آخر الأخبار

spot_img

الهجوم الخاطف في سبعة أيام الذي غيّر مسار الحرب في اليمن.. كيف استولى الحوثيون على الساحل الغربي لليمن وطرقوا أبواب باب المندب؟!

«صحيفة الثوري» – «مجلة نيو لاينز»:

محمد القاضي

هناك لحظات في الحرب اليمنية الطويلة يتغير فيها شكل الخريطة أسرع مما يستطيع السياسيون استيعابه. وكان انهيار الساحل الغربي هذا الشهر واحدة من تلك اللحظات.

الهجوم الخاطف الذي شنه الحوثيون، وسيطرتهم على مواقع رئيسية حول مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، يشكلان نقطة تحول في الحرب اليمنية المستمرة منذ 12 عاماً. فقد أعادا رسم موازين القوى داخل البلاد، وفتحا الباب أمام تداعيات تتجاوز اليمن بكثير.

وبوصولهم إلى واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، أضاف الحوثيون بُعداً استراتيجياً جديداً إلى الصراع، ومنحوا إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة، إلى جانب نفوذها القائم حول مضيق هرمز. كما يمثل هذا التطور تحدياً كبيراً للسعودية ودول البحر الأحمر الأخرى، ولأمن الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر.

لسنوات، كان الاحتفاظ بالساحل الممتد من المخا إلى باب المندب يُعد واحداً من أهم الإنجازات العسكرية للقوى التي تقاتل الحوثيين.

في عام 2017، شقت القوات المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية، ولا سيما القوات التي دعمتها وقادتها الإمارات العربية المتحدة، طريقها جنوباً على امتداد الساحل في عملية عُرفت باسم «السهم الذهبي». بدأت العملية في 7 يناير/كانون الثاني، وبحلول 23 يناير أُعلن استعادة المخا. وقد أمّنت المرحلة الأولى من العملية نحو 50 ميلاً من الساحل، وإن استغرق تطهير الجيوب الحوثية في المناطق المحيطة عدة أسابيع أخرى.

استغرق الوصول إلى المخا آنذاك نحو 16 يوماً. وبعد نحو عقد، تبدلت السيطرة على الجغرافيا نفسها في غضون سبعة أيام تقريباً.

في 4 سبتمبر/أيلول، شن الحوثيون هجوماً خاطفاً واسعاً اجتاح حيس والخوخة، ودفع بقواتهم مجدداً إلى المخا ومداخل المضيق. ولم تخض القوات الحكومية معارك طويلة للدفاع عن المدن. وبدلاً من ذلك، انسحبت القوات التي يقودها نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح بشكل مفاجئ عند فجر 10 سبتمبر.

تابعت هذه التطورات عن كثب، وتحدثت مع مسؤولين كبار وقادة ميدانيين قبل انهيار الجبهة وأثناءه. وما سمعته كان لافتاً: فالانسحاب لم يكن مجرد نتيجة لتفوق الحوثيين على القوات الحكومية خلال الساعات الأخيرة من المعركة. لقد كان هناك قرار بالانسحاب. فلماذا اتُّخذ هذا القرار؟ وكيف نُفذ؟ ولماذا انهارت قوة عسكرية جرى بناؤها على مدى سنوات بهذه السرعة؟

تبدأ الإجابة قبل أشهر من الانسحاب، عندما بدأ الحوثيون في إعداد ساحة المعركة. فالهجوم الأخير لم يأتِ من فراغ. فعلى مدى نحو عامين، كان الحوثيون يجندون ويعبئون القوات ويستعدون لشن هجوم عسكري واسع. وتقدر قوات المقاومة الوطنية أن حجم التعبئة تجاوز 76 ألف مقاتل.

واستغل الحوثيون المواجهة مع إسرائيل لحشد المقاتلين باتجاه الساحل الغربي، بهدف تغيير ميزان القوى والسيطرة على المناطق المحيطة بباب المندب.

وتنبع أهمية الساحل من أنه يمنح الحوثيين سيطرة مباشرة على المضيق الاستراتيجي. وخلال حرب غزة، استهدف الحوثيون السفن العابرة للمضيق بصواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة، لكنهم باتوا الآن قادرين على استخدام أسلحة أخرى ضد حركة الملاحة.

كان الحوثيون يسيطرون أصلاً على الساحل الممتد من حجة إلى الحديدة. أما مكاسبهم الجديدة، فقد وسعت نطاق سيطرتهم على الساحل اليمني، وربما تمنحهم أيضاً مساحة أكبر لتهريب الأسلحة وتعزيز صلاتهم بجماعات مسلحة من غير الدول، مثل حركة الشباب في الصومال.

في 9 أغسطس/آب، دخل الهجوم مرحلته الرئيسية بإطلاق الحوثيين صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على مقر قوات المقاومة الوطنية. وسقطت أربعة صواريخ في محيط مقر صالح، لكنه نجا من الهجوم. وبحسب مصادر مطلعة على الاستعدادات، كانت قيادة الحوثيين قد اتخذت قبل أسابيع قراراً استراتيجياً بتدمير قوات صالح والقوة التي بناها على الساحل الغربي. ووفقاً لهذه المصادر، صدر القرار عن المجلس الجهادي الحوثي بقيادة عبد الملك الحوثي، بمشاركة إيرانيين ومستشارين إيرانيين في التخطيط.

ولم يكن الهدف مجرد إضعاف خصم عسكري، بل إزالة القوة التي كانت تقف بين الحوثيين وبين الوصول إلى باب المندب. فقد كانت قوات صالح تمثل عقبة رئيسية أمام عمليات الحوثيين لتهريب الأسلحة عبر القرن الأفريقي، وكانت تعترض سفنهم المستخدمة في هذه العمليات.

وكان الهجوم جزءاً من محاولة أوسع لانتزاع زمام المبادرة قبل أن تتمكن الحكومة وحلفاؤها الإقليميون من القيام بذلك.

كان الحوثيون قد بدأوا بالفعل مهاجمة مواقع حكومية بين مأرب وحضرموت الغنيتين بالنفط، بحجة أن السعودية والحكومة اليمنية تستعدان لشن عملية لاستعادة صنعاء.

لكن الحوثيين، بدلاً من انتظار تلك المواجهة، قرروا فرض المعركة وفق شروطهم هم. أما الحكومة، المدعومة من الرياض، فقد كثفت حملتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعطت انطباعاً بأن المعركة هذه المرة ستكون المعركة التي تنهي نفوذ الحوثيين. دمر الحوثيون معسكرات لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية في مناطق نائية بين مأرب وحضرموت، وصعّدوا مواجهتهم مع السعودية بعد إعلانهم ما وصفوه بـ«حصار» للسفن السعودية العابرة للمضيق.

لكن جذور التصعيد تعود إلى ما هو أبعد من ذلك.

كانت إحدى المحطات المهمة في 3 يوليو/تموز، عندما وصلت طائرة تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية من طهران إلى صنعاء. بقيت الطائرة في المطار نحو ثلاث ساعات، قبل أن تقل وفداً حوثياً إلى إيران لحضور جنازة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الذي قُتل على يد إسرائيل.

وبعد عشرة أيام، عادت الطائرة نفسها وعلى متنها الوفد الحوثي نفسه، إلى جانب خبراء إيرانيين ومعدات عسكرية متطورة، بينها محركات طائرات مسيرة ورؤوس حربية لصواريخ، بحسب مصادر مطلعة.

وسرعان ما أصبحت الطائرة جزءاً من المواجهة المتصاعدة حول مطار صنعاء. قُصف المطار. اتهم الحوثيون السعودية بالهجوم، فيما أعلنت الحكومة اليمنية مسؤوليتها عنه. واضطرت الطائرة الإيرانية إلى تحويل مسارها إلى الحديدة على البحر الأحمر.

كان مدرج مطار الحديدة قد دُمر في عام 2015. وإعادة تأهيله، إلى جانب الاستعدادات في مهابط جوية أخرى، أوحت بأن الحوثيين كانوا يستعدون لمرحلة جديدة من التصعيد.

وقالت مصادر إن مدارج أخرى أُنشئت في صعدة وذمار ومناطق أخرى.

قال الحوثيون إن رحلة «ماهان إير» كانت تهدف إلى كسر الحصار السعودي. لكن مطار صنعاء لم يكن معزولاً بالكامل؛ فالرحلات إلى عمّان استمرت، فيما كانت تجري نقاشات بشأن توسيع عملياته قبل انخراط الحوثيين في الحرب المرتبطة بغزة.

وفي مايو/أيار 2025، قصفت إسرائيل طائرات يمنية في مطار صنعاء رداً على هجمات الحوثيين على الأراضي الإسرائيلية. ورفض الحوثيون نقل الطائرات إلى دول مجاورة، مثل جيبوتي، خشية تدميرها خلال المواجهة مع إسرائيل. ودُمرت ثلاث طائرات في ضربة واحدة، وأُغلق المطار. لكن قصف مطار صنعاء في يوليو/تموز ساعد، رغم ذلك، على دفع المواجهة إلى مرحلة جديدة.

أعلن الحوثيون ما أسموه “حصاراً مقابل حصار”، ومنعوا السفن السعودية وبدأوا في استهدافها. وجاء ذلك بعدما كانت التفاهمات السعودية ـ الحوثية لعام 2022 قد جمدت معظم جبهات القتال الرئيسية. وبحلول صيف 2026، كانت العلاقة بين الحوثيين والسعودية تتجه مرة أخرى نحو مواجهة مفتوحة.

عندما بدأ الهجوم البري، كان الحوثيون قد أمضوا أسابيع في تشكيل ساحة المعركة. ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، أطلق الحوثيون بين 9 أغسطس و9 سبتمبر نحو 130 صاروخاً باليستياً، و145 طائرة مسيرة انتحارية، و15 زورقاً مفخخاً ضد القوات الحكومية. دُمر ميناء المخا، بينما تعرضت القوات المدافعة عن الساحل الغربي لحملة قصف متواصلة مع دعم جوي محدود للغاية. وحُشد عشرات الآلاف من المقاتلين، بينهم وحدات نخبة. وانتشر كبار القادة في الحوبان، شمال شرقي تعز، ومن بينهم محمد العاطفي، وزير الدفاع في حكومة الحوثيين؛ ويوسف المداني، رئيس هيئة الأركان وقائد جبهة البحر الأحمر؛ وعبد اللطيف المهدي، المعروف باسم أبو نصر الشعف، قائد المنطقة العسكرية الرابعة؛ إلى جانب مسؤولين كبار في الاستخبارات والجيش. وبحسب مصادر، شارك خبراء من الحرس الثوري الإيراني أيضاً في العملية. ومن هناك أُدير الهجوم على المخا.

ولم تكن العملية سراً.

لكن الحوثيين كانوا يخوضون معركة أخرى، على جبهة مختلفة تماماً: جبهة الاتصالات.

بعد أن تخلوا عن استخدام «كلود» خشية اختراقه من الولايات المتحدة أو إسرائيل، أفادت تقارير بأن الحوثيين شكلوا فريقاً ضم خبراء حوثيين ومن حزب الله وخبراء عراقيين.

وأُرسلت مركبات تحمل أنظمة وبرمجيات اتصالات متطورة لاعتراض اتصالات القوات الحكومية على خطوط المواجهة الممتدة من غرب تعز إلى المخا.

ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، تمكنت وحدات الحرب الإلكترونية من رصد والتنصت على 5,346 جهاز اتصال لاسلكي بالقرب من خطوط الجبهة: 3,181 جهازاً حول جبهة البرح في تعز، و2,165 حول الحديدة. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها، استُخدم النظام بعد ذلك لإرسال أوامر انسحاب إلى وحدات الخطوط الأمامية، بينما كانت المواقع نفسها تتعرض لقصف مكثف بالصواريخ والطائرات المسيرة. وكان الأثر مدمراً.

بعد سقوط مديرية الوازعية في تعز، خشي بعض المقاتلين من أن يقتحم الحوثيون ذوباب ويقطعوا خط الإمداد، خصوصاً أولئك الذين كانت عائلاتهم تقيم هناك. فتركوا بعض مواقعهم الأمامية للعودة وإنقاذ أسرهم. اعتقد السكان أن الانسحاب نهائي. أما المقاتلون، فكانوا يعتقدون أنهم سيعودون إلى مواقعهم الأمامية. لكن الوقت لم يكن في صالحهم.

وبحسب مصادر عسكرية وسياسية، أُبلغ بعض المقاتلين بقرار الانسحاب، فيما لم يُبلغ آخرون، بمن فيهم بعض القادة.

وقال أحد كبار القادة: “لقد قاتل الناس ببسالة وشراسة لأيام. حوصر بعض المقاتلين يومين، وصدوا هجمات ضخمة رغم بقائهم لساعات طويلة من دون نوم. الطائرات المقاتلة لم تظهر، ولم تُفتح جبهات أخرى بشكل مناسب، سواء في تعز أو المحافظات الأخرى، لتشتيت قوات الحوثيين وقطع خطوط إمدادهم. وهكذا جاء الانسحاب فوضوياً وغير منضبط، ولذلك تحول إلى هزيمة ساحقة”.

وبحسب المصادر، كان الهدف الرئيسي للحوثيين هو قتل صالح والسيطرة على المخا وباب المندب، بغض النظر عن العواقب. وكان الحرس الثوري الإيراني قد منح العملية مهلة عشرة أيام، وفقاً للمصادر. وقبل أيام قليلة من انهيار الجبهة، أفادت التقارير بأن عبد الملك الحوثي قلص المهلة إلى 72 ساعة. وقد تحقق الهدف في الموعد المحدد.

لكن سرعة الهزيمة لا يمكن تفسيرها بقوة الحوثيين العسكرية وحدها. كانت الجبهة الحكومية منقسمة أصلاً.

وكان سقوط الكدحة في غرب تعز مؤشراً مبكراً إلى ما سيأتي.

كانت المنطقة تحت سيطرة لواء النصر التابع لمحور تعز العسكري. وكان قائد اللواء، رامي الخليدي ، في عدن عندما هاجم الحوثيون قواته، التي كانت محدودة العدد، وفقاً للتقارير.

وفي 6 سبتمبر، سقطت المنطقة من دون مقاومة تُذكر. وكان صالح قد حذر محور تعز العسكري قبل أشهر من الأهمية الاستراتيجية للجبهة، وطالب بتعزيزها. لكن تحذيراته لم تلقَ الاستجابة التي كان يريدها، وفقاً لمصادر عسكرية.

وكان انعدام الثقة بين صالح وبعض مكونات قوات تعز، وكذلك مع حزب الإصلاح على نطاق أوسع، عميقاً.

فقد كان بعضهم ينظر إلى صالح باعتباره حليفاً لأبوظبي قبل كل شيء، رغم إعادة اصطفافه لاحقاً مع الرياض بعد التطورات السياسية والعسكرية التي أدت إلى خروج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات في أواخر ديسمبر ومطلع يناير، عندما قصفت السعودية قوات المجلس ومركبات عسكرية إماراتية في حضرموت، ومنحت أبوظبي مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن.

ولم يكن أمام حلفاء الإمارات، ومن بينهم صالح، سوى إعادة الاصطفاف مع النظام الجديد الذي أصبحت الرياض تقوده منفردة. وقد أصبحت تلك الشكوك السياسية ذات أهمية عندما بدأ القتال.

فبمجرد سيطرة الحوثيين على الكدحة، قطعوا الطريق بين المخا ومدينة تعز، وهو الطريق الذي شُيد بتمويل إماراتي.

ورأى خبراء عسكريون أن سقوط الكدحة كان تطوراً حاسماً، لأنه عزل المخا عن مدينة تعز، وعن أي إمكانية لإمداد القوات في المخا والساحل الغربي أو ممارسة ضغط عسكري على الحوثيين. ولم تُفعّل جبهات أخرى حول تعز لقطع خطوط إمداد الحوثيين أو تشتيت قواتهم بعيداً عن أهدافهم. لكن الانقسام كان أعمق من طريق واحد أو جبهة واحدة.

فقد تشكلت العلاقة بين حزب الإصلاح وحلفائه وخصومه تحت وطأة جراح عام 2011. وأوجدت سنوات الحرب تحالفات جديدة، لكنها لم تمحُ الخصومات القديمة. وعندما انهار الساحل الغربي، عادت تلك الجراح إلى الواجهة.

طالب بعض المحسوبين على الإصلاح ونشطاء آخرون بمحاكمة صالح، وحملوه مسؤولية الهزيمة، بحجة أن قواته كانت مدججة بالسلاح وكان يفترض أن تكون قادرة على الدفاع عن المنطقة.

وذهب آخرون، بمن فيهم بعض الكتاب السعوديين، إلى حد اتهام أبوظبي بالضلوع فيما حدث. لكن المشكلة الأساسية هي أن القوى المناهضة للحوثيين لم تكن يوماً جيشاً واحداً.

كانت قوات المقاومة الوطنية مدعومة من ألوية العمالقة، وهي تشكيلات سلفية أنشئت بدعم إماراتي، ومن قوات درع الوطن، وهي أيضاً ذات طابع سلفي، لكنها أنشئت بدعم سعودي.

غير أن هذه القوات لم تكن بالضرورة تعمل تحت قيادة ميدانية موحدة. وبحسب تقارير، كان بعض أفرادها لم يتلقوا رواتبهم منذ أشهر. كما أن بعضهم لم يكن يعترف بالكامل بسلطة صالح قائداً للساحل الغربي.

وهكذا كانت هناك قوة تمتلك السلاح والرجال والأرض، وتقاتل على عدة جبهات، لكنها افتقرت إلى قيادة عسكرية موحدة وفعالة في لحظة حاسمة.

أما وزير الدفاع، الذي كان يفترض أن يكون في الجبهات الساخنة، مثل الساحل الغربي، فقد اختار، وفقاً لكثيرين، الجبهة الخطأ والوقت الخطأ. فقد ذهب إلى الضالع، معقل الانفصاليين الجنوبيين، حيث تعرض موكبه لكمين واحتُجز هناك لبعض الوقت. كانت زيارة بلا جدوى.

في المقابل، واجه الحوثيون وضعاً مختلفاً تماماً. كانت قيادتهم مركزية، وهدفهم واضحاً، وتمكنت القيادة من تركيز عشرات الآلاف من المقاتلين على جبهة واحدة. وكان الفرق حاسماً. كانت كلفة الانهيار ونتائجه الإقليمية هائلة.

ففي هجوم واحد، استولى الحوثيون على نحو 2,000 ميل مربع، وعادوا إلى باب المندب بعد نحو عقد من إخراجهم منه. ولم يكن ما استولوا عليه مجرد أراضٍ. فالساحل الغربي كان يضم بنية عسكرية جرى بناؤها على مدى سنوات بدعم إماراتي كبير: مخازن أسلحة وذخائر، ومجمعات عسكرية، وأنظمة اتصالات، ومواقع استراتيجية تحيط بالمخا.

ومن بين المنشآت التي سقطت في أيدي الحوثيين ميناء المخا، الذي دمرته صواريخهم في وقت سابق؛ والمطار؛ ومحطة للطاقة الشمسية؛ والمنظومة الأمنية والعسكرية حول جبل النار، وهي قاعدة عسكرية ومركز قيادة وسيطرة أنشأته الإمارات؛ ومجمع العمري، وهو مجمع عسكري حكومي يطل على المناطق القريبة من المضيق؛ إضافة إلى المواقع الجبلية المحيطة بالمخا.

شهدت المخا خلال السنوات الأخيرة تطوراً غير مسبوق، كما نما عدد سكانها. وبجانب مأرب، أصبحت المدينة نموذجاً للتنمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

كما استولى الحوثيون على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر. ووصف رئيس استخبارات سابق النظام الذي تركته القوات خلفها بأنه «منظومة عسكرية وأمنية لدولة». ولعل العبارة تلخص بدقة ما فُقد خلال تلك الأيام القليلة. لم يكن الانهيار مجرد التخلي عن خط دفاعي. لقد كان اختفاء بنية عسكرية استغرق بناؤها سنوات. وربما كان من أفدح الأخطاء إنشاء قاعدة استراتيجية للقيادة والسيطرة في جبل النار، على بعد 11 ميلاً فقط من خط المواجهة مع الحوثيين، على ما يبدو اعتقاداً بأن الجبل سيوفر لها الحماية من الضربات.

لكن القاعدة، رغم تحصينها بما يكفي لمقاومة صواريخ الحوثيين، كانت ضعيفة بما يكفي للسقوط أمام قواتهم البرية. وبمجرد سقوطها، انهارت غرفة العمليات وفُقد الاتصال بالوحدات العسكرية. وبحسب أشخاص من المنطقة وروايات ميدانية عن المعركة، تركز القتال الحاسم في القطاع الأوسط من الجبهة الغربية. وامتد المحور الحاسم من البرح إلى مفرق المخا ومعسكر خالد فجبل النار. ثم جاء الانهيار في تسلسل عسكري واضح. تعرض مفرق البرح لضغط متزايد. ثم تهاوت المنظومة الدفاعية حول معسكر خالد. وأصبح جبل النار ومركز القيادة والسيطرة مهددين. وتدهورت الاتصالات والتنسيق. وبدأت القوات في الانسحاب. ولم تكن هناك مواقع دفاعية بديلة معدة لتحل محل المواقع التي فقدت. وأصبحت المخا أكثر عرضة للسقوط.

تكمن أهمية هذا التسلسل في أن الحوثيين لم يكونوا بحاجة إلى تدمير كل تشكيلات الحكومة في الوقت نفسه. لكن بعض المصادر قالت إن ألوية تهامة، التي تقاتل في مديريتي الخوخة وحيس في الحديدة، وهي جزء من قوات المقاومة الوطنية، حافظت على تماسك أكبر، وتمكنت من الانسحاب في الوقت المناسب قبل أن تُحاصر بالكامل. وهذه الوحدات هي التي قد تتولى زمام المبادرة في أي ترتيبات مستقبلية لهذه المناطق. وكانت الخسائر البشرية كبيرة أيضاً. فبحسب تقارير وزارة الصحة، قُتل أكثر من 700 حوثي وأصيب المئات. كما تكبدت القوات الحكومية أكثر من 500 قتيل ونحو 1,500 جريح. وقد تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك. لكن الأهمية الاستراتيجية للهزيمة تتجاوز أعداد القتلى والجرحى. فالحوثيون باتوا يمتلكون أسلحة وذخائر يمكن أن تتيح لهم مواصلة عملياتهم لأشهر. خلال الحرب المستمرة منذ 12 عاماً، ظل أحد أبرز مواطن ضعف الحوثيين هو القوة الجوية، ولا سيما في المناطق المفتوحة والمسطحة؛ فالقتال في التضاريس الجبلية الوعرة هو المجال الذي يجيدونه أكثر. وقالت مصادر إن صالح طلب دعماً جوياً أكبر، لكن الضربات المحدودة التي حصل عليها لم تتمكن من وقف الأعداد الهائلة من المقاتلين الحوثيين، ولم تفعل سوى القليل لإبطاء الانسحاب. وبعد انسحاب قواته، تحركت قوات صالح والقوات المساندة لها باتجاه خور عميرة في لحج، بينما واصل الحوثيون ملاحقتها بضربات صاروخية. جاء الدعم الجوي متأخراً، بعد أن كانت القوات قد انسحبت بالفعل.

وأُفيد بشن غارات مكثفة على أهداف حوثية على طول الساحل الغربي وفي مناطق أخرى، دمرت بعض الأسلحة التي خلفتها قوات المقاومة الوطنية، إضافة إلى مخازن جبلية. وقال الحوثيون إنهم رصدوا 450 غارة جوية خلال أسبوع واحد. وأشارت تقارير ميدانية إلى مقتل مئات الحوثيين. وأعادت الحملة إلى الأذهان الأيام الأولى لعملية «عاصفة الحزم» في مارس/آذار 2015، عندما كانت القوة الجوية تهيمن على ساحة المعركة. لكن ثمة فرقاً أساسياً بين تدمير موقع والسيطرة عليه. فالطائرات تستطيع تدمير مخازن الأسلحة ومراكز القيادة والمنشآت العسكرية. لكنها لا تستطيع احتلال جبل، أو تأمين طريق، أو حماية ميناء. تلك مهام تحتاج إلى قوات برية قادرة على العمل تحت قيادة واحدة. ولم تكن مثل هذه القوة موجودة عندما انهارت جبهة الساحل الغربي.

لا يزال الهجوم المضاد ممكناً، لكنه سيتطلب من القوات التي نجت من الانهيار إعادة تنظيم صفوفها وإنشاء قيادة متماسكة قبل محاولة استعادة الأراضي التي فقدتها. وفي الوقت نفسه، يعمل الحوثيون على تثبيت مواقعهم في المناطق التي سيطروا عليها، وهناك تقارير عن قيامهم بزرع الألغام. وكلما طال بقاؤهم هناك، أصبحت عملية طردهم أكثر صعوبة. كما يسعون إلى السيطرة على المناطق الجبلية الوعرة في تعز ولحج المطلة على المضيق، لتأمين عمقهم الخلفي، بينما يعملون بقوة على ما قد يكون هدفهم التالي: مأرب.

وسرعان ما تحول الانهيار العسكري إلى أزمة إنسانية. نزح نحو 100 ألف شخص خلال فترة قصيرة. وأفادت تقارير بأن بعض العسكريين والمدنيين تعرضوا للمضايقة من قبل قوات أمن مرتبطة بالانفصاليين الجنوبيين أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق أكثر أمناً في عدن. وجاءت موجة النزوح الجديدة فوق سنوات من النزوح المتكرر منذ اندلاع الحرب عام 2015.

بالنسبة لكثير من المدنيين، لم يكن انهيار الساحل الغربي مجرد تغيير على خريطة عسكرية. كان رحلة قسرية جديدة، ومنزلاً آخر يُترك خلفهم، ومحاولة أخرى للعثور على مكان آمن.

أما بالنسبة لطارق صالح، فتحمل الهزيمة معنى سياسياً وشخصياً عميقاً. فالقوة التي بناها بدعم إماراتي، والتي يقدر قوامها بنحو 50 ألف مقاتل، اختفت فعلياً من الساحل الغربي. فقد خسر السيطرة على ساحة المعركة وفر إلى عدن، حيث أمضى عدة أيام في القصر الرئاسي قبل أن يتوجه إلى الرياض. وكانت تلك أول عودة له إلى عدن منذ 2022.

وتاريخه لا ينفصل عن السياسة المعقدة للحرب اليمنية. في 3 يونيو/حزيران 2011، لم يتمكن طارق صالح من حماية عمه، الرئيس آنذاك علي عبد الله صالح، عندما انفجرت عبوة ناسفة من مادة C4 داخل مسجد النهدين بعد صلاة الجمعة. أصيب الرئيس بجروح خطيرة ونُقل إلى السعودية للعلاج. وبعد ست سنوات، في 2 ديسمبر/كانون الأول 2017، انقلب علي عبد الله صالح على الحوثيين بعد سنوات من التحالف معهم. اندلعت المعارك في صنعاء، وقتله الحوثيون بعد أيام من انتفاضته عليهم. فر طارق صالح من العاصمة، ووصل في نهاية المطاف إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وبدعم من أبوظبي، بدأ في بناء القوة التي ستصبح لاحقاً قوات المقاومة الوطنية، واتخذ من المخا ومحيطها قاعدة رئيسية لها. ومنذ ذلك الحين، حاول طارق صالح طي صفحة الصراعات السياسية القديمة. كانت رسالته أن الحوثيين هم العدو الرئيسي، وأن الهدف النهائي يجب أن يكون صنعاء. لكن الذكريات السياسية لا تختفي بمجرد تغير التحالفات. فبالنسبة لبعض خصومه، ظلت جراح 2011 والمنافسة القديمة بين معسكر صالح والإصلاح حاضرة بقوة. وعندما انهار الساحل الغربي، عادت تلك التوترات إلى الواجهة في اللحظة التي كانت فيها الوحدة أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

كان طارق صالح قائداً لوحدة الحرس الخاص في الحرس الجمهوري، وقائداً للواء الثالث حرس جمهوري، قبل أن يعزله الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي في أبريل/نيسان 2012، بعد انتخاب هادي دون منافس خلفاً لعلي عبد الله صالح، في أعقاب انتفاضة الربيع العربي.

عارض طارق صالح قرار إقالته وتمرد عليه، لكنه تعرض لاحقاً لضغوط أجبرته على قبول الإقالة، التي استهدفت عدداً من القادة المقربين من علي عبد الله صالح، بمن فيهم نجله أحمد. ظل طارق صالح وفياً لعمه بعد أن سلم الرئيس السابق السلطة سلمياً إلى نائبه. لكن علي عبد الله صالح احتفظ بموقعه القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، الحزب الذي حكم البلاد خلال فترة رئاسته.

وكان طارق صالح مساعده الرئيسي خلال تلك المرحلة، عندما كان الرئيس السابق يحاول تقويض سلطة هادي، ثم دخل في تحالف مع الحوثيين، أعدائه السابقين. كانت العلاقة مع الحوثيين تزداد قوة، وكان الهدف المشترك إيصالهم إلى صنعاء لإطاحة هادي وحلفائه، بمن فيهم حزب الإصلاح، وهو تحالف من القبائل والقوات العسكرية والإخوان المسلمين. وعندما قادت السعودية تحالفاً ضد الحوثيين، الذين سيطروا على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، كان طارق صالح وعمه يقفان إلى جانب الحوثيين. وشكل علي عبد الله صالح حكومة معهم لمواجهة حكومة هادي، التي كانت مدعومة آنذاك من السعودية والإمارات. وظل طارق صالح يقاتل إلى جانب الحوثيين حتى ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما قطع علي عبد الله صالح تحالفه معهم، وهو ما أدى إلى مقتله. وقال منتقدو طارق صالح لاحقاً إنه لم يتعلم من أخطاء عمه خلال سنوات حكمه الـ33. وأشاروا إلى أن دائرته الضيقة من المقربين كانت تنتمي إلى قبيلته نفسها. حتى أبريل/نيسان 2022، لم تكن لطارق صالح صلة مباشرة بالحكومة المركزية. وعندما توصل السعوديون إلى تفاهم مع الحوثيين، أُنشئ مجلس القيادة الرئاسي، المؤلف من ثمانية أعضاء، بينهم صالح، ليتولى السلطة بدلاً من هادي.

وكان يفترض أن يشكل المجلس جسراً فوق الانقسامات العميقة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. لكن الانقسامات بقيت.

خسر صالح، قائد قوات المقاومة الوطنية، المعركة، وربما مشروعه السياسي والعسكري أيضاً. فالقادة الذين يتعرضون لهزيمة بهذا الحجم غالباً ما يجدون أنفسهم أمام ضغوط للاستقالة أو يواجهون عواقب أشد. بعد هزيمة مصر في حرب 1967، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته. خرج ملايين المصريين إلى الشوارع وطالبوه بالبقاء. فتراجع عن قراره.

لكن صالح ليس ناصر، ولا توجد مؤشرات على أن الناس سيخرجون للمطالبة ببقائه وقيادته للمعركة من جديد. لذلك، فإن مستقبله لن يتوقف على التطورات العسكرية وحدها، بل أيضاً على ما إذا كانت الرياض ستظل ترى فيه قيمة استراتيجية.

وقد تحدد المرحلة المقبلة ما إذا كانت هذه الهزيمة مجرد انتكاسة مؤقتة، أم أنها نهاية للمشروع العسكري والسياسي الذي بناه صالح. يرى بعضهم، ولا سيما المحسوبون على حزب الإصلاح، أن صالح خان القضية بسبب الانهيار السريع لقواته. وقد صدم الانهيار الجميع، بما في ذلك خصومه في تعز وغيرها، لأنهم كانوا ينظرون إلى هذه القوات باعتبارها خط الدفاع الرئيسي في مواجهة الحوثيين. لكن آخرين دافعوا عنه، قائلين إنه قاتل بشجاعة، وإنه ربما كان العضو الوحيد في مجلس القيادة الرئاسي الذي بقي في الميدان طوال فترة القتال، بخلاف أعضاء آخرين يقيمون خارج البلاد. ومع ذلك، لا يمكن اختزال انهيار الساحل الغربي في قائد واحد.

فالهزيمة كشفت عن إخفاق أوسع في بناء مؤسسة عسكرية موحدة من قوات جمعتها معارضتها المشتركة للحوثيين أكثر مما جمعها مشروع سياسي واحد. وكان مجلس القيادة الرئاسي يفترض أن يوفر هذا الإطار. كما أن خروج المجلس الانتقالي الجنوبي وتراجع الدور الإماراتي المباشر خلقا توقعات بأن التنسيق بين القوات المناهضة للحوثيين سيصبح أسهل، خصوصاً بعد أن أصبحت التشكيلات المختلفة، على نحو أوضح، تحت القيادة السعودية وحدها. لكن الساحل الغربي أثبت أن الانقسامات لم تختفِ. فقوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة وقوات درع الوطن كانت، اسمياً، في المعسكر نفسه، لكنها ظلت هياكل عسكرية منفصلة، لكل منها سلاسل ولاء وقيادة مختلفة.

استغل الحوثيون هذا التشرذم. وكان لانتصارهم أثر مباشر في إعادة رسم الجغرافيا الاستراتيجية لليمن ومسار الحرب. فعلى مدى نحو عشر سنوات، ظل الحوثيون بعيدين عن باب المندب. والآن عادوا إليه. وهذا لا يهم فقط بسبب الحرب الداخلية اليمنية، بل لأن المضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وأصبح محوراً رئيسياً في المواجهة الأوسع المرتبطة بهجمات الحوثيين على الملاحة البحرية.

وبالنسبة لإيران وحلفائها، يمثل ذلك مكسباً استراتيجياً مهماً. فعبر ما تسميه طهران «محور المقاومة»، رحبت أطراف إيرانية وعراقية ولبنانية مرتبطة بها، إلى جانب مؤيدين مرتبطين بغزة، بالتطور. ووصف بعض الإعلام في طهران وصنعاء الاحتفالات بأنها «ليلة إيرانية ـ يمنية». واليمن الذي يحتفلون به هو في الغالب الجزء الذي يسيطر عليه الحوثيون في شمال غرب البلاد، حيث يعيش معظم سكان اليمن. بالنسبة لطهران، ترتبط القيمة الاستراتيجية لليمن ارتباطاً وثيقاً بالساحل الذي يسيطر عليه الحوثيون، والممتد لنحو 400 ميل من حجة إلى باب المندب.

إن عودتهم إلى منطقة باب المندب تمنح طهران ورقة ضغط إضافية يمكن استخدامها إلى جانب مضيق هرمز. وبدأت التداعيات الدولية تظهر بالفعل. فمشاركة الحوثيين في حرب غزة وهجماتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن غيرت الطريقة التي تنظر بها حكومات كثيرة إلى الحركة.

الدول التي كانت تنظر إلى الحوثيين في السابق من زاوية الحرب الأهلية اليمنية باتت تنظر إليهم بصورة متزايدة باعتبارهم تهديداً لحركة الملاحة البحرية. وقد جعلت سيطرتهم على المخا ومداخل المضيق والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر هذا القلق أكثر حدة. لكن بالنسبة لكثير من اليمنيين الذين يعيشون حول باب المندب، تبدو هذه الأهمية الاستراتيجية أقرب إلى مفهوم مجرد. على الأرض، الواقع هو الفقر والحرمان وعقود من الإهمال. أتذكر التناقض الذي لفت انتباهي خلال زيارتي الأخيرة للمنطقة. في الساعات الأولى من صباح 7 مارس/آذار 2022، كنت أقود السيارة عائداً من المخا إلى عدن برفقة عدد من الزملاء. كانت المجتمعات المحلية تعيش في بيوت بدائية وبموارد شحيحة، بينما كان الصيادون يخرجون إلى البحر في قوارب صغيرة، يكافحون لتأمين ما يكفي لإعالة أسرهم. لم تكن هناك حولهم سوى علامات قليلة على الأهمية الجيوسياسية الهائلة التي تحملها هذه المنطقة.

كانت القوى الإقليمية والدولية تتنافس من حولهم على النفوذ في واحد من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، بينما كان السكان الذين يعيشون على شواطئه يكافحون ببساطة من أجل البقاء. هذه هي مفارقة باب المندب.

هذا الشريط المائي الضيق يحظى باهتمام دول وجيوش تمتد مصالحها إلى ما هو أبعد بكثير من اليمن، لكن كثيراً من الناس الذين يعيشون على ضفافه لم يروا إلا القليل من الازدهار أو التنمية التي قد توحي بها أهميته الاستراتيجية. بالنسبة لهؤلاء الناس، باب المندب ليس في المقام الأول نقطة اختناق جيوسياسية. إنه وطن.

حاول الحوثيون طمأنة العالم الخارجي.

ففي اليوم التالي لانتصارهم على الساحل الغربي، وخلال اجتماع بين ممثليهم ومسؤولين في السفارة الأمريكية في مسقط، قالوا إنهم لا يعتزمون مهاجمة السفن الأمريكية. وقالوا أيضاً إنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية، وإن المضيق سيظل آمناً باستثناء السفن السعودية، إلى أن يُرفع ما وصفوه بالحصار السعودي. كما تحدثوا مع الروس. وبحسب التقارير، رفضت مصر الدخول في محادثات بشأن الأمن البحري. لكن تصريحات النشطاء والمقاتلين المسلحين على الأرض عقدت الرسالة التي بعثت بها قيادة الحوثيين. فقد وصل مقاتلون إلى جزيرة بريم، وتحدثوا عن إنشاء نقطة تفتيش بحرية وإيقاف السفن. وكانت الرسالة القادمة من الميدان أعلى صوتاً من الرسالة السياسية لقيادة الحوثيين. وبالنسبة لشركات الشحن، تخلق مثل هذه التصريحات حالة من عدم اليقين، حتى مع إصرار قيادة الحوثيين على أن المضيق سيظل مفتوحاً.

وقد يكون من بين النتائج المحتملة أن تختار شركات الشحن تحويل سفنها حول أفريقيا، بما يضيف وقتاً وتكاليف كبيرة إلى الرحلات. وفي الوقت نفسه، يعمل الحوثيون على ترسيخ وجودهم العسكري في الجبال المطلة على باب المندب. يحفرون الخنادق، ويعززون مواقعهم الجبلية، ويستخدمون المنشآت العسكرية التي خلفتها القوات المنسحبة. لقد عادوا إلى مناطق أُخرجوا منها قبل نحو عقد. لكنهم يعودون هذه المرة بخبرة سنوات من الحرب، وفي بيئة إقليمية مختلفة تماماً. يدرك الحوثيون أن خصومهم والسعودية لن يقبلوا بالواقع الجديد إلى أجل غير مسمى.

ولهذا، قد تكون الغارات الجوية التي أعقبت الانهيار أكثر من مجرد رد انتقامي أو محاولة لتدمير الأسلحة التي استولى عليها الحوثيون. وقد تكون بداية استعدادات لهجوم مضاد، ربما لا يستهدف فقط استعادة الأراضي التي فُقدت على الساحل الغربي، بل أيضاً فتح جبهات ضغط جديدة في وقت تتزايد فيه هجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية.

وقد أيد بعض الدبلوماسيين الغربيين التحركات السعودية، رغم أنهم كانوا قد اعتبروا منع الهجوم الذي شنته القوات المدعومة من السعودية والإمارات على الحديدة عام 2018 خطأً استراتيجياً.

وبالنسبة للمنظمات الإنسانية، ظل ميناء الحديدة يُعد منذ فترة طويلة شريان حياة لملايين اليمنيين. كما أن اتفاق ستوكهولم الذي أعقب هجوم 2018، والذي كان يهدف إلى حماية هذا الدور، لم يُنفذ بالكامل. لكن مسؤولاً أجنبياً وصف الحديدة بطريقة مختلفة: باعتبارها شريان حياة لأسلحة الحوثيين.

وهذا التناقض لطالما طبع الساحل الغربي لليمن. فالجغرافيا نفسها التي تجعل المنطقة حيوية للمدنيين اليمنيين تجعلها ذات قيمة استراتيجية لكل طرف يسعى إلى النفوذ في البلاد. والسؤال الآن هو: هل تستطيع القوات التي خسرت الساحل التعافي من الهزيمة؟ قد يحاول صالح إعادة بناء قواته. وقد تعمق السعودية انخراطها. وقد تحاول الحكومة إعادة تنظيم الهياكل العسكرية التي انهارت. وقد تستنتج فصائل يمنية أخرى أن خسارة باب المندب جعلت التنسيق العسكري أمراً لا مفر منه.

لكن السؤال الأعمق سياسي. هل يستطيع المعسكر المناهض للحوثيين تجاوز الخصومات التي حالت مراراً دون عمله كقوة موحدة؟ لقد أظهر الحوثيون ما يمكن أن تفعله القيادة المركزية، والحشد المكثف للقوة البشرية، ووضوح الهدف، في مواجهة خصم مجزأ. استعادوا المخا، وعادوا إلى باب المندب، واستولوا على بنية عسكرية بُنيت على مدى سنوات لإبعادهم عن الساحل.

كان من المفترض أن تكون المخا حاجزاً أمام الحوثيين. لكنها، خلال سبعة أيام، أصبحت بوابتهم إلى باب المندب.

وقال مصدر حكومي إن لجنة لتقصي الحقائق ستُشكل للتحقيق في ما حدث، لكنها لن تحاسب أحداً. فالمساءلة ليست جزءاً من التاريخ السياسي لليمن.

وفي حين يطالب البعض بمحاسبة صالح، يقول آخرون إن جميع المسؤولين عن هذه الانتكاسات، من سقوط صنعاء إلى جبهتي نهم والجوف وما بعدهما، ينبغي أن يخضعوا للمساءلة.

لكن بالنسبة إلى آخرين، ليست هذه لحظة لإلقاء اللوم وتبادل الاتهامات، بما قد يزيد من تمزيق المعسكر المناهض للحوثيين.

إنها لحظة لالتئام الجراح والاستعداد للمواجهة المقبلة، حتى لا يبتلع الحوثيون البلاد بينما ينشغل خصومهم بتصفية حساباتهم.

* (نشرت هذه المادة الصحفية في «مجلة نيو لاينز الأمريكية» بتاريخ 21 سبتمبر 2026)

رابط المقالة:
https://newlinesmag.com/reportage/the-seven-day-lightning-offensive-that-changed-yemens-war/

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img