آخر الأخبار

spot_img

اليسار العربي: بين إرث الماضي وأسئلة المستقبل

“صحيفة الثوري” – (رأي):

نجيب الكمالي *

توقفت طويلاً عند مقال الرفيق غازي الصوراني. ليس لأنني وجدت فيه حديثاً جديداً عن الماركسية أو الوحدة العربية، وإنما لأن المقال أعادني إلى سؤال قديم ما زال يطرق الباب: ماذا بقي من المشروع العربي؟ وماذا يريد اليسار اليوم؟

وأنا أقرأه، وجدت نفسي أعود إلى الرفيق لينين، والرفيق ماو، والرفيق تروتسكي. ليس بحثاً عن وصفة جاهزة. بالعكس، أكثر ما يعجبني في تجاربهم أنهم لم يتعاملوا مع الماركسية كأنها نص محفوظ.

لينين كان أمام روسيا مختلفة تماماً، وماو أمام الصين الفقيرة والفلاحين. كل واحد قرأ واقعه، ثم تحرك منه.

وهذا بالضبط ما أفتقده أحياناً في نقاشاتنا العربية.

نتجادل كثيراً حول ماذا قال ماركس، وماذا كتب لينين، وماذا فعل ماو، ثم نخرج من النقاش وكأن واقعنا لم يتغير.

الصين نفسها لم تبقَ عند عام 1949. بنت دولة، وأخطأت، ودخلت في مراحل صعبة، ثم فتحت أبوابها للإصلاح والاستثمار والتكنولوجيا. تغيرت الأدوات، وبقيت الدولة ممسكة بخطها العام.

لا أقول إن علينا أن نصبح الصين. هذا كلام لا معنى له. اليمن ليست الصين، وتاريخنا ليس تاريخها.

لكن التجربة تقول شيئاً بسيطاً: لا يمكن أن تواجه زمناً جديداً بأدوات زمن قديم.

وهنا أعود إلى اليسار العربي.

وأقولها بوضوح: أنا أعتز باليسار، ولا أتعامل معه كجزء من الماضي. اليسار العربي كان في قلب معارك الاستقلال والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال والتعليم والدولة المدنية.

وفي اليمن تحديداً، كان الحزب الاشتراكي اليمني جزءاً من تاريخ الحركة الوطنية، وخاض تجربة حقيقية في بناء دولة في الجنوب.

كانت هناك مؤسسات، ومدارس، وخدمات، وقانون. كانت هناك تجربة في محو الأمية، وفي توسيع التعليم، وفي إعطاء الدولة حضوراً واضحاً في حياة الناس.

هذه الأشياء لا يمكن أن نمحوها لأننا نختلف اليوم حول السياسة.

والأخطاء موجودة أيضاً، ولا أرى عيباً في الاعتراف بها. الحزب تجربة بشرية، والبشر يخطئون.

لكن ما يزعجني أن هناك من يريد اختصار كل تلك التجربة في صورة واحدة، وكأنها لم تكن سوى أخطاء وصراعات.

حمل الحزب مشروع الوحدة اليمنية حتى تحققت عام 1990.

وكانت الوحدة في ذلك الوقت حلماً وطنياً كبيراً؛ وحدة تقوم على الشراكة والمواطنة، لا على أن ينتصر طرف على طرف.

ثم جاءت حرب 1994.

وهنا لا أستطيع أن أفصل الحرب عن الصراع الذي سبقها، وعن طبيعة القوى التي كانت تتحرك في المشهد. بالنسبة لي، كانت لحظة انتصار لقوى التخلف والبنية القبلية على المشروع الوطني الحقيقي.

وجرى إفراغ الوحدة من مضمونها، وتحولت الشراكة إلى سيطرة ونفوذ.

هذه ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ. آثارها ما زالت معنا حتى اليوم.

بعدها تغير موقع الحزب، وتغير خطابه أيضاً. انتقل من الماركسية اللينينية إلى خطاب الحزب الوطني الديمقراطي الاجتماعي، وبقيت العدالة والمساواة والديمقراطية والدولة المدنية حاضرة في رؤيته.

وهنا أرى أن اليسار لا ينبغي أن يخاف من التغيير.

الخوف الحقيقي أن يبقى الحزب يكرر نفسه بينما العالم من حوله يتحرك.

العامل تغير. طريقة العمل تغيرت. التكنولوجيا دخلت إلى المصنع والمكتب والهاتف. شاب يعمل عبر منصة، وآخر يبحث عن وظيفة خارج الحدود، وموظف يعمل من بيته لشركة في بلد آخر.

هذه ليست تفاصيل صغيرة.

هذه حياة جديدة تحتاج إلى أسئلة جديدة.

حتى الاستغلال نفسه تغير شكله.

ولهذا لا أقول إن الماركسية انتهت، لكنني لا أعتقد أن استدعاء الشعارات القديمة وحده سيعيد اليسار إلى الناس.

نحتاج أن نقرأ ماركس من اليمن، ومن فلسطين، ومن واقع العامل العربي، لا من الكتب وحدها.

لينين تحدث عن التحرر الوطني وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وكان يرى أن التحرر من الإمبريالية لا ينفصل عن مصالح الشعوب نفسها.

وهذا سؤال ما زال حاضراً عندنا.

ماذا يعني التحرر إذا بقي المواطن فقيراً؟

ماذا تعني السيادة إذا بقي القرار الاقتصادي مرتهناً؟

ماذا تعني الوحدة إذا تحولت الشراكة إلى سيطرة؟

أسئلة بسيطة، لكنها ثقيلة.

وأعتقد أن اليسار قادر على العودة إليها، لأنه في الأصل نشأ من أسئلة الناس.

أنا لا أريد من الحزب الاشتراكي أن يتخلى عن تاريخه، ولا عن مبادئه، ولا عن ذاكرته.

أريده أن يقرأ هذا التاريخ بعين مفتوحة.

أن يقول للشاب اليوم ما الذي يستطيع أن يقدمه له.

أن يتحدث عن العمل، والتعليم، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والحقوق، وعن دولة المواطن.

أن يخرج من بعض النقاشات التي استهلكتنا سنوات طويلة.

الوفاء للماضي ليس أن نعيش فيه.

والحفاظ على الهوية ليس أن نرفض التطور.

ربما هذه هي اللحظة التي يحتاج فيها اليسار إلى أن يسأل نفسه بصدق: أين الناس اليوم؟

أين العامل؟

أين الشاب؟

أين الموظف الذي ينتظر راتبه؟

أين المرأة التي تبحث عن فرصتها؟

إذا اقتربنا من هذه الأسئلة، سنجد أن كثيراً من أفكار اليسار ما زالت حية.

لكنها تحتاج إلى لغة جديدة، وأدوات جديدة، وشجاعة أكبر في النظر إلى الواقع.

لهذا أقرأ مقال الرفيق غازي الصوراني كدعوة للنقاش، وليس كإجابة نهائية.

السؤال الذي بقي معي بعد القراءة بسيط:

ماذا نريد نحن؟

ليس ماذا أراد الآخرون قبل مئة عام.

ماذا نريد نحن اليوم؟

وهنا، في رأيي، يبدأ الطريق.

فاليسار الذي يحترم تاريخه لا يخاف المستقبل.

والحزب الذي يعرف قيمة تجربته لا يخشى مراجعتها.

المطلوب ليس أن نتخلى عن اليسار، بل أن نجعله قادراً على أن يعيش في هذا العصر.

* رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
رئيس تحرير موقع صوت القضية الإخباري

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img