“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد فاضل الفقيه
لم تعد الرأسمالية المعاصرة مجرد نظام لتبادل السلع ورأس المال، بل تحولت إلى “هندسة سوسيولوجية” تستهدف البنية العميقة للمجتمعات، لا سيما في دول الجنوب. إن الهدف الاستراتيجي لهذا النظام يتجاوز نهب الموارد إلى “تفتيت الهوية الوطنية”، لأن المجتمع المتمسك بجذوره وثقافته هو مجتمع يصعب تدجينه أو تحويله إلى مجرد سوق استهلاكية خامدة.
من المواطن إلى المستهلك: استلاب الذات
تعمل المنظومة الرأسمالية على تفريغ الفرد من محتواه القيمي والتاريخي، وتحويله من “مواطن” صاحب مشروع حضاري، إلى “مستهلك” معولم. إن ما نعيشه اليوم هو تجسيد لمفهوم “القابلية للاستعمار” الذي صكه المفكر مالك بن نبي، حيث لا يكتمل استلاب القرار السياسي إلا بـ”عنف رمزي”—كما يسميه بيير بورديو—يجعل الفرد يتبنى قِيَمَ مَنْ يستغله، ظانًّا أنها قِيَمُ التمدن، وهو ما يفسر حالة “الانكسار السوسيولوجي” التي تعاني منها مجتمعاتنا أمام آلة الرأسمالية المتوحشة.
استراتيجية الاستحواذ: حين يصبح القرار سلعة
إن ما نشهده اليوم من تحويل الدول إلى “أصولٍ” مستباحة ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل هو تطبيقٌ عملي لما أسماه جون بيركنز في “اعترافات قاتل اقتصادي”، حيث يتم إغراق الدول بالقروض السيادية لإحكام القبضة على قرارها الوطني. هذا الواقع يتقاطع مع أطروحات سمير أمين في “تنمية التفاوت”، التي تفسر كيف يعمل النظام الرأسمالي على إبقاء الدول الصغيرة في حالة ارتهان دائم للمركز.
إن هذا الاستلاب لا يكتمل إلا بضرب العمود الفقري للهوية، وهو ما حذّر منه علي شريعتي في مشروعه “العودة إلى الذات”، مؤكداً أن التحرر الاقتصادي يظل ناقصاً ما لم يرافقه تحررٌ ثقافي يعيد للشعوب قدرتها على رسم نموذجها الحضاري الخاص.
صناعة “الهويات الفرعية” وتفتيت الذاكرة
تدرك الرأسمالية أن “الهوية الوطنية الشاملة” هي أكبر تهديد لمصالحها؛ لذا تقوم استراتيجيتها على تضخيم الهويات الفرعية (طائفية، عرقية، ومناطقية) وتحويلها إلى متاريس للصراع. وبالموازاة مع ذلك، يتم العمل على محو الذاكرة الجماعية وتقطيع حبل الوصل بين الأجيال، مما يخلق حالة من “الاغتراب الثقافي” تجعل الشباب في دولنا يعيشون حالة من الهزيمة النفسية، معتقدين أنهم بلا تاريخ يُعتد به، وهو ما يتسق مع رؤية إيمانويل والرشتاين في تفسيره لتقسيم العالم إلى “مركز” و”أطراف”.
خاتمة: نحو مشروع للنهضة
إن التفتيت الذي تشهده هوياتنا ليس قدراً حتمياً، بل هو سياسة يمكن تعطيلها من خلال إحياء الوعي النقدي. إن بناء الدولة الوطنية لا يتحقق بتبني قوالب جاهزة، بل بإنتاج نموذج تنموي نابع من إرادتنا، يستند إلى “الاجتهاد” الذي دعا إليه محمد إقبال، ويتجاوز النماذج المادية الوافدة. إن الرأسمالية تهزمنا حين ننتظر منها حلاً، وتنهزم هي حين ندرك أن تحررنا لا يمكن أن يُستورد، بل يُصنع بأيدينا من خلال استعادة ذواتنا.
المصادر والمراجع
• أولاً: في الاقتصاد السياسي ونقد التبعية
– أمين، سمير. التراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف.
– بيركنز، جون. اعترافات قاتل اقتصادي.
– والرشتاين، إيمانويل. النظام العالمي الحديث.
• ثانياً: في السوسيولوجيا وعلم النفس الاجتماعي والسياسي
– بن نبي، مالك. شروط النهضة.
– بورديو، بيير. أسباب عملية: إعادة إنتاج الهيمنة.
– فانون، فرانز. معذبو الأرض.
– موران، إدغار. المنهج (سلسلة).
• ثالثاً: في الفلسفة والنهضة الثقافية
– إقبال، محمد. تجديد التفكير الديني في الإسلام.
– سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية.
– شريعتي، علي. العودة إلى الذات.
• رابعاً: في منهجية التحليل
– كون، توماس. بنية الثورات العلمية (تأصيل مفهوم “البردايم”).

