«صحيفة الثوري» – (رأي):
عبدالباري طاهر
تَحُلُّ علينا ذكرى العيد الوطني الثَّالث والسِّتين لثورة الرَّابع عَشرَ من أكتوبر 1963. كانت الرَّابِع عشر من أكتوبر حركة التَّحرُّر العربية الثَّامنة بعد الجزائر، وكانت تخوض كَفاحًا مُسلَّحًا ضد الاستعمار البريطاني الذي احتل الجنوب طيلة 138 عَامًا، فَارضًا الحماية على خمسة وعشرين مَحمِيَّة ما بَينَ سلطنة، ومشيخة شِبه إقطاعية.
تَصَدَّرَت الجبهة القَومِيَّة الكفاح المُسلَّح؛ مَسنُودةً بالثَّورة الوَطنِيَّة؛ ثورة السَّادس والعشرين من سبتمبر 1962، ودعم الثَّورة المِصريَّة؛ بزعامة القائد العربي جمال عبدالنَّاصر، وسوريا، والعراق، والجزائر، وحركات التَّحرُّر الوطني العالمية، والاتحاد السُّوفيتي، والصِّين الشَّعبية، والدِّيمقراطيات الشَّعبيَّة.
وَقَفَ الشَّعب اليمني إلى جانب الكِفاح المُسَلَّح الوطني، وكانت عدن، منذ أربعينيات القرن الماضي، الأمَّ الرَّؤوم، والقابلة الأولى لولادة الأحزاب القديمة والحديثة، والتكوينات المُعَبِّرَة عن المَدنَيَّة، والإسلامية الكبرى، ورابطة أبناء الجنوب العربي، وحزب الأحرار الآتي قادته من شمال الوطن.
كانت حركة القوميين العرب 1957، وحزب الشَّعب الاشتراكي 1962، وحزب البعث العربي 1956، واتحاد الشَّعب الدِّيمقراطي 1961، هي حصيلة ولادة الأحزاب القَوميَّة والمَاركسيَّة.
ولم يكن تنظيم الضُّباط الأحرار في صنعاء بَعِيدًا عن تأثيرات النَّشاط السِّياسي والحربي في عدن، والمنطقة العَربِيَّة؛ خُصُوصًا بعد الثَّورة القَوميَّة في مصر، في 23 يوليو، 1952، وانتصار الثَّورة في الجزائر، والثَّورات في سوريا، والعراق، وحركات التَّحرُّر في العالم.
مجد الرَّابع عشر من أكتوبر تحقيق السِّيادة، والاستقلال، والانفتاح على العصر، وجذرية اتجاهها القومي، والأممي، والإجراءات السِّياسِيَّة المعادية للرَّجعية، والاستعمار، وبناء كيان حضاري متقدم حَقَّقَ مكاسب وإنجازات اجتماعية واقتصادية وثقافية مُهِمَّة وَضَعتْ جمهورية اليمن الدِّيمقراطية الشَّعبِيَّة في مقدمة الصُّفُوف في حركات التَّحرُّر القَومِيَّة والعَالمِيَّة.
امتازت حركة القُومِيِّين العرب، منذ البداية، بالاهتمام بالعُمَّال، والطُّلاب، وَالفَلاحين، وأبناء الرِّيف، وأصحاب الحِرَف، والكادحين. والملمح أنَّهَا، ومن خلال الجبهة القومية التي ضَمَّت عِدَّة مُنظَّمَات، لم تطرح نفسها كحزب؛ وهو ما تشير إليه الدُّكتورة إلهام مانع في كتابها «الأحزاب والتَّنظيمات السِّياسِيَّة في اليمن 1948-1993.. دراسة تحليلية»؛ بقولها: “ويرتبط ذلك أنَّ الجبهة القومية أعلنت عند إعلان تأسيسها بأنها ليست تنظيمًا حزبيًّا، ولا تقوم على أسُس حِزبِيَّة؛ الأمر الذي مَكَّنَ العديدَ من الأفراد غير المقتنعين بالأحزاب كإطار للعمل الوطني من الالتحاق بها. وبالرغم من عدم موضوعية هذا الإعلان، إلا أنَّهُ وَفَّرَ واجهة دعائية أبرزتها في صورة بوتقة وطنية لكافة العناصر والفئات المؤيدة لِلنِّضَال”. أ.هـ.
وَحَقيقةً إنَّمَا عَنَى ذلك أيضًا إدراك طبيعة مرحلة الكفاح ضد الاستعمار البريطاني (العدو الأجنبي) الذي يجب أن تتوحَّدَ في مقاومته كُلِّ القُوَى الشَّعبيَّة؛ وهو ما دفع المُفَكِّر التَّقدمِي عبدالله عبدالرَّزاق باذيب إلى التَّخلِّي عن العمل باسم حزب الاتحاد الشَّعبي الديمقراطي، والالتحاق بالكفاح المُسَلَّح من خلال «صحيفة الأمل»؛ باسم الشَّبيبة الدِّيمقراطية؛ ولاحقًا باسم رفاق الشَّهيد السَّلَفي، وَقَدَّمَ الأستاذ عبدالله باذيب مُساهمات جليلة.
كانت الجبهة القومية أكثر التَّيارات استيعابًا لطبيعة الصِّرَاع، ورفضت، منذ البداية، الرِّهَان على وعود المستعمر بمنح الاستقلال؛ كما رفضت أسلوب مراكز القُوَى المِصرِيَّة التي فرضت الدَّمج القَسرِي في 13 يناير 1966، واعتمدت الجبهة على التَّأييد الشَّعبي اليَمني، ودعم الخلفية الوطنية في تعز وإب ومأرب.
ثوار الرَّابع من أكتوبر وفدائيوها وقادتها الأشاوس قَدَّمُوا الأنموذج الأسمى لِكُلِّ مناضلي حركات التَّحرُّر الوطني العربي والعالمي، وكانوا الأبعد عن شُبهَات المال العام، أو العمالة، ولم يكن يعيبهم سِوى احتكار السُّلطة، وقمع الآخر، ثم قمع أنفسهم.
كان أعداؤهم أعداء الرَّابع عشر من أكتوبر، وكان أعداء السَّادس والعشرين من سبتمبر يعدون العُدَّة للخلاص منهم، وتصفية الحساب مع الثَّورة اليمنية: سبتمبر، وأكتوبر، وتدمير الوحدة، وتمزيق اليمن شَرَّ مُمَزَّق؛ ولكن يمن أكتوبر وسبتمبر والثاني والعشرين من مايو 1990، لا يزال يملأ الذَّاكِرَة.. وما ثورة الرَّبيع العربي ببعيد.


