صحيفة الثوري – (رأي)
عمار السوائي
ثمة حدس سياسي مهم في فكرة إطلاق عنان اليمن، أن بلداً بهذا الاتساع الاجتماعي والتاريخي، وبهذا التنوع في القوى والموارد والهويات المحلية، لا يمكن اختزاله في حزب واحد، أو قبيلة، أو تشكيل عسكري، أو راعٍ إقليمي، وأن أي محاولة لمواجهة قوة منظمة بواسطة جزء معزول من المجتمع ستظل، مهما بلغ ذلك الجزء من الشجاعة أو القدرة، أقل من التحدي الذي يواجهه.
لكن الحدس الصحيح قد يقود إلى استنتاج خاطئ إذا لم نميز بين تعدد القوى وامتلاك القوة.
فاليمن، في الحقيقة، لا يعاني من نقص في القوى التي تحتاج إلى أن يطلق عنانها، مشكلته منذ سنوات أقرب إلى العكس، قوى كثيرة، ومراكز قرار متعددة، وتشكيلات مسلحة متزايدة، ورعاة أكثر، وأولويات متناقضة أحياناً وغير متناغمة في أفضل الحالات؛ لكن من دون قدرة كافية على تحويل هذا التعدد إلى إرادة سياسية عامة، والإرادة إلى مركز قرار، ومركز القرار هذا إلى قدرة دولة، وهنا بالتحديد يكمن الفرق بين الشعر السياسي والسياسة الواقعية.
المارد لا يصبح قوة لأنه استيقظ، امتلاكه عقلاً يحدد غايته، وجهازاً ينسق حركته، وسلطة تقرر أين تستخدم قوته ومتى تتوقف، هو ما يخلق قوته.
لكن ما الذي قاله اليدومي فعلاً؟
في سبتمبر 2025 طرح الأستاذ/ محمد عبد الله اليدومي مبادرة على طاولة القوى السياسية تقوم على ميثاق شرف يقضي بألا يحكم اليمن، بعد إنهاء سيطرة الحوثيين، إلا بالشراكة والتوافق لعدة سنوات، تليها انتخابات عامة في إطار توافق وطني، واقترنت المبادرة بمصالحة وطنية، ومعالجة آثار الصراعات عبر العدالة الانتقالية، وبحث القضية الجنوبية ضمن تصور لدولة اتحادية، مع الدعوة إلى توحيد التشكيلات العسكرية داخل مؤسسات الدفاع والداخلية.
هذه المبادرة تستحق القراءة الجدية، لا لأنها مكتملة، فهي ليست كذلك، بل لأنها تقترب من واحدة من أعمق مشكلات الحروب الأهلية (مشكلة الثقة في اليوم التالي).
فالقوى المتحالفة ضد خصم مشترك لا تسأل فقط: كيف نهزمه؟ بل تسأل في الوقت نفسه: ماذا سيحدث لي حال هزيمته؟
هل سيستخدم الحليف الأقوى انتصار اليوم لإقصائي غداً؟
هل ستتحول القوات التي أسهمت في الحرب إلى أدوات لاحتكار الدولة؟
هل ستعود الخصومات المؤجلة بمجرد زوال العدو المشترك؟
ومن سيضمن ألا تتحول (استعادة الدولة) إلى استعادة سلطة طرف بعينه؟
هذه ليست أسئلة أخلاقية هامشية، بل هي من صميم الواقعية السياسية، فالخوف من المستقبل قد يتفوق على رغبة الانتصار في الوقت الحاضر.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم مبادرة اليدومي، إنها محاولة لتقديم ضمان سياسي مسبق بأن الانتصار ـ إن حدث ـ لن يتحول إلى احتكار للسلطة.
ومع ذلك فإن المبادرة اليدومية تظل ضماناً سياسياً عاماً أكثر منها عقداً مؤسسياً مكتملاً، عبارة مثل (الشراكة والتوافق لعدة سنوات) لا تجيب وحدها عن أسئلة السلطة، وحدود الفيتو، وتوزيع الصلاحيات، ومصير القوات المسلحة، وآليات فض النزاع، والأحجية الجنوبية، وموقع القوى المحلية، ولا عن الكيفية التي يتحول بها التوافق المؤقت في النهاية إلى تنافس ديمقراطي طبيعي، وهذا هو الفارق بين إعلان النية وهندسة الالتزام.
السؤال الآن: هل الإصلاح هو مفتاح الحرب؟
القول إنه (لا يمكن الحديث عن معركة تحرر قبل أن يقرر الإصلاح خوض المعركة الناجزة) يحمل قدراً من الواقعية، لكنه يمنح حزباً واحداً وزناً تفسيرياً أكبر مما تسمح به بنية الصراع. الإصلاح فاعل مهم من دون شك، لكن أهمية الفاعل لا تعني امتلاكه مفتاح النظام كله.
الحروب لا تبدأ أو تنتهي لأن طرفاً واحداً (اقتنع) بها، القدرة على تغيير ميزان القوة تعتمد على تركيب أكثر تعقيداً، القيادة والسيطرة، القوى البشرية، التمويل، اللوجستيات، الجغرافيا، الاستخبارات، معنويات المقاتلين، الموقف الاجتماعي، العلاقات بين التشكيلات، مواقف القوى الإقليمية، حسابات المصالح الدولية، وقدرة الخصم نفسه على التعبئة والتكيف.
حتى إن الوثائق العلنية للإصلاح تجعل المسألة أكثر تعقيداً، ففي سبتمبر 2025 كان الحزب، عبر أمينه العام المساعد، يؤكد أن العودة إلى العملية السياسية هي الحل الذي يبحث عنه، مع اشتراط ألا تكرس التسوية واقع القوة وأن تضمن استعادة الدولة، وفي سبتمبر 2026 ارتفعت نبرة التعبئة، وأعلن الحزب أنه سيظل (في قلب المعركة الوطنية)، ودعا إلى رص الصفوف وتوجيه الطاقات نحو استعادة مؤسسات الدولة، هذا تحول يمكن رصده، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انتقال من تصور سياسي إلى استراتيجية عسكرية للحسم.
ومن ثم فالسؤال الواقعي ليس: هل قرر الإصلاح الحرب؟
السؤال هو: هل يوجد أصلاً مركز سياسي قادر على تحويل قرارات الأطراف المختلفة إلى استراتيجية واحدة؟ وهذا سؤال مختلف تماماً.
أما المقولة الثانية، وهي أن المعركة لا يمكن أن تنجح إلا بانخراط جميع القوى السياسية والاجتماعية بكامل طاقتها، فتحتاج إلى تعديل أكثر جوهرية، إذ ليس صحيحاً في منطق القوة أن زيادة عدد الفاعلين تعني بالضرورة زيادة القدرة، قد يحدث العكس تماماً.
إذا أضفت إلى تحالف عسكري عشر قوى جديدة، ولكل واحدة قيادة مستقلة، وممول مستقل، وهدف نهائي مختلف، وشبكة مصالح خاصة، فقد تضاعف عدد المقاتلين بينما تنخفض القدرة الفعلية للتحالف، وهنا تبدو تجربة الساحل الغربي في سبتمبر 2026 شديدة الدلالة، وكالة رويترز، استناداً إلى مسؤولين ومصادر إقليمية وغربية ويمنية، ربطت الاختراق الحوثي الكبير بجملة عوامل، منها الانقسامات داخل القوى المناهضة للحوثيين، وبنية قيادة سعودية جديدة غير مختبرة، ومحدودية الإسناد، وسوء تقدير حجم التحضيرات الحوثية، كما أشارت تقارير أخرى إلى أزمات في القيادة والسيطرة والتنسيق والثقة والمعنويات بين الوحدات الموجودة على الأرض، هذه الوقائع لا تثبت أن (اليمن لم يطلق عنانه)، إنها قد تثبت شيئاً معاكساً، أن تعدد القوى من دون بنية قيادة مشتركة يمكن أن يصبح مصدر ضعف استراتيجي.
في لغة هوبز، لا تصبح الجماعة (شخصاً سياسياً) لمجرد اجتماع أفرادها، وفي لغة فيبر، لا توجد دولة لأن جماعات كثيرة تحمل السلاح دفاعاً عن هدف واحد؛ الدولة تبدأ عندما تتكون سلطة تستطيع الادعاء الفعلي بحق تنظيم استخدام القوة.
والمعضلة اليمنية ليست بعيدة عن ذلك، حيث هناك فارق بين (الجبهة) و (الدولة)، الجبهة تستطيع أن تجمع أعداء عدو واحد؛ أما الدولة فيجب أن تجعلهم يخضعون لقواعد واحدة بعد اختفاء ذلك العدو.
نأتي الآن إلى الترتيبات السعودية، وهذه نقطة تستحق تناولاً أكثر برودة وأقل أخلاقية.
الدول لا تدخل الحروب المجاورة كي تحقق التصور الوطني الأمثل لجيرانها، بل تتحرك وفق تصورها هي لأمنها ومصالحها ومخاطرها، هذه ليست تبرئة للسياسات السعودية ولا إدانة لها؛ إنها القاعدة الواقعية الأساسية في السياسة الدولية.
السعودية تنظر إلى اليمن، بحكم الجغرافيا وطول الحدود والأمن الإقليمي، من زاوية تختلف بالضرورة عن زاوية اليمنيين، وقد تتقاطع المصلحتان – والمخيلتان – في بعض المراحل وتختلفان في مراحل أخرى.
والتقارير عن أحداث الساحل الأخيرة تشير بالفعل إلى أخطاء في التقدير وبنية القيادة والاعتماد على ترتيبات عسكرية لم تحقق التماسك المطلوب، لكن رد انهيار معقد إلى (الخارج) وحده يعفي البنية اليمنية من سؤال أشد إزعاجاً: لماذا يستطيع الخارج أصلاً أن يدير هذه القوى منفردة؟
فالنفوذ الخارجي لا يعمل في فراغ.
حين يمتلك كل فاعل محلي قناة خاصة إلى دولة راعية، وتمويلاً منفصلاً، وسلسلة قيادة موازية، تصبح العلاقة بين الداخل والخارج أقرب إلى شبكة من العلاقات الثنائية غير المتكافئة منها إلى تحالف بين دولة ودولة، وهنا تصبح كلمة (التبعية) أقل تفسيراً من مفهوم الاعتماد المتبادل غير المتكافئ.
الطرف الخارجي يمتلك المال والسلاح والغطاء السياسي، لكن الطرف المحلي يمتلك الجغرافيا والرجال والمعرفة المحلية والشرعية الاجتماعية التي يحتاجها الراعي، كلاهما يحتاج الآخر، لكن توزيع الموارد بينهما غير متكافئ، ومن ثم فإن السيادة لا تستعاد بمجرد مطالبة الخارج بأن (يطلق عنان اليمن)، لأن السؤال السابق على ذلك هو: هل يوجد داخل اليمن طرف سيادي واحد يستطيع أن يتفاوض باسم هذه القوى أصلاً؟
إذا تفاوض عشرون فاعلاً مع الخارج كل على حدة، فسوف يتعامل الخارج معهم باعتبارهم عشرين فاعلاً، أما إذا أصبحوا جزءًا من بنية قرار واحدة، فسوف تتغير طبيعة العلاقة نفسها، السيادة بهذا المعنى، ليست خطاباً عن الاستقلال؛ إنها قدرة تفاوضية منظمة.
ثمة خطأ آخر يقع فيه أحيانًا الخطاب المناهض للحوثيين، وهو وهم البحث عن (المعادل الموضوعي) للحوثيين في كتلة اجتماعية أكبر منهم، هذا التفكير يستند إلى معيار عددي أكثر منه سياسي، فقوة الحوثيين لا تفسر فقط بحجم قاعدتهم الاجتماعية ولا بالسلاح الإيراني ولا بالجغرافيا التي يسيطرون عليها، من عناصر قوتهم الأساسية أنهم حولوا موارد متفرقة إلى تنظيم مركزي للقرار والإكراه والتعبئة، ولهذا تستطيع قوة اجتماعية أصغر أحياناً أن تتفوق سياسياً على مجتمع أوسع منها بكثير.
مكيافيللي لم يكن يقيس القوة بعدد الرجال فقط، بل بقدرة السلطة على تنظيمهم وتوجيههم. وهوبز ذهب أبعد من ذلك: كثرة البشر لا تصنع قوة عامة إذا بقي كل منهم صاحب إرادة مستقلة في اللحظة الحاسمة.
ومن هنا تصبح عبارة (وثبة الجميع) شاعرية لكنها غير كافية، فقد يثب الجميع في اتجاهات مختلفة.
والمهمة اليوم تجعلنا ننصرف عن الانتباه إلى كم طرفاً يقاتل، لتفاصيل أكثر إفادة باتجاه من يقرر الهدف المشترك، ومن يحدد الأولويات، ومن يوزع الموارد وبأي كيفية، ومن يملك الأمر والنهي في الميدان، ومن يتحمل المسؤولية عند الفشل، ومن يمنع المنتصرين الصغار من التحول إلى خصوم بعد انتهاء المعركة الكبرى. هذه هي أسئلة الدولة.
كذلك هناك المشكلة الأعمق المتمثلة بالخوف من النصر، فلعل أهم ما تلمسه مبادرة اليدومي، وإن لم تصغه بهذه اللغة، هو أن بعض القوى قد لا تخاف الهزيمة وحدها؛ قد تخاف أيضاً من شكل الانتصار.
الفاعل السياسي العاقل لا يسأل فقط: ماذا سيحدث إذا انتصر خصمي؟ ولكنه يستحضر السؤال كذلك: ماذا سيحدث إذا انتصر حليفي؟، وكلما غابت الإجابة الموثوقة عن السؤال الثاني، ضعفت قابلية التحالف للحرب ضد الأول.
هنا تظهر أهمية فكرة الحكم بالشراكة والتوافق بعد الحرب، فهي تحاول أن تقول للأطراف (لا تخافوا من اليوم التالي)، لكن هذه الفكرة تظل ناقصة ما لم تنتقل من ضمان أخلاقي إلى ضمان مؤسسي، يتم ترتيبه بالتوضيحات الكافية لمعنى (الشراكة) إجرائياً، ولتمييز دلالاتها سياسياً، هل تعني تقاسماً للسلطة بين الأحزاب القائمة؟ أم تمثيلاً للأقاليم؟ أم حكومة وحدة وطنية؟ وما حدود التوافق؟ وهل يصبح لكل طرف حق تعطيل القرار؟ وما موقع المجتمع الذي لا تمثله التنظيمات المسلحة؟ ومتى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ وماذا يحدث إذا رفض أحد الشركاء نتائج الانتخابات اللاحقة؟، إن ترك هذه الأسئلة للمستقبل يعيد إنتاج المشكلة ذاتها التي يسعى الميثاق إلى حلها (عدم اليقين).
لذلك كله تبدو العبارة الأدق، تحليلياً، ليست (إطلاق عنان اليمن)، وإنما تكوين الإرادة اليمنية، والفرق بينهما هائل.
إطلاق العنان يفترض أن القوة موجودة مكتملة وأن هناك قيداً خارجياً يمنعها.
أما تكوين الإرادة فيعترف بأن الموارد موجودة، لكن القوة السياسية لا تزال بحاجة إلى البناء.
ومن منظور واقعي، يمكن تصور الفارق عبر خمس مسائل مترابطة: غاية سياسية محددة للصراع؛ وسلطة معروفة لاتخاذ القرار؛ وعلاقة واضحة بين التشكيلات المسلحة والدولة؛ وضمانات متبادلة بشأن النظام السياسي الذي يلي الصراع؛ وعلاقة موحدة نسبياً مع القوى الخارجية بدل العلاقات الفصائلية المتنافسة.
وليست هذه وصفة للحرب بالضرورة، فالهندسة ذاتها مطلوبة للتفاوض أيضاً.
الطرف الذي لا يستطيع توحيد قراره في الحرب لن يكون أكثر قدرة بالضرورة على توحيده في السلام، بل ربما كان التفاوض هو الاختبار الأكثر قسوة للسيادة، لأن أي اتفاق يحتاج إلى طرف قادر على الالتزام به وتنفيذه.
ماذا تقول أحداث الساحل إذن
المغزى الأعمق للساحل الغربي ليس أن فصيلاً فشل وأن فصيلاً آخر كان سينجح لو أعطي الفرصة، ولا أنه يكفي استبدال ترتيبات إقليمية بترتيبات أخرى، المغزى الأكثر أهمية هو أن الكفاءة العسكرية لا يمكن فصلها طويلاً عن البنية السياسية التي تقف خلفها. فحين تكون القوات متعددة، والولاءات متشابكة، والراعي الخارجي جزءًا من سلسلة القرار، والثقة بين الشركاء محدودة، يصبح الاختراق العسكري نتيجة محتملة لمشكلة سياسية سابقة على المعركة.
وقفتُ سابقاً على وصف لا أتذكر مصدره بالتحديد بعد معركة الساحل في سبتمبر، يصف الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين وسوء تقدير استعدادات الخصم باعتبارهما من أسباب التحول الكبير في الساحل، بينما نقلت الغارديان بعدها تقديرات تربط ما وقع بأزمات التنسيق والقيادة والثقة، مع استمرار الجدل بشأن تفاصيل الانسحاب وأسبابه، ولذلك لا يصح اختزال تفسير الأحداث في رواية واحدة لم تحسم بعد، وهذا بالضبط ما تجعلنا الواقعية نراه: الهزيمة العسكرية كثيراً ما تكون التعبير الأخير عن خلل سياسي أقدم منها.
هنا أصل إلى جوهر الخلاف مع فكرة (إطلاق عنان اليمن)، اليمن ليس مارداً كامل التكوين حبسته قياداته السياسية في قمقم، هذه صورة أدبية جميلة، لكنها قد تكون سياسياً.. مضللة.
الدول والمجتمعات لا تمتلك قوة تاريخية جاهزة تنتظر لحظة التحرير، القوة تصنع، والقدرة الجماعية تبنى، والإرادة العامة ليست مجموع الإرادات الخاصة.
قد يكون لدى اليمن مقاتلون أكثر مما يحتاج، وأحزاب أكثر مما يحتاج، وقبائل وموارد وشبكات اجتماعية واسعة؛ ومع ذلك تظل قدرته السياسية أقل من مجموع هذه الموارد بكثير، فالسياسة لا تجمع الطاقات جمعاً حسابياً، إنها تحولها.
وهذا هو الفارق بين المجتمع والدولة، وبين الحشد والجيش، وبين الاتفاق العابر والمؤسسة، وبين الغضب والسياسة، من هنا فإن العبارة التي قد تكون أكثر دقة ليست (حان وقت إطلاق عنان اليمن)، ولكن (ما السبب الذي يجعل اليمن، بكل هذه القوى، أقل قدرة من مجموع قواه)، وهذا السؤال أشد قسوة، لأنه لا يسمح بإلقاء المسؤولية كاملة على الخارج، ولا على حزب بعينه، ولا على السلفيين، ولا القبائل، ولا المقاومة الوطنية، ولا على السعودية وحدها.
إنه يضع الأزمة حيث توجد في بنيتها الأعمق، في الفجوة بين القوة الاجتماعية والقوة السياسية؛ بين وجود رجال وسلاح وموارد وإرادة، وبين وجود دولة تستطيع أن تجعل من هذه العناصر فعلاً عاماً.
والتاريخ لا تحسمه دائماً الكتلة الأكبر.
يحسمه كثيراً الطرف الأقدر على تحويل موارده إلى تنظيم، وتنظيمه إلى قرار، وقراره إلى فعل مستمر، بهذا المعنى، فإن السؤال اليمني الأهم ليس: من الذي ينبغي أن يطلق عنانه؟
وإنما كيف يتحول التعدد اليمني من تعدد مراكز للقوة إلى تعددية داخل مركز سيادي واحد؟
ذلك هو السؤال الذي تبدأ عنده السياسة، وتنتهي عنده الأوهام الرومانسية عن القوة.


