صحيفة الثوري – (رأي)
نشوان العثماني
القضية الجنوبية قضية عادلة راسخة في وقائع التاريخ وتجربة الوحدة والحرب وما أعقبها من إقصاء وتهميش.
وهي حق سياسي وإنساني لا يختزل في حزب أو مجلس أو قيادة ولا يملك أي طرف يمني القفز عليه أو مطالبة الجنوبيين بالتخلي عنه.
وينحصر النقاش داخل هذه القضية في مسألتين أساسيتين، تستحقان حوارًا هادئًا ومسؤولًا:
الأولى تتعلق باسم الدولة الجنوبية وهويتها التاريخية والسياسية.
فالدولة التي قامت عقب انتصار ثورة 14 أكتوبر والاستقلال في 30 نوفمبر 1967 حملت اسم “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية”، ثم أصبحت بعد نحو عامين “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”.
وقد مثلت أول دولة جنوبية موحدة في التاريخ الحديث، جمعت عدن والمحميات والسلطنات والمشيخات السابقة ضمن كيان سياسي واحد امتدت مساحته من حوف إلى باب المندب بأكثر من مساحة إيطاليا.
هذه الدولة نشأت من ثورة تحررية ووحدت جغرافيا أنهكها التشظي السلاطيني وصاغت لها اسمًا وهوية ومؤسسات وعضوية دولية معترفًا بها.
ومن هنا تثير تسمية “الجنوب العربي” سؤالًا سياسيًا وتاريخيًا مشروعًا؛ لأنها تستدعي مشروعًا سابقًا للاستقلال ارتبط بالترتيبات الاتحادية التي رعتها بريطانيا، بينما تمثل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الدولة الفعلية التي استقلت وقامت ومارست سيادتها ومثلت اليمن الجنوبي في المحافل الإقليمية والدولية.
وقد تناولنا هذه المسألة منذ البدء بوضوح انطلاقًا من أهمية صون الذاكرة السياسية للدولة اليمنية الجنوبية وعدم استبدالها بهوية ملتبسة أو مستحدثة.
والمسألة الثانية تتعلق بالتمثيل السياسي للقضية الجنوبية.
فالقضية ملك للجنوبيين جميعًا، بمختلف مناطقهم وتياراتهم وتجاربهم السياسية، وتمثيلها يحتاج إلى حاضنة واسعة تتسع لعدن ولحج وأبين وحضرموت وشبوة والمهرة والضالع وسقطرى، وتحترم خصوصية كل منطقة ومخاوفها وتطلعاتها.
ومن ثم، يظل الدفاع عن عدالة القضية أوسع من الانضواء تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي المعرّف حاليًا بـ”السابق”.
نشأ المجلس بتشكيل سريع ورعاية إقليمية معروفة، وفق احتياجات اللحظة وحساباتها، خارج حوار جنوبي أصيل وتوافق سياسي بين مختلف القوى والمكونات.
ومع ذلك، حمل تأسيسه قدرًا من التفاؤل بإمكان تحوله إلى مظلة جامعة، وبناء مشروع سياسي يستوعب التنوع الجنوبي ويقود القضية عبر طريق واقعي وممكن.
لكن بنية التأسيس والارتباطات الإقليمية حكمت خيارات المجلس ومساره، ودفعت به نحو تمثيل أضيق، فأخفق في التحول إلى إطار جنوبي مستقل وجامع يعبر عن مختلف مناطق الجنوب وقواه وتياراته.
وتفرض اللحظة الراهنة ترتيبًا وطنيًا حاسمًا للأولويات:
- هزيمة مشروع الإمامة واستعادة الدولة أولًا،
- وإطلاق حوار جنوبي جنوبي شامل يجمع القوى والمناطق والتيارات الجنوبية على قدم المساواة، ويعيد تعريف القضية بعيدًا عن الاحتكار والإقصاء والوصاية الخارجية.
ومن هذا الحوار يمكن الوصول إلى حلول عادلة وقابلة للحياة، تستند إلى إرادة الجنوبيين الحرة وتحفظ تاريخ الحق وتؤسس لعلاقة مستقرة مع بقية اليمنيين من داخل الهوية اليمنية ذاتها.
وعليه،
- مستقبل الجنوب يصنعه توافق قواه السياسية وكل تياراته ومكوناته دون إقصاء،
- وتنتصر قضيته باتساعها لكل الجنوبيين وبقدرتها على إنتاج الإطار العادل الـ يتجاوز أخطاء الماضي ويفتح الطريق أمام القادم.

