آخر الأخبار

spot_img

إرث 7/7 الأسود

صحيفة الثوري – (رأي)

مراد حسن بليم
_____________

شكلت محطة السابع من يوليو 1994 منعطفا بنيويا حاسما في تاريخ اليمن المعاصر،حيث تجاوزت مفاعيلها حدود الحسم العسكري لتتحول إلى أداة لتقويض مداميك الشراكة السياسية، ونسف صيغة الوحدة التوافقية المستندة إلى التعددية الديمقراطية,وأسست نتائج تلك الحرب لمعادلة سياسية صفرية بددت التوازن الحزبي لصالح نظام الهيمنة الأحادية،وصاغت مفهوما مشوها لإدارة الدولة يقوم على ثقافة الغنيمة وإقصاء الشريك السياسي المتمثل في”الحزب الاشتراكي اليمني والجنوب كدولة شكلت نصف المعادلة السياسية لحدث الوحدة “,هذا التحول الجذري في طبيعة السلطة جردها من شرعيتها المؤسسية والتوافقية،مستعيضا عنها بشرعية القوة والولاءات الضيقة،مما مهد الطريق لبروز ثقافة “الفيد” كآلية مركزية للحكم وإدارة موارد البلاد.

ترتبط شرعية الأنظمة طرديا بمدى التزامها بسيادة القانون والمواطنة المتساوية،وهو ما تعرض لتدمير ممنهج عبر العقود الماضية بعد أن وظفت السلطة أدواتها البيروقراطية والإعلامية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بأسلوب نفعي,حيث جرت مأسسة الفساد المالي والإداري وشرعنته كآلية سياسية لشراء الولاءات وضمان استمرار التحالفات الحاكمة,وفي المقابل،أدى تغييب القانون وعزل النخب الوطنية النزيهة إلى تحويل مؤسسات الدولة الاعتبارية إلى كيانات جوفاء تفتقر للفاعلية، مما أفرغ التجربة السياسية من محتواها،وجعل من المؤسسات مجرد واجهات شكلية لخدمة النفوذ الفئوي،ما نزع عن النظام قدرته على احتواء الأزمات الداخلية المتلاحقة.

لقد أفضى هذا الانهيار البنيوي المتراكم،بالتزامن مع انقلاب مليشيات الحوثي واشتعال فتيل الحرب،إلى تآكل كامل لسلطة الدولة المركزية وانهيار مؤسساتها السيادية. وتسبب هذا الفراغ السياسي والدستوري المخيف في تشظي السلطة،وظهور فصائل مسلحة وأمراء حرب يتنازعون السيطرة على الجغرافيا والموارد وفي غياب رؤية وطنية موحدة،ارتهنت هذه الكيانات المحلية للأجندات المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية,فلم يعد القرار الوطني مستقلا،بل أصبح رهينة لاستراتيجيات خارجية وظفت التعدد العسكري لخدمة مصالحها الجيوسياسية،مما أحدث شللاً تاما في القرار السياسي اليمني، وعجزا كاملاً عن إدارة الخدمات أو توفير الاستقرار للمواطنين.

لقد قاد غياب الرؤية الوطنية واختلال المعايير السياسية إلى تفكيك الجغرافيا السياسية للبلاد، وانتعاش الهويات الفرعية والمناطقية والمذهبية وبات هذا الانقسام العمودي الحاد في بنيان المجتمع يمثل اليوم العقبة الأساسية أمام أي تسوية سياسية شاملة،أو أي مشروع حقيقي لاستعادة الدولة، سواء في الشمال أو في الجنوب.

إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب تجاوز المقاربات العسكرية التقليدية نحو إحداث ثورة سياسية وبنيوية شاملة،تبدأ بالضرورة من إعادة الاعتبار للمنظومة القانونية وسيادة الدستور، وتصفية إرث الغلبة والإقصاء وتداعيات حرب صيف 94،وإعادة بناء المجال السياسي على أسس المواطنة المتساوية بعيدا عن الاستحواذ والتمكين الفئوي المستمر،وصولا إلى إنهاء انقسام القوى والمكونات المناهضة لمليشيات الحوثي لتوحيد الجهود نحو استعادة الدولة.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img