صحيفة الثوري – (مقال رأي)
أ.د محمد فاضل الفقيه
في تلك السنين العجاف، لم تكن الجزائر تواجه حرباً تقليدية، بل كانت تشهد “وليمةً للوحوش”. لم يكتفِ القتلة باغتيال الأجساد، بل مارسوا طقوساً شيطانية لقتل “المعنى” في الإنسان. اغتيال الدكتورة نسيمة مجدوب لم يكن خطأً ميدانياً، بل كان “رسالةً ترهيبية” بدمٍ بارد: رسالةٌ مفادها أن كل من يحمل نور العلم، وكل من يرتدي زيّ الواجب، وكل من يحمل في أحشائه بذرة مستقبلٍ للوطن، هو هدفٌ مباحٌ لسيوف الجهل.
ما حدث في “بني مسوس” ليس مجرد جريمة جنائية، بل هو “ندبةٌ سوداء” في جبين الإنسانية جمعاء. إن القسوة التي أدت إلى إلقاء طبيبةٍ حامل، تحمل في روحها حياةً كاملة، على قارعة الطريق، لا يفسرها منطقٌ سياسي ولا يدعيها دينٌ سماوي. لقد أعلن هؤلاء القتلة حرباً على “الرحم” الذي يلدُ الرجال، وعلى “العقل” الذي يبني الدولة. لقد كانوا يخشون صوت نسيمة أكثر مما يخشون رصاصة الجيش، لأن الطبيبة هي رمز الشفاء، والقاتل هو رمز العفن.
إن الإدانة هنا لا تتوجه فقط لأصابع الزناد التي ضغطت، بل لكل “عمامةٍ” أفتت بالقتل، ولكل “لحيةٍ” بررت الدم، ولكل “متواطئٍ” في الظل صمت حين كان الحق يذبح. لقد حولوا “العشرية السوداء” إلى مسلخٍ أخلاقي، واليوم، يأتي من يريدنا أن ننسى، أن نغض الطرف، أن نكتفي بعبارة “عفا الله عما سلف”. لكن كيف يعفو القبر عن ساكنه؟ كيف تعفو الروح التي خُطفت في لحظة تكوينها؟
إن دم نسيمة مجدوب، ودم جنينها الذي لم يرَ النور، يصرخ في وجوهنا: لا تصالحوا! لا تصالحوا مع من جعلوا من القتل فريضة، ومن الترويع منهاجاً. إن جثتها الملقاة على تراب الجزائر لم تكن مجرد جسد، بل كانت “الجمهورية” التي حاولوا تدنيسها.
سيبقى التاريخ حكماً عادلاً، سيعيد ترتيب الأسماء؛ فنسيمة مجدوب ستظل “أيقونةً” للكرامة، بينما سيظلون هم “هوامش” في مزبلة التاريخ، مطاردين بلعنة الأمهات، وملاحقين بصوت الجنين الذي قُتل قبل أن يصرخ صرخته الأولى.
لن ننسى.. لأن النسيان هو الجريمة الثانية التي يرتكبها الأحياء بحق الموتى.

