صحيفة الثوري – تقرير / خليل الزكري
شهدت محافظة مأرب خلال أقل من أربع وعشرين ساعة موجتين متتاليتين من الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة الحوثية، استهدفت مواقع عسكرية ومناطق مدنية، في تصعيد واسع أعاد الجبهة اليمنية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي.
وجاءت الهجمات بعد فترة من الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022، لتفتح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام موجة تصعيد محدودة ضمن دورة المواجهة المعتادة، أم أن الحوثيين يتجهون إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل العمق العسكري والبنية الأمنية واللوجستية للقوات الحكومية؟
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع دخول أطراف عدة على خط الأزمة؛ إذ أعلن مجلس الدفاع الوطني اليمني رفع مستوى الجاهزية العسكرية والأمنية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من خطر العودة إلى صراع واسع النطاق، وربط بين التصعيد في اليمن والهجمات على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن والتوترات الإقليمية.
هجمات متتالية وخسائر عسكرية ومدنية
أفاد مصدر عسكري بمقتل ثمانية من أفراد القوات الحكومية وإصابة اثني عشر آخرين في الهجمات الجديدة، أمس الجمعة، واستهدفت مواقع عدة بمحافظة مأرب، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
وبحسب المصدر، قتل خمسة عسكريين وأصيب ثمانية آخرون في استهداف معسكر صحن الجن، فيما أسفر هجوم آخر على منطقة حريب عن مقتل ثلاثة عسكريين وإصابة أربعة.
وفي الجانب المدني، أعلن وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم بحيبح مقتل مدنيين اثنين وإصابة أربعة عشر آخرين جراء قصف طال أحياء سكنية ومخيمات للنازحين، بينها مخيما الميل وجو النسيم.
وتأتي هذه التطورات بعد هجوم واسع سبقها بيوم واستهدف مواقع عسكرية في مأرب والعبر، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الحكومية، وسط استمرار التباين في تقديرات حجم الخسائر.
حصيلة خلال 24 ساعة.. مؤشر على تغير مستوى التصعيد
وتكمن دلالة الهجمات الأخيرة في معدل الخسائر خلال فترة زمنية قصيرة. فخلال أقل من أربع وعشرين ساعة، أدت الهجمات المتتالية في مأرب ومحيطها إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات الحكومية.
وبجمع الحصائل المتداولة للهجومين، تصل إحدى التقديرات إلى نحو 66 قتيلا عسكرياً خلال 24 ساعة، فيما تبقى الحصيلة النهائية رهن البيانات الرسمية النهائية.
وتختلف هذه الجولة عن نمط الهجمات التي ظلت في فترات طويلة تتركز على خطوط التماس والمواقع العسكرية المكشوفة، إذ امتدت الضربات الأخيرة إلى مواقع خلفية ومراكز تجمع وإسناد.
وتكمن أهمية الرقم في طبيعة العملية التي أنتجته؛ فاستهداف مواقع خلفية، واستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وتزامن الضربات مع تجمعات عسكرية، يشير إلى محاولة إحداث أثر أكبر من مجرد إيقاع خسائر بشرية محدودة.
من خطوط المواجهة إلى العمق العسكري
وتكشف طبيعة الأهداف المختارة خلال الهجمات الأخيرة عن انتقال الاهتمام من مواقع الاشتباك المباشر إلى مواقع خلفية ذات أهمية عسكرية وأمنية.
فاستهداف معسكر صحن الجن، إلى جانب مواقع في حريب ومناطق مرتبطة بحركة القوات والإمداد، يشير إلى محاولة التأثير على قدرة القوات الحكومية على التدريب والانتشار وإدارة العمليات.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه الهجمات تمثل تحولا نهائيا في استراتيجية الحوثيين، بقدر ما تعكس اتجاها نحو اختبار قدرة القوات الحكومية على حماية مواقعها الخلفية، وليس فقط الدفاع عن خطوط التماس.
والأهم أن بيان مجلس الدفاع الوطني كشف أن القوات المستهدفة تضطلع بمهام تتجاوز القتال المباشر، مثل تأمين الطرق، ومكافحة التهريب، وحماية المنشآت، وإدارة الأمن في المناطق الخلفية.
وهذا يعني أن الاستهداف لا يطال فقط المعسكرات، وإنما يمتد إلى وظائف الدولة الأمنية والعسكرية في مناطق العمق.
سؤال الاستخبارات ودقة الاستهداف
تطرح الهجمات المتكررة سؤالا عملياتيا حول كيفية تحديد مواقع عسكرية في مناطق بعيدة نسبيا عن خطوط المواجهة.
فاستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في ضرب أهداف متعددة خلال فترة زمنية قصيرة يتطلب مستوى من المعلومات المتعلقة بالمواقع والتوقيت وطبيعة الهدف.
ويفتح إصابة مواقع عسكرية خلفية في توقيتات مرتبطة بتجمع القوات، احتمال وجود معلومات مسبقة عن طبيعة الانتشار العسكري، سواء عبر الرصد التقني أو المصادر البشرية وشبكات التجسس.
وتكمن خطورة هذا العامل في أن مشكلة القوات الحكومية لا تصبح مرتبطة فقط بقدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ، ولكن في قدرتهم على اختيار أهداف ذات قيمة عملياتية.
وفي المقابل، تبقى احتمالات أخرى قائمة، من بينها اعتماد الجماعة على مراقبة أنماط عسكرية ثابتة يمكن رصدها بوسائل مختلفة.
بين الردع الحكومي والاحتواء الأممي
جاء الرد الرسمي اليمني عبر اجتماع طارئ لمجلس الدفاع الوطني، مساء الجمعة، الذي أعلن استمرار انعقاده بصورة دائمة، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية والأمنية، وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية والاستخباراتية.
وأكد المجلس اتخاذ الإجراءات اللازمة للرد على الهجمات، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ومنع تكرار الاعتداءات.
كما رحب المجلس باتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. ولا يعني ذلك أن الاتفاقية تشكل جزءً مباشرا من الرد على هجمات مأرب. لكن إدراجها في بيان صدر بعد التصعيد يمنحها دلالة سياسية؛ إذ تسعى الحكومة إلى وضع أمن اليمن ضمن إطار أوسع للأمن الإقليمي، خصوصا مع تداخل الجبهة اليمنية مع أمن البحر الأحمر والممرات البحرية.
في موازاة ذلك، قدم المبعوث الأممي هانس غروندبرغ قراءة مختلفة لطبيعة اللحظة الراهنة، محذرا من خطر العودة إلى صراع واسع النطاق لم يشهده اليمن منذ هدنة 2022.
وربط غروندبرغ بين الهجمات في مأرب وحضرموت والهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، إضافة إلى التوترات الإقليمية، داعيا الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار التفاوضي.
ويكشف تباين الموقفين عن معادلة المرحلة المقبلة: مسار عسكري يسعى إلى تعزيز الردع، ومسار دبلوماسي يحاول منع تحول التصعيد إلى مواجهة مفتوحة.
البعد الإقليمي للتصعيد
يأتي التصعيد الحوثي في ظل استمرار التوترات المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ومع استمرار الضغوط الدولية على الحوثيين بسبب الهجمات على الملاحة. وهو ما يجعل الهجمات الحوثية على مأرب غير منفصلة عن المشهد الإقليمي الأوسع.
كما أن استهداف مناطق داخل اليمن بالتزامن مع تطورات إقليمية يطرح احتمال استخدام الجبهة اليمنية كأداة لإرسال رسائل سياسية وعسكرية إلى أطراف متعددة.
وفي هذا السياق، فإن قراءة دوافع الهجمات تتطلب النظر إليها ضمن تداخل ثلاثة مستويات، تتمثل في الصراع الداخلي، والترتيبات الأمنية الإقليمية، ومسار التفاوض الدولي حول مستقبل الحرب في المنطقة.
خيارات الرد.. بين الاحتواء والردع
تملك القوات الحكومية ثلاثة مسارات رئيسية للتعامل مع التصعيد الحوثي:
ويتمثل الخيار الأول في الاكتفاء بإجراءات دفاعية داخلية، مثل إعادة توزيع القوات وتعزيز إجراءات الحماية.
وهو خيار ضروري لكنه قد لا يمنع تكرار الهجمات ما لم يترافق مع قدرة على ردع مصدر التهديد.
أما الخيار الثاني، فسيكون من خلال تنفيذ رد عسكري نوعي يستهدف قدرات الإطلاق والبنية العملياتية المسؤولة عن إدارة الهجمات، سواء عبر استهداف منصات الصواريخ والطائرات المسيرة أو مراكز القيادة والسيطرة.
ويبدو هذا الخيار الأقرب إلى محاولة استعادة معادلة الردع، خصوصا بعد إعلان مجلس الدفاع الوطني، مساء الجمعة، اتخاذ إجراءات للرد الحازم على مصادر التهديد.
ويرتكز الخيار الثالث على التحرك السياسي والدبلوماسي عبر الأمم المتحدة والشركاء الدوليين.
وهو مسار مهم لمنع توسع المواجهة، لكنه يحتاج وقتا ولا يعالج الخطر العملياتي المباشر.
وبالنظر إلى طبيعة الهجوم الأخير على مأرب، يبدو أن الخيار الأكثر ترجيحا هو رد عسكري محدود ومدروس يستهدف استعادة الردع دون الانجرار إلى توسع شامل للمواجهة، لأن الاكتفاء بإجراءات الحماية سيعني قبول معادلة جديدة تسمح للحوثيين بضرب العمق العسكري دون تكلفة مقابلة.
تداعيات محتملة
تفرض الهجمات الأخيرة تحديات جديدة أمام القوات الحكومية، وفي مقدمتها مراجعة إجراءات حماية المعسكرات، وإعادة تقييم آليات الانتشار، وتقليل التجمعات العسكرية الكبيرة، وتعزيز وسائل الإنذار المبكر.
كما قد تدفع هذه التطورات إلى مراجعة منظومة حماية المعلومات العسكرية، إذا أثبتت التحقيقات أن دقة الاستهداف ارتبطت بتوفر معلومات مسبقة عن تحركات القوات أو أماكن تمركزها.
وفي الوقت نفسه، يضيف سقوط ضحايا مدنيين بعدا إنسانيا للتصعيد، ويزيد الضغوط على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية في محافظة تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين.
إلى أين تتجه المواجهة؟
تكشف الهجمات الأخيرة أن مأرب دخلت مرحلة أكثر حساسية، إذ بات العمق العسكري جزءً واضحا من اختبار القدرة على الردع، وحماية عمقها العسكري ومواقعها اللوجستية.
المؤشر الأهم في هذه المرحلة قدرة الحوثيين على تكرار الوصول إلى أهداف ذات قيمة عسكرية داخل العمق.
وهنا تتقاطع المعادلة العسكرية مع التحذير الأممي؛ فنجاح الحوثيين في تثبيت هذا النمط سيضع المسار السياسي أمام واقع عسكري جديد، بينما سيؤدي رد حكومي واسع إلى اختبار قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء التصعيد.
وبذلك، فإن المعركة المقبلة لن تقاس بعدد الصواريخ التي يطلقها الحوثيون، وإنما بقدرتهم على تحويل ضرب العمق العسكري إلى نمط متكرر.
أما إذا تمكن الحوثيون من تكرار ضرب العمق، وعجزت القوات الحكومية عن فرض تكلفة رادعة على هذا النمط من الهجمات، فإن مأرب ستدخل فعليا في حرب استنزاف جديدة، عنوانها ضرب القدرة على العمل في العمق قبل استهداف خطوط المواجهة.

