صحيفة الثوري – (رأي)
فضل الجعدي
تكتنز الذاكرة اسم الضالع بصفته مرادفا للاستبسال والصلابة والمقاومة التي طالما شكلت سياجا منيعا في أحلك الظروف الوطنية، فهي المدافع الصلب والحصن الذي تحطمت على أعتابه جحافل الغزاة في مختلف المحطات التاريخية، غير أن هذه الصورة الناصعة باتت تُواجه اليوم بتحدٍ أخلاقي وأمني يجرح كبرياءها، إذ تتسلل من بين أزقة البطولات ممارسات شاذة لثلة من البلاطجة والخارجين عن القانون، ممن ينشرون التقطع، والنهب، وتعدي حرمة الدماء المعصومة.
إن الفجوة الصارخة بين شرف النضال ووحشية الانتهاك لا تعبر مطلقا عن هوية الضالع، ولا عن موروثها القيمي والنضالي، بل تعكس حالة خطيرة من الانكشاف الأمني والغياب المؤسسي، ولقد استغلت جماعات المنحرفين هذا الفراغ لتفرض منطق العنف والسطو، متناسية أن تضحيات الشهداء لم تكن يوما لتعبيد الطرق أمام قطاع الطرق، ولا لإقامة سلطة الغاب، فحين يقتل البريء أو يسلب العابر، لا تُنتهك حقوق الضحايا وأسرهم فحسب، بل تُغتال رمزية المدينة كاملة، وتُقدم خدمة مجانية لكل من يتربص بهذه المحافظة ويسعى لتشويه تاريخها العريض، وإن استمرار هذا السبات الاجتماعي والرسمي يضع الجميع في دائرة الشبهة والمسؤولية الإنسانية والأخلاقية، فالصمت عن الجريمة ليس مجرد حياد، بل هو تواطؤ غير مباشر يمنح القتلة والعصابات جرأة أكبر على استباحة الأرواح والممتلكات.
وفي كل الاحوال لم يعد التنديد الإنشائي كافيا، بل أصبحت الحاجة ماسة إلى استجابة حاسمة تتجسد في :
رفع الغطاء الاجتماعي والسياسي وتجريد كل جماعة أو شخصية تُوفر الملاذ الآمن للقتلة وقطاع الطرق من أي حصانة قبلية أو فصائلية، وإعلان البراءة منهم علنا.
-تفعيل مؤسسات ألامن وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بناء على المعايير المهنية، وتفعيل دور القضاء ليكون الفاصل الوحيد في ردع الخارجين عن القانون.
-تحرك عقلاء المحافظة واصطفاف القيادات العسكرية، والوجهاء الاجتماعيين، والأكاديميين في جبهة واحدة تضع “سيادة القانون” فوق أي حسابات ضيقة.
-تأمين الخطوط والمنافذ وفرض حماية أمنية مشددة على الطرق العامة ورعاية عابري السبيل، لتبقى الضالع مأمنا لا مسلخا.
الضالع تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم في تاريخها الحديث فإما أن تستعيد زمام المبادرة وتصون بطولاتها بالعدل، أو أن تترك موروثها رهينة لنزوات العصابات المنحرفة، وإن حماية جبهة الضالع الداخلية من الاختراقات وخطر المليشيات الحوثية وكل متربص وفرض النظام ليس مجرد مطلب أمني عابر، بل هو أقدس واجب وطني وأخلاقي لحفظ دماء الأبرياء، وصون كرامة تاريخ الضالع البطولي، والوفاء الحقيقي لأرواح الشهداء الذين قدموا أرواحهم لأجل كرامة الإنسان وحريته.

