آخر الأخبار

spot_img

أدب الحرب وثقافة المقاومة – 6

صحيفة الثوري – دراسات 

عبدالجليل عثمان

حياة الشاعر مع الحرب

مع البيئة القاسية في حياة الجاهلية وصدر الإسلام وما بعده كانت الظواهر اليومية تملأ حياة الشاعر، وقد واجه مشكلة الحياة والموت مع الحرب، تحددت هذه الصورة (الموت آتٍ والموت محتم، والموت كالحياة لا خيار فيه، ولا يجدي معه جبن أو هروب، والتفكير فيه لا يحل مشكلته، وكما يتقبل الإنسان الحياة يتعلم كيف يتقبل الموت، ومن أجل هذا يركب المخاطر، سواء رأى الكون نهاية دوره، أو كان مؤمناً يرى الانتقال إلى عالم أرحب، من أجله تهون الحياة). فأدركوا الحتمية فتقبلوها، وخاطب طرف:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي –
فدعني أبادرها بما ملكت يدي

وذلك هو غاية التحدي في مواجهة الموت، والتحرر من الخوف يعيد للفرد حريته الذي استلبها الحذر والسقوط في التوقعات الحزينة. وعنتر فارس العرب يقول:

بكرت تخوفني الخوف كأنني –
أصبحت من غرض الحتوف بمعزل.
فأجبتها أن المنية منهل –
لابد أن أسقى بكأس المنهل.
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي –
أني امرؤ سأموت إن لم أقتل.

وكان يمكن للإيمان بالموت كضرورة أن يتحول إلى الحذر فالجبن، أو ينسجم مع عقلية الفرسان حين رأوا أنه لا مبرر للذعر أمام الموت، فالجبن نفسه موت، والعربي لا يستطيع أن يموت مرات، لا يعني هذا أن الشجاعة كانت مطلقة عندهم فوق المستوى الإنساني، فقد قدموا اعترافات على لسان مشاهير وشعراء كبار من الجاهلية إلى الإسلام فيها مصارحة الذات والصدق معها، واعترفوا بلحظات الضعف والتردد، وصرخة القتال في دمهم باندفاع واستبسال التي يرخص أمامه كل شيء.. يقول ابن الإطنابة في يوم صفين كي يثبت نفسه:

وقولي كلما جشأت وجاشت –
مكانك تحمدي أو تستريحي.
لأدفع عن مآثر صالحات –
وأحمي بعد عن عرضي صحيح.

هي مخاطبة للنفس في ساحة الحرب، وتغليب المآثر الصالحات، على ما عداها. وتذكر المقاتل أنه يحمي عرضه، والعرض هنا يشمل كل موجودات القبيلة وأخلاقية، يعني ذات ما تعنيه قولنا الآن إننا ندافع عن أرضنا وحقنا في حريتنا ومصيرنا في اليمن.

أو ما كان المقاتل يعنيه في الحرب العالمية الثانية حين كان يدافع عن القيم الإنسانية في وجه بربرية النظام النازي… والشاعر يصور بصدق مشاعره حين يقول إنه خاف، لكنه تغلب على خوفه وحمل نفسه على المكروه.

ويزيد بن المهلب بقول حصين:

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد –
لنفسي حياة مثل أن أتقدما

فمعناه أن المقاتل لا يهرب أو ينسحب، فيعطي ظهره للخصم، فعندما يهاجم خصمه يشل قدرته على التسديد، ويأخذ منه زمام المبادرة، وليس معنى ذلك أن الشجاع لا يكر ولا يفر، أي لا يناور، بل يهاجم مباشرة، ولهذا فالشجاعة وقاية والجبن مقتلة، لأن العدو يطمع فيك ويضربك وأنت مرتبك، ويلاحقك وأنت منسحب مهزوم… إن التراجع التكتيكي بغير خطة ولا نظام، كما حصل في الساحل الغربي الأسبوع الماضي، صار أمراً مفجعاً للمنسحبين من المعركة مع العدو الحوثي، وما ظهر فيها من الخيبات والخيانات على الرغم من الإمكانيات العسكرية الكبيرة والتي تركت للعدو.. فقد كان أكثر فائدة أن يكون الهجوم على العدو، وأقل خسارة من التراجع، لذلك فيقال في العلم العسكري “الهجوم أفضل وسيلة للدفاع”.

طبيعي أن يوجد بعض المتخاذلين والمترددين، ولحظات من الضعف، وغياب غرفة العمليات، لكن الشجعان والضباط الوطنيين، كان يفترض أن يتغلبوا على ضعفهم وعلى استعادة زمام المبادرة طالما كانت لديهم الإمكانيات العسكرية اللازمة، ولا زال المجتمع مصدوماً مما حصل وما نشر من روايات للهزء والسخرية والتسلية بالقيادات التي خانت شرفها العسكري، ولا زال هناك أمل بالنصر واستعادة زمام المبادرة، وتقييم ما جرى واستعادة ثقة المقاتلين في النصر ومحاسبة من تسبب في هذه الفجيعة.

يذكر التاريخ أن الموت عند العرب قعصاً، أن عبدالله بن الزبير خطب في الناس حتى بلغه مقتل أخيه مصعب فقال: (إن يقتل فقد قتل أبوه وأخواه وعمه، أنا والله لا نموت حتفاً، ولكن نموت قعصاً بأطراف الرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف)”1″.

إن البسالة مثل أعلى، وهذا الشعار شائع بين الناس، إنه تعبير عن الرأي القائل ((إذا كنت لا تخشى حفرة القبر فأنت قادر على أن تفعل ما تريده)) وهو رأي أحد رواد الفكر الاشتراكي، وفيه تحقير للميتة المجانية التي يخشى صاحبها حفرة القبر ثم يصير إليها، وعبدالله بن الزبير في مفاخرته بمقتل أبيه وأخويه وعمه كان يرسم تلك الفكرة التي عبر عنها ثوريو القرن التاسع عشر، والتي تقول إن الثوري إنسان وهب نفسه للشهادة، فكانوا يسمون أنفسهم الشهداء الأحياء.

وقد ضرب البطل خالد بن الوليد بنفسه مثلاً أعلى على مواجهة الموت بالتحدي الذي للبطولة، يرهب الموت ويحفظ البطولة، وعبر عنها المتنبي تعبيراً بليغاً بقوله:

تمرست بالآفات حتى تركتها –
تقول أمات الموت أم ذعر الذعر.

أي أنت تعطي نفسك للموت في سبيل قضية تناضل من أجلها، يهابك الموت ويتراجع أمامك، ويكون عليك أن تلاحقه، فلا تدركه في المعركة، ويدركك في الفراش، والمثل الآخر الأعلى للبسالة هو الكرامة وارتباطها بقيمة كفاحية تكون الحياة معها شريفة عزيزة أو لا تكون.. فالذل مرفوض، وهو ما عبر عنه الحجاب بن حكيم بقوله:

تعرض للطعان إذا التقيا –
خدود ألا تعترض للطام.

ومع الزمن واتساع أفق الحياة وبروز القيم الروحية أخذ الموت في المعارك معنى وأعمق، صار استشهاداً يمجده الشعراء كما يمجده الناس جميعاً..

فأبو تمام يقول:

فأثبت في مستنقع الموت رجله –
وقال لها من تحت أخمصك الحشر
تردي ثياب الموت حمراً فما دجا –
لها الليل إلا وهي من سندس خضر..
يستعذبون مناياهم كأنهم –
لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا.

هنا البطولة الملحمية التي تمجد الشهداء في وقائع الثبات والاستبسال، ويستعين بالأمنية كي تغدو هي الحقيقة.


المرجع
1- د. نجاح العطار وحنا مينه بتصرف

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img