آخر الأخبار

spot_img

7 يوليو.. جرحٌ يرفض الالتئام

صحيفة الثوري – (مقال رأي) :

​ا.د محمد فاضل الفقيه

​لا يمكن توصيف السابع من يوليو 1994 بوصفه حدثاً عسكرياً عابراً في الذاكرة السياسية اليمنية، بل هو “النقطة الفاصلة” التي انكسرت عندها أحلام مشروع التحديث الوطني. لقد مثّل ذلك التاريخ ولادة ما يمكن تسميته بـ “سوسيولوجيا الانكسار” في المجتمع اليمني، حيث تحولت الوحدة من عهدٍ طوعي بين شريكين إلى هيمنةٍ قسرية خلقت شرخاً عميقاً في بنية الوعي الجمعي والنسيج الاجتماعي.

​من الشراكة إلى الهيمنة: تآكل المشروع الوطني

في قلب تلك المأساة، تكمن خطيئة كبرى تمثلت في استبدال “العقد الاجتماعي” بعقلية “الغلبة”. لقد كان عام 1990 تتويجاً لرؤية وطنية طموحة، لكن حرب 94 جاءت لتجهض هذه الرؤية، محولةً الجنوب من شريك في القرار والسيادة إلى مساحةٍ للممارسة السلطوية الإقصائية. إن هذا التحول هو الذي أفرز “الذاكرة المكلومة” التي لا تزال تُشكل جزءاً أصيلاً من الواقع السياسي الراهن.

​استمرارية العقلية: التكرار القاتل

ما يثير الأسى في هذه الذكرى ليس فقط ما جرى في 1994، بل حقيقة أن القوى التي أنتجت ذلك الصراع ما زالت، حتى هذه اللحظة، تفكر بذات الأدوات وتدير المشهد بذات العقلية. إنها “متلازمة الرفض”؛ حيث ترفض هذه القوى الاعتراف بأن الزمن قد تجاوز آليات الاستحواذ والهيمنة. إنهم يعيدون إنتاج نفس الخطاب، ونفس التكتيكات، ونفس الإقصاء، وكأن التاريخ بالنسبة لهم مجرد تكرار رتيب للأخطاء نفسها، دون أدنى محاولة لاستيعاب الدروس الباهظة التي دفع ثمنها الوطن من دمه واستقراره. إن العجز عن تغيير “نمط التفكير” هو التهديد الأكبر لمستقبل اليمن؛ فمن لا يغير طريقته في التفكير، محكوم عليه بالفشل في تحقيق أي إنجازٍ وطني مستدام.

​ثقافة المكان وفلسفة الجرح

إننا حين نسترجع هذا التاريخ، لا نبحث عن إثارة النعرات، بل نسعى لتفكيك “فلسفة المكان” التي أهينت. لقد خلقت حرب 94 جرحاً في “الذاكرة المكانية”؛ فالمكان ليس مجرد جغرافيا، بل هو مستودع للهوية. وعندما تُسحق الهوية في مكانٍ ما باسم “الوحدة”، فإنها تتحول بالضرورة إلى قوة طاردة، وصرخةٍ تطالب بالاعتراف لا بالانكفاء.

​نحو “أفق جديد” للذاكرة

إن المخرج من “متوالية الفشل” التي تلت 94 لا يتم عبر محو الذاكرة، بل عبر مواجهتها بشجاعة أخلاقية، تبدأ بـ:

  • ​الاعتراف بالخطأ السياسي: الإقرار بأن الإدارة التي تلت 94 كانت قائمة على التهميش.
  • ​إعادة بناء مفهوم المواطنة: استبدال عقلية “المركز والأطراف” بمفهوم الدولة التي تضمن الكرامة للجميع.
  • ​جبر الضرر الرمزي والمادي: فالدولة التي لا تداوي جراح مواطنيها تظل في حالة “سقوط مستمر”.

​إن السابع من يوليو يظل اختباراً لضميرنا الجماعي؛ فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاء الماضي، والشعوب التي لا تضع يدها على جرحها لا يمكنها أن تلتئم.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img