صحيفة الثوري – كتابات
أحمد يسلم
تاريخ الحركة الوطنية والاشتراكية مليء بأسماء رجال لم يبيعوا مواقفهم في سوق المزايدات، ولم تنحنِ قاماتهم أمام عواصف السياسة وتقلبات المصالح. ومن بين هذه الأسماء التي حفرت مكانتها عميقًا في وجدان الحركة الوطنية يبرز اسم القائد الاشتراكي الصلب فضل مفتاح، عضو اللجنة المركزية للاشتراكي، بوصفه رمزًا للالتزام المبدئي، وعنوانًا للنضال الذي لا يعرف المساومة.
رجل عاش من أجل قضية، ومات وهو يحمل لواءها، فاستحق أن يكون له “خلود في الحياة” بذكره الطيب ومواقفه المشرفة، و”خلود في الممات” كرمز تليد تلهم سيرته الأجيال القادمة، وتُكتب بماء الذهب.
النشأة والتكوين:
لم يكن انخراط فضل مفتاح في العمل السياسي والاشتراكي ترفًا فكريًا، بل كان نتاجًا طبيعيًا لوعي مبكر بمعاناة الناس وتطلعات الجماهير نحو العدالة الاجتماعية والحرية. منذ بداياته الأولى، تميز بشخصية قيادية فذة، وقدرة عالية على التنظيم والتحشيد، مما جعله يتدرج سريعًا في صفوف الحركة الوطنية واليسارية بالذات، ليكن واحدًا من ركائزها الصلبة.
مسيرة نضالية من طراز فريد
اتسمت مسيرة فضل مفتاح النضالية بالعديد من المرتكزات التي جعلت منه قائدًا ميدانيًا استثنائيًا:
الصلابة المبدئية: في المنعطفات السياسية الخطيرة التي مرت بها المنطقة والحركة الاشتراكية، كان فضل مفتاح كالصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات الاحتواء أو الإخضاع. فلم يغير جِلده، ولم يساوم على حقوق ومبادئ حزبه الذي ينتمي إليه والجماهير.
القرب من الناس: لم يكن قائدًا يقبع في المكاتب المغلقة، بل كان ملتحمًا بالجماهير، مستمعًا لمعاناتهم، ومدافعًا شرسًا عن حقوق أهله ومواطنيه.
الفكر والتنظيم: امتلك رؤية فكرية ثاقبة مكنته من قراءة الواقع السياسي والاجتماعي بدقة، وإدارة الملفات التنظيمية بكفاءة عالية في أحلك الظروف وأصعبها.
خلود في الحياة.. وخلود في الممات
“إن المفكرين والمناضلين الحقيقيين لا يرحلون، بل ينتقلون من ضوضاء الحاضر إلى خلود التاريخ.”
تنطبق هذه المقولة تمامًا على القائد فضل مفتاح.
أولًا: خلوده في الحياة (بالموقف والأثر)
لقد ضمن فضل مفتاح خلوده في الحياة من خلال الإرث النضالي الذي تركه خلفه باقتدار، فالقيادة ليست مجرد منصب، بل هي أثر وتأثير؛ وقد نجح في غرس قيم النزاهة والتضحية في نفوس كل من عاصروه وتتلمذوا على يديه. إن كل موقف شجاع وقفه، وكل كلمة حق نطق بها في وجه الغزو والظلم والفساد، هي بمثابة نبض مستمر يبقيه حيًا في ذاكرة رفاقه ومحبيه.
ثانيًا: خلوده في الممات بالإرث والرمزية.
حينما يرحل جسد المناضل، تبدأ ولادته الحقيقية في وعي الأمة. إن رحيل فضل مفتاح لم يكن نهاية لقصته، بل تحول إلى رمزية ملهمة. غدا اسمًا يُستدعى كلما دعت الحاجة إلى الصمود والثبات. الممات لم يغيبه، بل صهر سيرته في بوتقة الخلود، ليصبح منارة تهتدي بها الأجيال الاشتراكية والتقدمية الباحثة عن غدٍ أفضل يسوده العدل والمساواة.
خاتمة: العهد والوفاء للإرث
إن الكتابة عن قائد بحجم فضل مفتاح ليست مجرد سرد لسيرة ذاتية أو رثاء عابر، بل هي محاولة لاستحضار القيم التي عاش واستشهد من أجلها. لقد كان كبيرًا في حياته بصموده وعطائه، وبقي كبيرًا بعد مماته بإرثه وتاريخه الناصع.
سيظل فضل مفتاح حيًا في قلوب الأوفياء، حاضرًا في كل الساحات التي تنشد الحرية والاشتراكية، مؤكدًا بحياته ومماته أن “المبادئ لا تموت، وأن المناضلين الأفذاذ يملكون بوابات الخلود”.

