«صحيفة الثوري» – (رأي):
إلهام محمد زارعي
كثيراً ما نقول إن المرأة نصف المجتمع، ونظن أننا بذلك أنصفناها.
لكنني أتوقف طويلاً أمام كلمة «نصف».
فالمرأة ليست نصف إنسان، ولا نصف عقل، ولا نصف قدرة، ولا نصف رسالة. والمجتمع نفسه ليس كعكة نقسمها إلى نصفين، ثم نتجادل طويلاً: أيهما أكبر، وأيهما أهم.
المجتمع جسد واحد. وإذا تعطلت فيه طاقة المرأة، فلا يعيش النصف الآخر كاملاً؛ بل يختل الجسد كله.
لهذا، فإن قضية المرأة، في جوهرها، ليست قضية المرأة وحدها، بل قضية الإنسان. وتعليمها ليس امتيازاً يُمنح لها، وتمكينها ليس مجاملة اجتماعية، واحترام كرامتها ليس تنازلاً من الرجل؛ إنها شروط طبيعية لكي يستطيع المجتمع أن يمشي على قدميه، بدل أن يقضي عمره يحاول التقدم بقدم واحدة.
ولعل أغرب ما فعلناه عبر أزمنة طويلة أننا سألنا: ماذا تستطيع المرأة أن تفعل؟
مع أن السؤال الأجدر هو: كم خسر العالم حين لم يسمح لها أن تفعل؟
كم فكرة لم تولد؟ كم موهبة بقيت خلف باب؟ كم طفلة تعلمت أن تصغّر حلمها كي يتسع له خوف المجتمع؟ وكم مجتمعاً كان يمكن أن يكون أكثر علماً ورحمة وسلاماً لو أُعطي جناحاه القوة نفسها؟
فالإنسانية تشبه طائراً ذا جناحين؛ لا ينتصر أحد الجناحين إذا ضعف الآخر. كلاهما يخسر الارتفاع.
ومن هنا، لا تصبح مساواة المرأة بالرجل معركة بينهما، بل مصالحة للإنسان مع نفسه.
فالمرأة لا تحتاج أن تأخذ مكان الرجل، والرجل لا يفقد مكانه حين ترتفع المرأة. السماء واسعة لجناحين، والنور لا ينقص حين نضيء مصباحاً آخر.
بل إن نهضة المرأة الحقيقية أعمق من وظيفة ومنصب وشهادة، على أهميتها. إنها تبدأ حين تنشأ الطفلة وهي تعرف أن عقلها أمانة ينبغي أن تنميها، وأن صوتها مسؤولية، وأن كرامتها أصيلة، وأن رقتها لا تنتقص من قوتها، كما أن قوتها لا تفرض عليها أن تفقد رقتها.
وتبدأ أيضاً حين ينشأ الطفل وهو لا يرى في نجاح أخته تهديداً له، بل قوةً للأسرة التي ينتمي إليها.
هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، تحدث الثورات الهادئة التي لا تحرق شيئاً، بل تنير شيئاً.
ولعل المجتمع لن يبلغ نضجه يوم تصبح المرأة أقوى من الرجل، ولا يوم ينتصر الرجل عليها؛ بل يوم يبدو السؤال نفسه غريباً علينا.
يوم نفهم أن الرجل والمرأة لم يُخلقا ليتنافسا على قيمة الإنسان، بل ليتعاونا على إظهارها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس:
من منهما أهم؟
بل:
إلى أي ارتفاع كان يمكن أن تصل الإنسانية، لو أننا منذ البداية قوّينا جناحيها معا؟
ودمتم سالمين.

