صحيفة الثوري – دراسات
عبدالجليل عثمان
بطولات في تاريخ العرب
لقد صنعت البطولات في تاريخ الأمم من غير العرب أساطير وملاحم. أما العربي المرتبط دائماً بروح الفروسية والصدق، فلم يسمح لخياله أن ينبت أساطير إلا في مرحلة متأخرة، لكنه ترك قصصاً تجسد البطولات التي عاشت في نفوس المقاتلين.. وقصة أسماء بنت أبي بكر حين دخل عليها ابنها عبدالله وهي عمياء، وقد بلغت مئة عام، فقال: «يا أماه، ما ترين؟ فقد خذلني الناس، وخذلني أهل بيتي»، فقالت: «لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عِش كريماً، ومُت كريماً».
إن نواة قصص الحروب كانت قائمة لمن استبسلوا دفاعاً عن قناعات خاصة، ومن زاوية الفن والاستشهاد أيضاً. ولعلي أول وثيقة في أدب الحرب القصصي أيام العرب في الجاهلية، بما نقله الرواة، كانت ملابسات المعارك والمفاوضات بين الأطراف المتنازعة؛ أما المعركة فيصفها المشاهدون: من ثبت ومن انهزم، ومن كان المُجلي والفارس والمُعلِّم… فالجانب القصصي كان أميناً للواقع والحقيقة في تلك الأخبار المتناقلة في الأسْمار، والتحريض والفخر، ومن هنا نمت القصة كما في الشعر في تراثنا العربي منذ فجر التدوين. ومن أراد أن يعرف هذا اللون من أدب الحرب المرتبط بالمعارك، فليَرجع إلى حرب يوم ذي قار (أول يوم انتصف فيه العرب من العجم)، كما قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
بدأ الأمر صغيراً، كما تبدأ النار من شرارة.. رفض هانئ بن قبيصة أن يسلّم دروع النعمان، فغضب كسرى وأراد أن يستأصل بكر بن وائل، وكانت معارك، وانتصر العرب على الفرس، وبذلك صار هذا اليوم أفضل يوم في عرفهم، فقد أيقظ إحساسهم بأهمية الرابطة العربية بينهم.. وقال العديل العجلي:
ما أوقد الناس من نار لمكرمةٍ – إلا اصطلينا وكنا موقد النار
وما يعدّون من يوم سمعت به – للناس أفضل من يوم بذي قار
جئنا بأسلابهم والخيل عابسةً – لما استلبنا لكسرى كل أسوار
لقد خلّف لنا يوم ذي قار وغيره من أيام الجاهلية والإسلام الكثير من الشعر والنثر، وقدّموا لوحات من صور الحرب في الجودة عن تلك التي خاضتها الحروب في أدب الأمم الأخرى.. وهذا أعشى بكر يرصد انفعالات المعارك فيقول:
وجند كسرى غداة الحنو صبحهم – منا غطاريف تزجي الموت فانصرفوا
فيها فوارس محمود لقاؤهم – مثل الأسنة لا ميل ولا كشف
لما التقينا كشفنا عن جماجمنا – ليعلموا أننا بكر فينصرفوا
لو أن كل معدٍّ كان شاركنا – في يوم ذي قار ما أخطأهم الشرف
إن فرسان العرب، كما رآهم أعشى بكر، لا يتراجعون عن مواقعهم، يصمدون ويكشفون رؤوسهم ليعلم العدو منهم، وتلك كانت غاية الفخر في أيامهم.. بسيوفهم يختطفون رؤوس الأعداء، وحينما ناداهم هؤلاء للمصالحة رفضوا. لكن الحرقة من التجزئة تظل كبيرة!! في حياة العرب، فلو شاركت معدّ كلها في يوم ذي قار لنالت شرفاً عظيماً. (وهذا موضع شكوى اليمنيين في حربهم ضد المليشيات الحوثية).
فقدّرها أبو تمام آنذاك بأصالة حسه الحربي حين قال:
لئن فخرت يوماً تميم بقوسها – وزادت على ما وطدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم – عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
والظريف فيما رواه العرب في كتبهم، وهو من صميم أدب الحرب، أنهم لم يصوروا المواقع والمعارك والمشاركين فيها فقط، بل رسموا في أخبارهم صوراً لبعض الأحداث الجانبية، تبرز معها البطولات مرتبطة بانفعالات الحياة الفردية الأخرى التي لا يمكن أن يغطيها زخم المعركة وحده.
على هامش معركة القادسية مثلاً
وما نُقل عن الرواية التي تعبّر عن الروح العامة، وتلقي الضوء على زوايا معتمة لأنها تقع خارج ميدان الغبار والسيوف. تقول الرواية: «كان سعد بن أبي وقاص قد حبس أبا محجن الثقفي وقيده في قصره، فلما اشتد القتال صعد إلى سعد يسأله تسريحه للغزو مع المسلمين، فردّه، فنزل حتى أتى سلمى، فقال: يا سلمى، هل لك إلى خير؟ فقالت: وما ذاك؟ قال: تخلّين عني وتعيرينني البلقاء، فلله عليّ إن سلّمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في القيد. فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده ويقول:
كفى حزناً أن تُردى الخيل بالقنا – وأُترك مشدوداً عليّ وثاقيا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة – فقد تركوني واحداً لا أخاً ليا
ولله عهد لا أخيس بعهده – لئن فرجت ألا أزور الحوانيا
فقالت سلمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، وأطلقته، أما الفرس فقالت: لا أعيرها، فأخرجها من باب القصر، وحمل على ميمنة وميسرة القوم، يلمح برمحه وسلاحه بين الصفين، وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، وقال بعض الناس: إن كان الخضر يشهد الحروب، فنظن أن صاحب البلقاء الخضر. وقال بعضهم: لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا مَلَك… ثم حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج، وأعاد رجليه في قيديه، وقال:
لقد علمت ثقيف غير فخر – بأنا نحن أكرمهم سيوفاً
فقالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شيء حبسك هذا الرجل؟ فقال: كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا شاعر يدبّ الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحياناً، فيساء لذلك ثنائي. وحبسني حين قلت:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة – تروي عظامي بعد موتي عروقها».
وكانت سلمى غاضبة لسعد عشية أغواث، فصالحته وأخبرته بخبر أبي محجن، فدعا به وأطلقه.
أما قصة هذه المغاضبة فهي طريفة وجديرة بأن تُروى، فربما كان فيها شيء من إنصاف النساء العربيات.
في معركة أرماث التي سبقت يوم أغواث، كان شديداً على العرب، وقد استبسل فيه الفرس. «رأت سلمى، المثنى بن حارثة سابقاً ثم زوج سعد، ما حل بالقوم يوم أرماث، وما صنع أهل فارس بهم، فصاحت: وامثنياه! لا مثنى للخيل اليوم!» وقال سعد، وكان ضجراً من نفسه ومن أصحابه: «أين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحى، يعني أسداً وعاصماً وخيله؟» فقالت: «أغيرة وجبناً؟!» قال: «والله لا يعذرني اليوم أحد إذا أنت لن تعذريني، وأنت ترين ما بي!»
كان الرجل يطلب العذر من زوجته إذا هو حارب ولم ينتصر، وكذلك كانت المرأة لا تعذر زوجها إذا هو لم يحارب ولم ينتصر؛ لا لأن النصر وقاية لها من أن يُستباح حماها، بل وكذلك لأنها، بحكم العرف السائد، تريد زوجها وأباها وأخاها وابنها فرساناً يهزمون الفرسان، وإلا دميت مهجتها من فرط خجل بهم وبنفسها، حتى كان التاريخ والتراث العربي تاريخ فرسان.. «١»
١- أدب الحرب، د. نجاح العطار وحنا مينه، بتصرف.


