آخر الأخبار

spot_img

كيمياء الحرف وبسالة الموقف: عمر الجاوي في مرايا الذاكرة غير المنشورة

صحيفة الثوري – في الذاكرة:

د. عباس عبد الولي

لطالما حاولتُ مراراً وتكراراً الكتابة عن عمر الجاوي من تلك الزاوية العصية التي لم يتسنَّ لأحدٍ رؤيته منها، وكنتُ في كل مرة أعجز عن المضي قُدماً؛ ليس لقلة الحيلة، بل لأنني لم أتمكن من الهيمنة على مفرداتٍ تملك القدرة على إعطاء هذا الإنسان حقه. إن رصيد الكلمات في قواميسنا التقليدية يضيق عن الاتساع لفضائه، والمقدرة على صياغة الحقائق عنه تعجز عن الارتقاء إلى سماواته؛ فعمر هذا كان فريداً من نوعه، إلى حدٍّ يخالني معه أنه كائنٌ من عالمٍ غير عالمنا، أو لعله “من كوكبٍ آخر” كما يهمس لي شعورٌ أدفنه في قرارة نفسي؛ اعترافاً ضمنياً بأن القوالب السردية المألوفة لن تتسع لظاهرته الاستثنائية.

أمام هذا العبء الوجداني والصراع النبيل، حيث يتحول الحب الكبير والمكانة الشاهقة لصديق كعمر الجاوي إلى “قيد” يُكبل القلم خوفاً من التقصير، وجدتني ألوذ بمنحى أعمق؛ مسارٍ تفكيكي أولج من خلاله لإدراك كُنه هذا الاسم الذي لطالما تميز حاملوه بخصائص جامعة فريدة، مستقاة من تاريخنا القديم والحديث على مر العصور.

إن هذا المسعى ليس مجرد تكريس لبصمة جينية ناتجة عن الاسم، بل هو محاولة حثيثة لكسر جليدٍ تجمّد عبر ثلاثة عقود، وتجاوزٍ لـ “حصار الكلمات” عبر آليات ومقترحات كتابية أطرحها أمام نفسي للتحرر من الخوف والبدء في خط السطور. فالزمن يجري، والكتابة هي الطريقة الوحيدة لهزيمة هذا الركض العبثي للوقت؛ والكلمات التي نخشى ألا تفي عمر حقه هي أفضل بكثير من الصمت، فالأجيال الجديدة بحاجة لعيني أنا تحديداً ليروا عمر الذي لم يعاصروه؛ الإنسان الذي مشى على الأرض ولم يستوعبه زمانه.

أولاً: الشيفرة الثلاثية لاسم “عمر” (بنيان الطاقة والتوازن)

هذا الاسم ثلاثي الحروف ليس مجرد تتابعٍ للأصوات، بل هو بنيانٌ هندسي ولغوي عجيب، يحمل في طياته شفرةً تجمع بين الصلابة الفائقة واللين الإنساني العميق. وعندما نتأمله، نجد أن سره يكمن في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. الشيفرة اللغوية: “عُمر” وعمق الجذور

مشتق لغوياً من العِمارة والعُمر (الحياة). هو اسمٌ يتصل بالبناء؛ ليس بناء الحجر فحسب، بل بناء الأثر والامتداد الطيب الذي يمتد بعد رحيل صاحبه.

· الحركة الصرفية المتمردة: يأتي اسم “عُمَر” على وزن «فُعَل»، وهو ما يُعرف في الصرف العربي بـ “العَدْل” (أي المَعدول به عن اسم الفاعل التقليدي “عامِر”). هذا الانتقال يمنحه طاقة حركية فريدة؛ فهو ليس ثابتاً ساكناً، بل متجدد متدفق.

· عمارة النفس: من هنا يمتلك حامله نزعة فطرية لإعمار المكان الذي يتواجد فيه، سواء بالعمل، أو بالكلمة، أو بالتنظيم.

· تتابع الحروف وطاقتها الصّوتية:

العين (ع): حرف حلقي عميق، يخرج بجهد وقوة، ويمثل الأصالة، الرؤية الواضحة، والعمق الإنساني.

الميم (م): حرف شفوي مجهور، يمثل الجمع والضم والرحمة. هو الدفء الذي يخفف من حدة الحرفين المحيطين به.

الراء (ر): حرف تكراري اهتزازي، يمنح الاسم رنيناً مستمراً، ويدل على الحركة، الطموح، والقدرة على ترك أثر لا يمحى.

2. الشيفرة التاريخية: ثقل “الفاروق”

لا يمكن فصل الاسم عن ذاكرة الإنسانية الجمعية المرتبطة بـ “عمر بن الخطاب”. هذا الارتباط أضفى على الاسم سماتٍ تغلغلت في اللاوعي:

· العدل والحزم والاستقامة: يمنح الاسم صاحبه هالة من الجدية، و”فاروقية” كامنة تفصل بين الحق والباطل بصدق شديد مع النفس والآخرين.

· التوازن الصعب: الجمع بين القوة والشخصية المهابة، وبين بساطة الروح وتواضع التعامل (كتوازن الفاروق الذي ينام تحت الشجرة).

3. الشيفرة النفسية: التناغم بين المتناقضات

· الصمود والقيادة الفطرية: حرف “العين” في البداية يعطي انطباعاً بالرؤية الشاملة، و”الراء” في النهاية يعطي انطباعاً بالثبات؛ لذا فهو شخص “رائي” (ثاقب النظرة) و”ثابت” (صامد أمام العواصف). هم لا يبحثون عن القيادة، بل القيادة هي التي تجدهم بفضل وقارٍ هادئ يفرض الاحترام دون حاجة لرفع الصوت.

· الإنسانية العملية والوضوح الحاسِم: لا يكتفون بالتعاطف النظري، بل يحولون مواقفهم إلى أفعال وبناء. هو اسم يكره الضبابية؛ حروفه متميزة وقاطعة، مما ينعكس على شخصية صاحبه في صراحة قد تبدو جارحة أحياناً لكنها دائماً نقية.

· الرصانة كملجأ: هذا التوازن الصوتي والنفسي بين العمق (العين)، والوسطية (الميم)، والامتداد (الراء)، يجعل من حاملي الاسم ملجأً وملاذاً لمن حولهم وقت الأزمات.

من مرآة الذاكرة.. كواليس غير منشورة من حياة عمر الجاوي

عمر الجاوي

تمهيد: في حضرة الساخر الشامخ

ليست الكتابة عن عمر الجاوي ترفاً بيوغرافياً، بل هي محاولة لفك شفرة رجل كان يرتدي السخرية درعاً، والكبرياء هوية. عندما أنظر في مرآتي الشخصية، مسترجعاً تلك الأيام التي تقاطعت فيها طرقنا – إما بمعاينة مباشرة وإما عبر دوائر الأصدقاء المشتركين، وعلى رأسهم أخي الراحل محمد عبد الولي- أدرك أن “عمر الإنسان” كان أعظم بكثير من “عمر السياسي”. هذه القطوف من الشذرات التي عشتها وشهدتها، أضعها اليوم لتوثق جزء من ملامح رجل لم ينحنِ لعاصفة، ولم يبع كرامته بلبنات من الأرض، وظل حتى رمقه الأخير صوتاً للناس… ومن الناس.

الشذرة الأولى: صيف 1967.. فندق المخا والنبوءة الصادقة

عدتُ في صيف عام 1967 من المهجر، حاملاً في جعبتي دهشة الاغتراب وأسئلة العودة. كانت صنعاء يومها مدينة تلفظ أنفاس الحرب الملكية الجمهورية الشرسة، وتتحسس طريقها نحو فجر جديد. وكانت محطتي الأولى هي في رعاية أخي الأكبر، محمد عبد الولي، الذي كان يشغل حينذاك منصب المدير المالي والتجاري وعضو مجلس إدارة الخطوط الجوية اليمنية.

ذات عصر، أخذني محمد إلى صالة “فندق المخا”؛ ولم يكن “المخا” مجرد فندق، بل كان النادي غير الرسمي لنخبة الفكر، والسياسة، والمال في العاصمة. كانت الصالة تموج بالدخان، والهمسات، والنقاشات الحامية. جلستُ متأملاً تلك الحلقة الفريدة التي ضمت أخي محمد، والمفكر الدكتور أبو بكر السقاف بوقاره الفلسفي المعهود، والاقتصادي حسن العالم، ورجل الأعمال الشاب شاهر عبد الحق، الذي كان يملأ الدنيا ضجيجاً آنذاك بمشروعه الطموح: وضع حجر الأساس لفندق “سبأ”، الأكبر في تاريخ العاصمة.

بينما اتسم ترحيب الحاضرين بي- أنا الفتى اليافع القادم للتو من الغربة – بنوع من الرسمية الجافة والبرود الذي يشي بفوقية مبطنة تخلو من الانشغال بالقادم الجديد، حدث العكس تماماً بمجرد أن رأتني عينا عمر الجاوي. من الوهلة الأولى، شعرت بانجراف عفوي نحو هذا الرجل. كان ترحيبه دافئاً، خالياً من طقوس الأهمية المصطنعة. كان يمتلك ديناميكية جسدية عجيبة؛ تتحرك يداه مع كلماته، وتلمع عيناه ببهجة ساحرة تبدد من حولك أي توتر، وتهبك طمأنينة فورية بأنك لست غريباً في مجلسهم.

انزويتُ على مسافة قريبة، مستمعاً لحديث كان في معظمه خارج دائرة اهتماماتي الطفولية والسياسية. لكن حواراً واحداً دار بين عمر وشاهر عبد الحق، وبمشاركة حادة من أبوبكر السقاف، ظل محفوراً في وجداني كأنه حدث بالأمس. كان النقاش يدور حول الهيكل الخرساني العظمي لفندق سبأ، الذي وقف شاهداً أصم في قلب صنعاء لأكثر من عام دون حراك، رغم أن شاهر كان يتمتع بامتيازات استثنائية تتيح له استيراد مواد البناء حرةً ومعفاة تماماً من أي ضرائب أو جمارك باسم المشروع.

التفت عمر نحو شاهر، ورمى بوجهه تلك الرصاصة الساخرة التي لم تفارق إذني منذ عقود:

“متى با تكمل شَبَع. وبا تكمل الفندق؟!”

أعقبها السقاف بسؤال فلسفي حاد النبرة: “كم مليون تريد جمعه لتكتفي وتكف؟”. رد شاهر ببرود تاجر واثق: “600 مليون وبا أوقف”، واكتفى بالرقم دون تحديد صنف العملة.

دارت عجلة الزمان وتوالت السنون، ولم ير الفندق النور إلا في الثمانينيات في عهد “عفاش”. ومن مفارقات دهاء شاهر عبد الحق، أنه لم يكمل بناء الفندق من ثروته الشخصية التي تضخمت جراء الإعفاءات الجمركية، بل دخل في شراكة استثمارية مع مجموعة “تاج” الهندية الشهيرة، ليرتبط اسم “تاج” بـ “سبأ” ويصبح فندق “تاج سبأ”. لم يتوقف شاهر عند الـ 600 مليون، بل تخطى المليار، ومات مليارديراً، لكن نبوءة عمر وحدسه الإنساني ظلا يتجليان عبر العقود؛ كاشفين أن عمر كان يرى ما خلف الجشع، ويقرأ مآلات تحالف رأس المال مع السلطة قبل أن تولد الدولة الحديثة.

الشذرة الثانية: تعز في جنح الظلام.. كواليس الهروب الكبير (أغسطس 1968)

هذا المشهد يمثل إحدى الحلقات المفقودة في التاريخ التوثيقي لعمر الجاوي. لقد تبارى الكثيرون في تدوين سيرته، لكن أحداً لم يقترب من تفاصيل تلك الليلة الرهيبة في تعز، لعل أن القلة التي عاصرتها رحلت، أو آثرت الصمت.

الخلفية التاريخية يعرفها الجميع: أدوار عمر الجاوي الأسطورية في تنظيم المقاومة الشعبية وتثبيت صمود صنعاء خلال حصار السبعين يوماً، صاحب شعار “الجمهورية أو الموت”. لكن ما تلا ذلك الصمود كان مأساة؛ إذ انقلبت مراكز القوى التقليدية والمتطفلة على تضحيات الشجعان، وتمخضت “أحداث أغسطس 1968” الدامية عن انتصار تلك القوى والبدء في تصفية الرموز الحقيقية للثورة. وكان عمر الجاوي هو “جوهرة التاج” والهدف الأكبر لقوى الردة وعلى رأسهم حسن العمري.

لكن عمر لم يكن رقماً سهلاً؛ فمحبوه كانوا يملأون كل فئات المجتمع. وحتى أولئك الذين كانوا يقفون في المنطقة الرمادية ويشغلون “وسط العصا” في السلطة، تحركت ضمائرهم ودفعتهم عاطفتهم الجارفة نحو الجاوي خوفاً على سلامته. رتبوا خروجه من صنعاء بسرية مطلقة وبحذر يحبس الأنفاس، عبر طريق الحديدة، حتى قذفت به المقادير إلى مدينة تعز.

هنا تبدأ الحكاية خلف الكواليس. في جنح الظلام وتحت غطاء من السرية المطبقة، تولى أخي محمد عبد الولي مهمة استقباله وإيوائه بحرفية أمنية عالية. كان من يعلم بالخطة في تعز لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وعلى رأسهم الشهيد عبد القادر سعيد والمناضل مطيع دماج.

وصل عمر متعباً، مثقلاً بهموم وطن يُذبح رفاقه في الشوارع. استقر في المنزل الذي كان يستأجره محمد في منطقة “الضبوعة”، وتحديداً عند نهاية شارع جمال وبداية طريق الكمب. كان بيتاً متواضعاً يتكون من غرفتين فقط. عند وصوله، كنتُ نائماً في الغرفة الصغيرة، واستيقظت لأعرف أن الضيف الثقيل سياسياً، الحبيب إنسانياً، هو عمر الجاوي.

لم يجهد محمد نفسه في تحذيري أو مطالبتي بالصمت؛ كان يعرف جيداً طباعي الكتومة وجينات الوفاء التي نتقاسمها. لم يطل بقاء عمر في بيتنا خوفاً من انكشاف الأمر؛ ففي عصر اليوم التالي، تم نقله بهدوء تام إلى ملاذ آخر علمنا به لاحقاً، وهو منزل الأستاذ سعيد الجناحي بالقرب من المستشفى الجمهوري. كان المبنى حكومياً ومخصصاً للجناحي بصفته مديراً عاماً لمشروع مياه ومجاري (كندي التذكاري)، ولحسن الحظ كان الجناحي غائباً في رحلة طويلة إلى عدن، ولم يعد منها إلى تعز بعدها.

كانت تعز ليلتها تغلي، وأعين عسس الأجهزة الاستخباراتية التابعة للدولة، بل وحتى بعض الأعين الحزبية والتقدمية الفضولية، مسلطة كالمرايا على منزل محمد عبد الولي، وكانت الشكوك تحوم حول كل المقربين منه. عشنا أياماً من حبس الأنفاس، حتى تكللت الجهود بترتيب هروب عمر عبر المناطق الوسطى بمرافقة “طيب الذكر” مطيع دماج. وما إن وصل الخبر اليقين بأن عمر الجاوي بات آمناً في عدن، حتى تبددت عيون العسس، وتنفستا الصعداء، مدركاً منذ ذلك التاريخ أن الصداقة عند هؤلاء الرجال كانت أقدس من خطوط السياسة ونقاط التفتيش.

الشذرة الثالثة: البرقية الصاعقة.. ثمن النزاهة النبيلة

في إحدى قعداتي الحميمية بصنعاء مع الأستاذ صالح الدحان، تداولنا سيرة عمر. وعلى الرغم من أن الدحان كان يحمل تحفظاً معروفاً تجاه الجاوي، بسبب صراحته المفرطة وحدته التي لا ترحم أولئك الذين يبدون مرونة مع رجال السلطة أو يمسكون العصا من المنتصف، إلا أن الدحان- بأمانة المثقف والمنصف- قال لي يومها: “عمر كينونة خاصة لا تمس بسوء، ونزاهته سيف قاطع”. وروى لي تفاصيل قصة الأرض.

كانت السلطة في صنعاء، ممثلة بالرئيس علي عبد الله صالح، تتبع سياسة “التأليف بالمال”؛ أي كسب ود المعارضين الشرسين من خلال العطايا والمنح العقارية. وحين عجز الرئيس عن إيجاد مدخل لعمر الجاوي، وجد ثغرة عبر زوجته آنذاك، الناشطة ثريا منقوش. قام الرئيس بإهدائها قطعة أرض واسعة تبلغ مساحتها (35 لبنة) في أرقى المربعات السكنية في منطقة “حدة”.

طار الخبر وعبر البحار ليصل إلى مسامع عمر الجاوي وهو في زيارة رسمية للعاصمة السوفيتية “موسكو”. لم يتريث عمر، ولم يفكر بلغة المكاسب العائلية أو تأمين المستقبل. توجه فوراً إلى مكتب البريد البرقي، وبعث برقية مباشرة إلى قصر الرئاسة بصنعاء، نصها كالصاعقة:

“إن كان هناك حق لتوزيع أراض الدولة عند أحد؛ فهذا الحق لي أنا وحدي، أنا من دافع عن صنعاء ولست أنت، اسحب ما لا تملكه من عطائك فوراً”

بمجرد أن وطئت قدماه أرض الوطن، رفض عمر أي وساطة أو نقاش، وضغط بكل ثقله على زوجته لإعادة الأرض التي لا يستحقونها بأي حق وطني. وكان عنادها ورفضها الانصياع لكبريائه النضالي هو القشة التي قصمت ظهر البعير وسجلت نهاية العلاقة الزوجية بينهما بالطلاق. طُويت السير الأرضية، واستفادت ثريا من ثروتها لاحقاً لتنتهي بها دروب الحياة في أمريكا، بينما بقي عمر في صنعاء، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكنه يملك تاريخاً لا يُشترى، وأنفةً عجزت دولارات النفط وعقارات حدة عن تدنيسها.

الشذرة الرابعة: صفعة في دار الرئاسة.. السخرية حين تصبح قذيفة

كان الشموخ والأنفة الوطنية أمام الأقوياء صفة جينية في تكوين عمر. لم يكن يرى في الحكام سوى موظفين لدى الشعب، ولم يكن يرهبه بريق النياشين أو حراسات القصور.

في التسعينيات، ورغم مواقفه المعارضة الشرسة، فرضت مكانة عمر الاعتبارية كأمين عام لاتحاد الأدباء والكتاب وزعيم لحزب التجمع الوحدوي أن يكون مدعواً في لقاء موسع ضم كبار القوم ورجال الدولة في دار الرئاسة. دخل الرئيس علي عبد الله صالح القاعة، وبدأ يطوف على الحضور الذين وقفوا عند دخوله، مصافحاً الحضور واحداً تلو الآخر، مستغلاً هذه الطقوس لتمرير قفشاته السياسية واستفزاز خصومه.

حين وصل الرئيس إلى حيث يقف عمر الجاوي، وأثناء المصافحة، أراد الرئيس أن يستفزه ويحرجه أمام الحشد، لكسر كبريائه، فالتفت إلى الحاضرين وقال بنبرة متهكمة: “هذا عمر.. تصوروا قام بتطليق زوجته لأنها اتخذت مساراً إسلامياً منحرفاً عن معتقدات اليسار!”.

ساد الصمت القاعة، وانتظر الجميع رؤية الجاوي محرجاً. لكن بديهية عمر لم تخذله يوماً، ولم يستغرق الرد سوى ثانية واحدة، فالتفت نحو الرئيس وصوب قذيفته اللغوية فوراً:

“جميل أن إسلامها انتهى بالطلاق.. في ناس قتلوا زوجاتهم لذات السبب!”

كانت الكلمات بمثابة صفعة مدوية جمدت الدماء في العروق. أدرك الجميع أن السهم ارتد على الرامي، وأن عمر كان يشير بوضوح لا يقبل اللبس إلى الشائعات والجرائم الغامضة التي كانت تطبخ خلف أبواب القصور والتي طالت زوجة الرئيس (أم أحمد) في حادثة وفاتها الغامضة داخل سيارة الرئاسة المصفحة.

اكفهر وجه الرئيس فوراً، وامتقعت ملامحه، وساد وجهه غضب ثقيل ومثخن لم يستطع إخفاءه طوال جلسة القات. أما عمر، فقد عاد ليتكئ على مركاته ببرود عجيب، وابتسامة ساخرة تلوح على شفتيه، تاركاً للحاضرين – وللتاريخ – متعة تأمل الفارق بين قوة السلطة وسلطة الحق.

خاتمة: الأثر الساخر الذي لا يغيب

وهكذا، يتضح لنا أن عمر الجاوي لم يكن يرتدي اسمه كسمةٍ عابرة، بل كان الاسم قميصاً صُنع على مقاس روحه تماماً؛ “عمارةٌ” في المبادئ، و”عدلٌ” في الخصومة، و”امتدادٌ” في الذاكرة الجمعية لا يطويه الغياب.

حين نبشّ في كواليس تلك السنوات، من فندق المخا إلى زوايا تعز المعتمة، وصولاً إلى صفعات السخرية في ردهات القصور، ندرك أن الجاوي لم يرحل؛ بل ترك خلفه نمطاً عصياً على التكرار، وشفرةً إنسانية تُعلّم الأجيال كيف يكون المثقف حارساً للحقيقة لا تابعاً للسلطة، وكيف يمكن للكلمة الساخرة أن تزن قصوراً وترجح بموازين القوة.

قد تعجز المفردات عن ملاحقة فضاءاته، وقد يظل قلمي يشعر بذات القيد والتهيب أمام جلال ذكراه، لكنني اليوم -على الأقل- أتنفس الصعداء؛ فقد كسرتُ حصار الصمت لثلاثة عقود، ونقلتُ للعالم عيناً رأت عمر الإنسان، النبيل، والصديق الذي مشى على الأرض خفيفاً من حطام الدنيا، ثقيلاً بمواقف تزن جبالاً. سيبقى عمر الجاوي فصلاً ومدرسة في كتاب الوفاء والكرامة، فصلاً يُقرأ كلما احتجنا أن نتذكر.. كيف ينتصر الحق بأقل الكلمات، وأعمق المواقف.


يونيو 1، 2026