النضال الوطني اليمني، حين امتلك اليمنيون إرادة مواجهة قوة استعمارية راسخة، وقدموا تضحيات كبيرة من أجل الحرية والسيادة وتقرير المصير.
غير أن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات لا يقتصر على استحضار البطولات وترديد الشعارات، بل يقتضي أيضاً استخلاص الدروس من مسار التجربة الوطنية، بما لها من إنجازات وما اعتراها من إخفاقات. فالتاريخ لا يصبح مصدر قوة للمجتمعات بمجرد الاحتفاء بأمجاده، وإنما حين يتحول إلى معرفة نقدية تساعدها على فهم حاضرها وتجنب تكرار أخطائها.
لقد كان الاستقلال انتصاراً تاريخياً على الاستعمار، لكنه لم يكن نهاية معركة التحرر، بل بداية تحدٍّ آخر لا يقل صعوبة: بناء دولة وطنية قادرة على حماية سيادتها، وترسيخ مؤسساتها، وإدارة الاختلاف السياسي والاجتماعي، وتحويل الاستقلال من حدث تاريخي إلى واقع مستدام في حياة المواطنين.
من الاستقلال إلى صراعات السلطة
شهدت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تجارب مهمة في مجالات التعليم والصحة وتوسيع المشاركة الاجتماعية وبناء مؤسسات الدولة، وهي جوانب تستحق التقدير في سياق الظروف التي نشأت فيها الدولة. لكن هذه التجربة عانت، في المقابل، من صراعات حادة على السلطة، اتخذ بعضها طابعاً أيديولوجياً، بينما ارتبط بعضها الآخر بالتنافس على السلطة، وبضعف الآليات المؤسسية القادرة على تسوية الخلافات سلمياً.
وكانت أحداث يناير 1986 الدامية التعبير الأكثر مأساوية عن هذا الاختلال. فقد تجاوزت نتائجها حدود الصراع بين أطراف سياسية متنافسة، لتلحق أضراراً عميقة بالنسيج السياسي والاجتماعي، وتستنزف الكوادر والقدرات، وتضعف الدولة في لحظة تاريخية كانت تتطلب قدراً أكبر من التماسك والقدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.
ثم جاء انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية ليقوّض جانباً مهماً من البيئة الدولية التي استندت إليها الدولة الجنوبية في علاقاتها الخارجية ودعم اقتصادها وقدراتها الدفاعية. وكان ذلك تحولاً استراتيجياً بالغ الأهمية، لكنه لا يكفي وحده لتفسير تعثر التجربة؛ إذ لا يمكن فصل أثر المتغيرات الدولية عن آثار الصراعات الداخلية وأزمة القيادة والاختلالات الاقتصادية والسياسية.
والدرس الذي ينبغي استخلاصه ليس إدانة التجربة الجنوبية بأكملها، ولا إنكار ما حققته من إنجازات، بل إدراك أن الدولة لا تستطيع حماية مشروعها الوطني بالشعارات وحدها، مهما كانت عدالتها، إذا افتقرت إلى مؤسسات مستقرة، وقواعد واضحة لتداول السلطة، وآليات ديمقراطية لإدارة الاختلاف.
فحين يصبح الخلاف السياسي تهديداً لوجود الخصم، وحين تتحول الدولة إلى مجال لتصفية الحسابات بين مراكز القوى، تتراجع المصلحة العامة أمام حسابات البقاء في السلطة، ويصبح المجتمع كله رهينة لصراعات النخب.
الوحدة: مشروع تاريخي أفسدته أزمة الشراكة
جاءت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 محمّلة بآمال تاريخية مشروعة في إنهاء الانقسام بين شطري البلاد، وتوحيد المجتمع والاقتصاد، وتأسيس دولة قادرة على استثمار مواردها البشرية والجغرافية لبناء مستقبل أفضل.
ولم يكن حلم الوحدة في جوهره مجرد مشروع لضم إقليم إلى آخر، بل تعبيراً عن تطلع إلى تجاوز الحدود السياسية التي خلفها التاريخ، وإقامة إطار وطني مشترك يستطيع اليمنيون في ظله المشاركة في إدارة شؤونهم وتحقيق التنمية والاستقرار.
لكن الانتقال من دولتين إلى دولة واحدة لم يستند إلى ضمانات كافية للشراكة المتكافئة، ولم تنجح الترتيبات السياسية في بناء الثقة الضرورية بين الطرفين. فقد دخل كل منهما تجربة الوحدة مثقلاً بمخاوفه وحساباته، بينما ظلت المؤسسات الجديدة أضعف من أن تستوعب التنافس على السلطة وتديره وفق قواعد تحظى بقبول الجميع.
ثم جاءت حرب 1994 لتعمّق الأزمة، وتحوّل الوحدة، في نظر قطاعات واسعة من الجنوبيين، من مشروع للشراكة إلى تجربة ارتبطت بالإقصاء واختلال موازين السلطة والثروة وتراكم المظالم. وبذلك تعرضت شرعية المشروع الوحدوي نفسه لضرر عميق، لأن الوحدة لا تستمد استدامتها من النصوص الدستورية وحدها، وإنما من شعور المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الدولة، وأن حقوقهم ومصالحهم ليست خاضعة لإرادة الطرف الأقوى.
ومع ذلك، فإن القراءة التاريخية المسؤولة لا تقتضي اختزال ما حدث في تفسير واحد، أو ردّ جميع إخفاقات التجربة إلى مؤامرة خارجية، أو تحميل مجتمع بأكمله مسؤولية قرارات نخبه. فهناك مسؤوليات داخلية تتصل بطريقة إدارة الوحدة، واحتكار السلطة، والحرب، وتراكم المظالم، إلى جانب تأثيرات إقليمية ودولية ساهمت في تشكيل مسار الأحداث.
إن الاعتراف بهذه الحقائق ليس دفاعاً عن الوحدة القائمة على الإكراه، وليست انتقاصاً من حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي، بل هو شرط لفهم الأزمة وإعادة التفكير في مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب على أساس الحرية والعدالة والرضا المتبادل.
فلا يجوز أن تتحول الوحدة إلى مقدس سياسي يُمنع نقده، كما لا ينبغي أن يتحول نقد تجربة الوحدة إلى مبرر لإعادة إنتاج الصراعات والإقصاء في إطار سياسي جديد.
حين يصبح الوطن ساحة لصراعات الآخرين
تكشف الأزمة اليمنية الراهنة أن إخفاقات بناء الدولة لم تبقَ محصورة في العلاقة بين الشمال والجنوب، بل امتدت لتصيب اليمن كله، وتفتح المجال أمام تعدد السلطات ومراكز القوة المسلحة، وانقسام المؤسسات، وتراجع الاقتصاد، وتزايد الاعتماد على القوى الخارجية.
لقد أسهمت عوامل داخلية، من بينها ضعف المؤسسات، واحتكار السلطة، وتسييس الهويات، وانتشار السلاح، وغياب التوافق على قواعد الحكم، في تهيئة البيئة التي اتسعت فيها التدخلات الإقليمية والدولية. ومع تفاقم الصراع، ازدادت قدرة القوى الخارجية على التأثير في مساراته، مستفيدة من انقسامات اليمنيين وتعارض حسابات القوى المحلية.
وهنا ينبغي التمييز بين التعاون مع الخارج وبين الارتهان له. فليس من الواقعية السياسية تصور أن اليمن يستطيع العيش بمعزل عن محيطه الإقليمي أو عن المجتمع الدولي، ولا أن كل علاقة خارجية تعني بالضرورة انتقاصاً من السيادة. فالعلاقات المتوازنة، والوساطات الدبلوماسية، والشراكات الاقتصادية، يمكن أن تساعد في معالجة الأزمات ودعم إعادة البناء.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح مصالح القوى الخارجية هي المحدد الأساسي لقرارات الأطراف اليمنية، أو حين تتحول المساعدات والدعم السياسي والعسكري إلى أدوات لإدامة الانقسام، أو حين يُستخدم اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن السيادة الوطنية لا تعني الانعزال، بل امتلاك القدرة على تحديد المصالح الوطنية والتفاوض بشأنها، وإقامة علاقات متوازنة لا تسمح بتحويل البلاد إلى أداة في صراعات الآخرين.
وقد أثبتت التجربة أن الاستقواء بالخارج قد يمنح بعض القوى المحلية تفوقاً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج شرعية وطنية راسخة، أو بناء مؤسسات تحظى بثقة المجتمع، أو ضمان سلام مستدام. كما أن إضعاف الخصم لا يعني بالضرورة تقوية الدولة، والانتصار العسكري لا يعادل بالضرورة انتصاراً سياسياً قادراً على إنهاء الصراع.
ما الذي ينبغي أن نتعلمه من الرابع عشر من أكتوبر؟
إن استعادة معنى ثورة أكتوبر تقتضي نقل النقاش من تبادل الاتهامات بشأن الماضي إلى التفكير في الشروط التي تسمح ببناء مستقبل مختلف. ويمكن تلخيص أهم الدروس في خمس قضايا مترابطة.
أولاً: الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة.
لقد اكتسبت حركات التحرر شرعيتها من مقاومة الاستعمار وتحقيق الاستقلال، لكن شرعية النضال التاريخي لا تمنح أي حزب أو قيادة حقاً دائماً في احتكار السلطة. فالدولة الحديثة تحتاج إلى شرعية تتجدد من خلال الدستور، والمشاركة السياسية، والمساءلة، والانتخابات الحرة، واحترام الحقوق. ولا يمكن حماية الإنجازات الوطنية إذا ظلت مؤسسات الحكم خاضعة لموازين القوى الشخصية أو الحزبية أو القبلية أو العسكرية.
ثانياً: تجاوز منطق الغلبة والإقصاء.
لا يستطيع اليمن أن يستقر إذا استمر الصراع على أساس انتصار الشمال على الجنوب، أو الجنوب على الشمال، أو احتكار أي حزب أو جماعة أو قوة مسلحة لحق تمثيل المجتمع. كما لا يمكن معالجة المظالم الجنوبية بمجرد الدعوة إلى الوحدة، أو مطالبة المتضررين بنسيان تجاربهم، من دون الاعتراف بما تعرضوا له ووضع ضمانات حقيقية لعدم تكراره.
وفي المقابل، فإن أي مشروع لمستقبل الجنوب يحتاج إلى توافق اجتماعي وسياسي واسع، وإلى احترام تعدد الآراء والمصالح داخله، وإلى ضمان الحقوق والحريات لجميع سكانه. فالتخلص من هيمنة سياسية لا ينبغي أن يؤدي إلى إقامة هيمنة أخرى.
ثالثاً: جعل شكل الدولة نتيجة للتوافق لا سبباً لاستمرار الحرب.
إن الجدل حول الوحدة أو الانفصال أو الدولة الاتحادية لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن معالجة المشكلات الجوهرية التي قادت إلى الأزمة. فالمهم هو بناء نظام سياسي يضمن الحقوق، ويوزع السلطة والثروة بعدالة، ويمنع احتكار القرار، ويحمي المجتمعات المحلية، ويتيح مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم.
ويمكن أن تتخذ التسوية المستقبلية أشكالاً دستورية وسياسية مختلفة، لكن نجاح أي صيغة يتوقف على مدى قبول اليمنيين بها، وقدرتها على حماية حقوقهم، ووجود ضمانات مؤسسية تحول دون العودة إلى الإكراه والعنف.
ولذلك، فإن المطلوب ليس فرض تصور مسبق لشكل الدولة، بل توفير عملية سياسية حرة وموثوقة تتيح لليمنيين مناقشة خياراتهم وتحديد مستقبلهم من دون تهديد أو إقصاء أو تدخل يفرض عليهم إرادة خارجية.
رابعاً: تحويل المصالحة إلى عملية وطنية شاملة.
لا يمكن بناء المستقبل عبر مطالبة الضحايا بتجاوز الماضي، أو التعامل مع الانتهاكات والمظالم باعتبارها وقائع ينبغي نسيانها. فالمصالحة الجادة تبدأ بالاعتراف بالمعاناة، وكشف الحقائق، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين وفق إجراءات عادلة، ووضع ضمانات مؤسسية تمنع تكرار الانتهاكات.
ويشمل ذلك مراجعة تجارب الصراع في جنوب اليمن، وأحداث يناير 1986، وحرب 1994، وما تلاها من مظالم، وصولاً إلى الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب الراهنة. وليس الهدف من هذه المراجعة إعادة فتح الصراعات من أجل الانتقام، بل تحرير الذاكرة الوطنية من الاستخدام السياسي، وبناء فهم مشترك يساعد الأجيال الجديدة على تجاوز إرث العنف.
خامساً: استعادة استقلال القرار الوطني.
لا يمكن لليمن أن يستعيد دولته ما دامت القوى المحلية تتعامل مع الدعم الخارجي بوصفه بديلاً عن بناء التوافق الداخلي. فالسياسة الخارجية الفاعلة لا تقوم على الارتهان لمحور إقليمي ضد آخر، ولا على تحويل الخلافات بين الدول إلى مبرر لإدامة الانقسام الوطني، بل على تنويع العلاقات، وحماية المصالح الوطنية، وإخضاع الاتفاقات والتفاهمات للشفافية والمساءلة.
ويقتضي ذلك أن تتفق القوى اليمنية، قبل كل شيء، على أن أمن البلاد واستقرارها وحقوق مواطنيها ينبغي أن تكون المرجعية الأساسية لأي علاقة خارجية، وأن الدعم الدولي والإقليمي يجب أن يساعد في إنهاء الصراع وبناء المؤسسات، لا أن يتحول إلى أداة لتكريس الانقسام.
نحو عقد سياسي جديد
إن الأزمة اليمنية ليست مجرد أزمة في شكل الدولة أو في توزيع السلطة بين الشمال والجنوب، بل هي، في جوهرها، أزمة ثقة وقواعد مشتركة للحكم، وأزمة علاقة بين المجتمع والسلطة، وبين المصالح الوطنية وحسابات النخب والقوى الخارجية.
ولهذا، فإن تجاوز الوضع الراهن يحتاج إلى عقد سياسي جديد، لا يُبنى على انتصار طرف أو هزيمة آخر، بل على الاعتراف بالتعدد، وضمان الحقوق، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وإقامة مؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة، واحتكار الدولة للسلاح وفق ترتيبات متفق عليها، وإخضاع الخلافات السياسية للقانون والوسائل السلمية.
ولا يكفي أن تتوصل القيادات إلى تفاهمات مؤقتة إذا ظلت المجتمعات المحلية مستبعدة من تقرير مستقبلها، أو إذا لم تُعالج المظالم التي راكمت انعدام الثقة. فالتسوية المستدامة تحتاج إلى مشاركة سياسية واجتماعية واسعة، وإلى ضمانات تمنع احتكار الدولة مجدداً من أي طرف.
كذلك، لا ينبغي أن يكون الحديث عن الدولة الجديدة غطاءً لتأجيل القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة الناس اليومية. فاستعادة المؤسسات، ودفع الرواتب، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء التعليم والصحة والاقتصاد، ليست قضايا ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التسوية السياسية، بل هي جزء من بناء الشرعية والثقة في أي مشروع وطني.
التحرر الذي لم يكتمل
في ذكرى الرابع عشر من أكتوبر، لا ينبغي أن نضع تاريخ الكفاح ضد الاستعمار في مواجهة الحاضر، بل أن نستعيد قيمته لنختبر واقعنا على ضوئه. لقد خاض جيل الاستقلال معركة كي يمتلك اليمنيون حق تقرير مصيرهم؛ أما معركتنا اليوم فهي أن نستعيد هذا الحق من هيمنة السلاح، ومن ثقافة الإقصاء، ومن التبعية، ومن العجز عن بناء توافق سياسي واجتماعي حول مستقبل البلاد.
إن الخطر الأكبر ليس فقط في ضياع الدولة التي تأسست بعد الاستقلال، أو في تعثر مشروع الوحدة، بل في استمرار إنتاج الشروط نفسها التي قادت إلى الأزمات السابقة: احتكار السلطة، وتحويل الخلاف إلى عداوة وجودية، وتقديم الولاءات الضيقة على المصلحة العامة، والاعتقاد بأن الاستقواء بالخارج يمكن أن يحل محل التوافق الوطني.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في هذه الذكرى ليس فقط: لماذا عجزنا عن الحفاظ على الدولة التي ناضلنا من أجل استقلالها؟ بل أيضاً: كيف نمنع القوى التي تتنافس اليوم على تمثيل اليمن من إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أدت إلى تفككها؟
إن الإجابة لا تكمن في استعادة الماضي كما كان، ولا في فرض صيغة سياسية جاهزة على المستقبل، وإنما في امتلاك الشجاعة لإجراء مراجعة تاريخية صادقة، والاعتراف بالأخطاء والمظالم، وتحرير الوطنية من الاحتكار الأيديولوجي والمناطقي، وإعادة السياسة إلى وظيفتها الأصلية: إدارة الاختلاف والتوصل إلى تسويات تحمي المجتمع من العنف.
ولا يتوقف مستقبل اليمن على الاتفاق المسبق على أن الوحدة هي الخيار الوحيد، أو أن الانفصال هو الحل الحتمي، بل على قدرة اليمنيين على بناء عملية سياسية حرة يحددون من خلالها شكل علاقتهم ومستقبل دولتهم، مع ضمان حقوق المواطنين والمساواة بينهم، بعيداً عن الإكراه والتدخلات الخارجية.
فلا وحدة مستدامة من دون شراكة عادلة، ولا استقلال مكتمل من دون قرار وطني مستقل، ولا دولة قوية من دون مؤسسات تحمي مواطنيها وتخضع للمساءلة، ولا سلام حقيقي من دون الاعتراف بالمظالم ومعالجتها.
لقد كانت ثورة الرابع عشر من أكتوبر معركة من أجل أن يكون اليمنيون أحراراً في وطنهم. والوفاء الحقيقي لتضحيات جيل الاستقلال هو ألا نورّث أبناءنا وطناً ممزقاً تتنازع قراره القوى الداخلية والخارجية، بل أن نعمل من أجل يمن يستطيع أبناؤه، شمالاً وجنوباً، أن يقرروا مستقبلهم بحرية، ويختلفوا من دون أن يقتتلوا، ويتعاونوا من دون أن يتنازلوا عن حقوقهم، وينفتحوا على العالم من دون أن يرتهنوا لإرادة أحد.
المجد لمن قاوموا الاستعمار، والوفاء لتضحياتهم لا يكون بتمجيد الماضي وحده، بل بالتعلم من إخفاقاته، واستعادة حق اليمنيين في بناء دولة تحمي حريتهم وكرامتهم وتقرير مصيرهم.


