“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أسعد عمر *
أمام فخامة الأخ رئيس مجلس القيادة الرئاسي، والأخوة أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس وأعضاء الحكومة، ورؤساء وأعضاء مجلسي النواب والشورى، وهيئة التشاور والمصالحة، ورئيس وأعضاء المجلس الأعلى للتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، ورؤساء وأمناء عموم الأحزاب والمكونات السياسية، ورؤساء وقادة مكونات الحراك الجنوبي، والمكونات الاجتماعية في حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى، ونشطاء السياسة والإعلام في الشرعية.
تمر القضية اليمنية اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها المتغيرات المحلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، في وقت يجري فيه إعادة تشكيل موازين القوة وترتيب أولويات الفاعلين الدوليين والإقليميين.
الأمر الذي يستدعي من قيادة الشرعية ومكوناتها التحلي باليقظة لمتابعة التطورات وقراءة مآلاتها، واستشراف انعكاسات تحولات الأحداث في الحرب الأمريكية الإيرانية على مسار القضية اليمنية، وتأثيراتها على موازين القوة والقدرة للفاعلين الدوليين في الملف اليمني، والموقف من اتجاهات الحل للقضية اليمنية عبر خارطة الطريق، واستجلاء ما قد تحمله المرحلة المقبلة من فرص وتحديات في سياق التحولات بالمنطقة، وما قد تفضي إليه الأمور تجاه نفوذ وتهديدات جماعة الحوثي للملاحة الدولية وارتباطها بإيران، من خلال أي صفقات وتفاهمات سياسية أو ترتيبات أمنية جديدة.
لأجل هذا، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى تعزيز تماسك مؤسسات الشرعية ومكوناتها السياسية، ورفع مستوى التنسيق بينها، وتوحيد رؤيتها وأولوياتها الوطنية، فالمتغيرات القادمة لن تنتظر المترددين، ولن تمنح فرصاً إضافية لمن يهدرون الوقت في الصراعات الجانبية والخلافات البينية.
ولعل من المؤكد القول إن بناء موقف وطني لجعل قيادة الشرعية أكثر قوة وقدرة على التأثير لا يمكن أن يتم إلا بتكثيف العمل على ترتيب البيت الداخلي لمنظومة الشرعية، وسرعة استكمال بناء وإصلاح مؤسسات الدولة الوطنية، وفي مقدمتها الجيش والأمن والبنك المركزي والأجهزة الرقابية والخدمية، باعتبارها الركائز الأساسية لمشروع استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، والانتقال من منطق الشراكة الشكلية إلى شراكة حقيقية قائمة على الثقة المتبادلة والتوافق حول الأولويات الوطنية الكبرى وتجسيدها ميدانياً.
غير أن بعض ما يسود على أرض الواقع اليوم يمثل مبعثاً للقلق، إذ لا تزال الساحة السياسية والإعلامية تشهد قدراً من التراشق والمهاترات واستدعاء الخلافات القديمة، إضافة إلى ما برز خلال الفترة الأخيرة من خطابات وتصريحات ومضامين إعلامية أعادت فتح ملفات وصراعات تاريخية بين مكونات وطنية يفترض أن يجمعها اليوم هدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، في وقت يفترض أن تتجه فيه الجهود نحو توحيد الصفوف وحشد الإمكانات لمواجهة التحديات المصيرية.
ويزداد الأمر خطورة حين تصدر بعض هذه الخطابات عن شخصيات سياسية أو مسؤولين رسميين، من أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي أو الحكومة ومسؤولي المحافظات، ومن قيادات في الأحزاب والمكونات أو أعضاء في هيئات التكتل الوطني للأحزاب، وتتحول بعض المنصات الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية وإعادة إنتاج الاستقطابات القديمة.
الأمر الذي يسهم في تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة المتبادلة وتشتيت الرأي العام، ومنح خصوم الشرعية فرصاً إضافية للاستفادة من حالة التباين والانقسام داخل معسكرها.
لقد أثبتت التجارب أن التحالفات التي لا تقوم على رؤية مشتركة ومصالح وطنية عليا سرعان ما تتعرض للاهتزاز في أقرب محطة اختبار حقيقي، لذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة جادة ومسؤولة للأداء السياسي والإعلامي، والعمل على بناء إطار أكثر فاعلية للتنسيق والشراكة بين مختلف المكونات الوطنية، بتفعيل العمل بكل ما سبق أن تم الاتفاق عليه وإقراره من وثائق وبرامج واتفاقات ومواثيق، بما يضمن إدارة الخلافات بصورة رشيدة ويحول دون استمرارها وتحولها إلى صراعات تستنزف الجميع.
إن الدعوة إلى الوفاق الوطني وتعزيز الاصطفاف لم تعد ترفاً سياسياً أو شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل أصبحت ضرورة وطنية ملحة تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات المشهد اليمني، فاستمرار الانشغال بالخلافات وتبادل الاتهامات لا يخدم معركة استعادة الدولة، ويصب في مصلحة مشروع المليشيا الحوثية وإطالة أمد هيمنتها.
وهنا تبرز الحاجة إلى ضرورة العمل على إدارة خطاب سياسي وإعلامي وطني جامع يركز على القواسم المشتركة بدلاً من نقاط الخلاف، ويعزز الثقة بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، ويوجه الطاقات نحو المعركة الحقيقية المتمثلة في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
ومما يجب في هذا الإطار المسارعة إلى توجيه الإعلام الرسمي والحزبي، ومعه النخب والناشطون، نحو دعم خطاب المسؤولية الوطنية وتعزيز اجتماع الصف للقوى المناهضة لمليشيا الحوثي ومشاريع ما قبل الدولة، والابتعاد عن التحريض والكراهية والمناطقية وكل ما من شأنه تعميق الانقسامات وإضعاف الجبهة الداخلية.
وبتعزيز الالتفاف حول مؤسسات الدولة الشرعية وقيادتها، وتعزيز دورها وقدراتها، وترسيخ حضورها في حياة المواطنين وتجسيد ذلك عملياً في الميدان، باعتبارها الإطار الجامع لكل اليمنيين، والقادرة على قيادة مشروع إحلال السلام والاستقرار والتعافي وإعادة البناء.
ومما ينبغي التشديد عليه هنا أن المعركة التي يخوضها اليمنيون اليوم أكبر من الأحزاب والمكونات والأشخاص، وأوسع من الحسابات الضيقة والمصالح الآنية. وما لم تدرك جميع القوى الوطنية خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد، وتنجح في خلق الوفاق الوطني وتعزيز اصطفافها بشكل جدي حول هدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، فإن الجميع سيكون خاسراً أمام استمرار حالة التشرذم والانقسام.
لقد آن الأوان الآن للانتقال من إدارة الخلافات إلى إدارة التوافقات، ومن استدعاء الماضي إلى صناعة المستقبل، ومن التنافس داخل معسكر الشرعية إلى توحيد الجهود في مواجهة الخطر الذي يهدد الدولة والجمهورية ومستقبل اليمنيين جميعاً.
فإما أن نرتقي إلى مستوى التحديات لنتوافق ونصطف بشكل موحد خلف مشروع الدولة، وإما أن نستمر في الدوران داخل متاهات دوائر الخلاف، بينما يزداد الوطن تمزقاً وتتسع كلفة التأخير على الجميع، والخيار لنا وبأيدينا قبل غيرنا.
والله والوطن من وراء القصد.
* عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني

